دشّن المغرب منذ عام 2021 ورشاً تشريعياً وتنظيمياً طموحاً لتعميم التغطية الصحية، بإقرار القانون الإطار رقم 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية، الذي حدد نهاية عام 2025 كسقف زمني لإدماج جميع السكان ضمن نظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض (AMO). وتسارعت وتيرة تسجيل الأشخاص غير الأجراء في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، مع اتخاذ تدابير مصاحبة لتعزيز سلة العلاجات الموجهة للفئات الأشد فقراً. غير أن هذا المسار يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى تحوّله إلى تغطية صحية فعلية، أم أنه يظل أسير رؤية نيوليبرالية تكتفي بشمول اسمي وفئات وسلة خدمات محدودة، بعيدة عن التمكين المستدام للحق في العلاج.
السياقات والمسارات
ظلت خدمات الضمان الاجتماعي في المغرب منذ الاستقلال محصورة في مقاربة بسماركية ضيقة، تجعل الأجير المموّل والمستفيد الأساسي، دون بلورة حلول لغير الأجراء. ولم يُشرع في تفعيل نظام المساعدة الطبية (RAMED) لفائدة عديمي وضعاف الدخل إلا عام 2012، غير أن هذا النظام ظل محدوداً بسبب صعوبة حصر المستحقين وضعف الميزانية السنوية التي لم تتجاوز ملياري درهم. مع حلول جائحة كوفيد-19، انكشفت هشاشة شبكات الأمان الاجتماعي، إذ كان حوالي 75% من المواطنين خارج التغطية الصحية النظامية. في هذا السياق، صدر القانون الإطار الذي حدد أربع ركائز للحماية الاجتماعية، على رأسها تعميم التأمين الصحي، مع مراجعة التشريعات، خصوصاً القانون 27.22، الذي أوصى بالاعتماد على السجل الاجتماعي الموحد لحصر الأسر المعنية بالولوج المجاني.
على المستوى المالي، اعتمدت الحكومة صيغة هجينة بين النظامين البيفريدجي والبسماركي، حيث خُصصت ميزانية سنوية لتعميم التغطية الصحية تقارب ثلث الغلاف المالي الإجمالي لورش الحماية الاجتماعية (نحو 51 مليار درهم)، موزعة بين 28 ملياراً تُحصّل من اشتراكات الفئات القادرة و23 ملياراً عبر آلية التضامن، بفرض رسوم جديدة كالمساهمة الاجتماعية للتضامن على الأرباح والدخول الخاصة بالمقاولات، والضرائب والمكوس الداخلية على بعض المواد كالتبغ المصنع والأجهزة الكهربائية والإلكترونية، إضافة إلى الواجب التكميلي للرسوم القضائية والرسم على عقود التأمين. ولاستهداف المعنيين، جرى الاعتماد على السجل الاجتماعي الموحد، الذي يحدد مؤشر 9.32 كعتبة للفرز بين نظام “أمو تضامن” للعاجزين عن الدفع ونظام “أمو شامل” للقادرين على الأداء، وفق صيغة حسابية بلورتها المندوبية السامية للتخطيط بدعم من البنك الدولي.
الحصيلة الكمية بين الإنجاز والوهم
انطلق المشروع في ديسمبر 2022 بنقل 11 مليون شخص من نظام المساعدة الطبية إلى التأمين الإجباري، بتخصيص نحو مليار دولار سنوياً لتحمّل اشتراكاتهم، كما تم إدماج نحو 4 ملايين من غير الأجراء. وفق المعطيات الرسمية، انتقل عدد المسجلين في التأمين الإجباري من 8.6 مليون إلى 32.4 مليون شخص، لتبلغ نسبة التغطية حوالي 88% في نهاية 2025، مقابل 42% عام 2020. غير أن هذه الأرقام تخفي حقائق مهمة: نسبة 42% التي شكلت أساس القياس كانت تستبعد منخرطي نظام المساعدة الطبية، وبإدماجهم لا تتجاوز نسبة التحسن الفعلية 14%، كما راهنت الحكومة على تسجيل 22 مليون منخرط جديد خلال 2022-2023 لكن الإنجاز لم يتجاوز 68% من الهدف، ولا يزال حوالي 5 ملايين شخص خارج أي نظام تغطية صحية.
الإشكالات والمفارقات
رغم الإنجازات الكمية، تعكس المؤشرات واقعاً مغايراً لحقيقة شمول الأسر الضعيفة. فأولاً، هناك حوالي 3.5 مليون شخص في وضعية هشة مسجلون اسمياً لكنهم غير مستفيدين فعلياً بسبب وجودهم ضمن “وضعية مغلقة” نتيجة عدم انتظام الأداء أو عدم كفاية مدة التصريح، والأخطر أن 92% من الملزمين بالاشتراك يتجاوزون عتبة أهلية التأمين المجاني بهامش ضئيل، ما يجعلهم عاجزين عملياً عن المساهمة فيفقدون حقهم في الخدمات الصحية.
ثانياً، أصبحت مدفوعات الأسر تشكل 50% من إجمالي المصاريف الصحية مع نهاية 2025، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بالمعدل الدولي 25%، وتفاقم بسبب ضعف استرجاع المصاريف الفعلية للعلاجات والاستشفاء، مما يدفع 30% من المؤمَّنين إلى الاستنكاف عن طلب العلاج لأسباب مالية. وهذه المفارقة مرشحة للتفاقم مع تقهقر كفاءة القطاع العمومي.
ثالثاً، يُعتبر القطاع الخاص الصحي أكبر مستفيد من السياسة الجديدة، إذ تستفيد مؤسساته من حوالي 80% من نفقات التأمين الصحي الإجباري للفئات المشمولة بآلية التضامن، وكأن الأمر يتعلق بجلب “زبناء مربحين” للمصحات الخاصة، خصوصاً في علاج الأمراض المزمنة. أما بالنسبة للخاضعين لنظام الاشتراك، فتتراوح النسبة بين 84% و97%، وسط تراجع العرض الصحي العمومي وارتفاع تكاليف التشخيص والاستشفاء.
الخلفية النيوليبرالية والإقصاء الممنهج
تعكس هذه الاختلالات، بقدر ارتباطها بقيود تشريعية وتدبيرية، هيمنة المنظور النيوليبرالي في تصميم المنظومة، بتأثير من المؤسسات المالية الدولية التي تدفع نحو استهداف أقل عدد ممكن من الفقراء بالتغطية المجانية وترك الأغلبية تحت رحمة السوق، وتقليص مشمولات التغطية إلى خدمات منخفضة التكلفة، واعتبار الخدمات الصحية عبئاً على الميزانية ينبغي نقله إلى الأسر، وتضييق سلة الخدمات العمومية مقابل منح امتيازات للقطاع الخاص تحت مسوغ الشراكة وتوسيع العرض الصحي.
نحو تغطية صحية فعلية
أمام تراكم المعيقات، يتعين التكريس الفعلي للحق في التغطية الصحية، وذلك عبر اعتماد مقاربة حقوقية في تحديد المشمولين تشمل كل الفئات الهشة فعلاً، ومراجعة الصيغ الحسابية لفصل القادر عن غير القادر بالنأي عن الهواجس التقشفية. كما يتطلب الأمر الرفع من ميزانية الصحة من 7% إلى 12% من الميزانية العامة وصولاً إلى 10% من الناتج المحلي الإجمالي، ودعم وصول الفئات الهشة للدواء والعلاجات عبر التوزيع الجغرافي العادل للوحدات الطبية وتوسيع شبكة الرعاية الأولية، وتجنيد المزيد من الكوادر الطبية. أما على مستوى التكفل، فينبغي مراجعة التعريفة الوطنية المرجعية للعلاجات لزيادة حصة النفقات المسترجعة، وتطوير حلول مبتكرة كالبطاقات الصحية الذكية وتبسيط مسطرة التكفل المسبق بمصاريف العمليات الجراحية.
وفى النهاية
بمقياس المؤشرات الكمية، حقق المغرب تقدماً على درب تعميم التغطية الصحية، بتزايد عدد المستفيدين من نظام التأمين لغير القادرين. لكن تسجيل الأسر الفقيرة في الصندوق الوطني لا يضمن فعلية التمتع بالخدمات، أمام عدم كفاية البنى والتجهيزات، واستبعاد الآلاف من محدودي الدخل الذين تصنفهم خوارزميات الاستهداف ضمن “القادرين” رغم عجزهم الفعلي عن الأداء. ولتجاوز هذه التحديات، تظل الحاجة ماسة إلى تعميم استفادة الأسر الهشة من التأمين الصحي وفق مقاربة حقوقية، تضمن شمول جميع الفقراء بآلية التضامن، وتكفل فعلية الاستفادة من سلة الخدمات العلاجية في القطاعين العام والخاص، تحقيقاً لمقتضيات الفصل 31 من الدستور والمرجعيات الدولية كاتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 102 وتوصية رقم 202 وأهداف التنمية المستدامة.






