منذ استقلال السودان عام 1956، لم تعرف البلاد طعم الاستقرار، إذ تلاحقت الحروب الأهلية حتى أصبحت الميليشيات المسلحة هي اللاعب الأبرز في المشهد، تتناسل من رحم الأزمات، وتتمدد على خريطة الوطن الممزق بين الولاءات القبلية والطموحات العسكرية. ومع اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في أبريل 2023، انفجرت خريطة جديدة من العنف، حيث يُقدّر عدد الميليشيات النشطة بأكثر من تسعين، تتوزع بين دعم الجيش أو محاربة الدولة، ما ينذر بتحول السودان إلى ساحة دائمة للحرب.
تاريخ صعب للسودان
تعيش السودان واحدة من أعقد مراحلها التاريخية، بعدما تحولت الميليشيات المسلحة من أدوات سياسية إلى سلطات ميدانية تفرض واقعها على الأرض. هذه الجماعات تنقسم إلى تكتلات جغرافية وآيديولوجية وقبلية، بعضها موالٍ للجيش، وبعضها الآخر لـ«قوات الدعم السريع»، فيما تزعم فئة ثالثة الحياد.
أغلب هذه الميليشيات تتمركز في إقليم دارفور، حيث نشأت حركات مثل «تحرير السودان» و«العدل والمساواة» خلال حرب دارفور عام 2003، قبل أن تنقسم إلى فصائل متناحرة. ومع الحرب الأخيرة، تحالفت بعض هذه الحركات مع الجيش تحت مسمى «القوة المشتركة»، بينما انضمت أخرى إلى صفوف «الدعم السريع» بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي).
إلى جانب ذلك، نشأت ميليشيات جديدة في الشرق والوسط والشمال، أبرزها «درع السودان» و«قوات شعب الوسط»، وميليشيات شرق السودان التي تلقت دعمًا وتسليحًا من دول الجوار. وتتمتع هذه الجماعات بنفوذ قبلي قوي لكنها تعاني انقسامات حادة تهدد بانفجار صراعات محلية جديدة.
كما أعادت الحرب إلى الواجهة ميليشيات مرتبطة بالنظام الإسلامي السابق مثل «قوات الدفاع الشعبي» و«كتائب الظل»، التي عادت للقتال إلى جانب الجيش رغم قرار حلها سابقًا، ما يعكس تشابك المصالح بين القوى العسكرية والسياسية القديمة والجديدة.
مخاوف من الحالة اللييبية
ويحذر محللون من أن تفكك السلطة المركزية وغياب السيطرة على السلاح الرسمي سيقود السودان إلى واقع يشبه الحالة الليبية، حيث تتعدد الحكومات وتتقاسم الميليشيات النفوذ. ويرى بعض المراقبين أن البلاد ماضية نحو مرحلة «اللوردات المحليين»، إذ يفرض كل قائد سلاحه كسلطة فعلية على منطقته، بينما يتلاشى دور الدولة تدريجيًا.
وفي ظل هذا المشهد المتداخل، تبقى الأسئلة الكبرى معلقة: هل يمكن للسودانيين إعادة بناء جيش وطني موحد؟ أم أن البلاد تسير نحو دوامة جديدة من الحروب التي لا نهاية لها؟






