منذ أن عاد دونالد ترامب إلى واجهة المشهد السياسي في الولايات المتحدة، عاد معه ملف إيران إلى قلب المعادلة الدولية، لا بوصفه ملفاً دبلوماسياً تقليدياً، بل باعتباره اختباراً تاريخياً مركباً تتداخل فيه الذاكرة الأمريكية مع حسابات الردع والقوة.
وفي خلفية هذا المشهد، تبرز ما يمكن تسميته بـ«عقدة كارتر»، كظلٍّ سياسي يلاحق القرار الأمريكي كلما اقترب من خيار الحرب.
هذه العقدة لا ترتبط بشخص جيمي كارتر فقط، بل باللحظة التأسيسية التي اهتزت فيها صورة الهيبة الأمريكية خلال أزمة احتجاز الرهائن في طهران عام 1979.
تلك الواقعة تحولت لاحقاً إلى مرجع نفسي واستراتيجي في العقل السياسي الأمريكي، يُستدعى كلما واجهت واشنطن خصماً شديد الصلابة وصعب الاحتواء.
في تلك المرحلة، لم تكن إيران مجرد دولة تمر بتحول داخلي، بل كانت ساحة لانهيار نظام حليف لواشنطن وصعود نظام ثوري أعاد تشكيل قواعد التوازن الإقليمي.
ومع اقتحام السفارة الأمريكية واحتجاز الدبلوماسيين، دخلت إدارة كارتر في أزمة طويلة كشفت حدود القوة الأمريكية في إدارة التحولات المفاجئة.
فشل عملية الإنقاذ العسكرية «مخلب النسر» لم يكن مجرد إخفاق عملياتي، بل تحول إلى رمز سياسي ثقيل. فقد أصبحت صور الطائرات المحترقة في الصحراء الإيرانية جزءاً من الذاكرة الأمريكية الجمعية، وساهمت في تآكل شعبية كارتر، قبل أن يخسر الانتخابات أمام رونالد ريغان عام 1980.
منذ ذلك الوقت، أصبحت إيران في الوعي الاستراتيجي الأمريكي ملفاً عالي الحساسية، تحيطه درجة كبيرة من الحذر. ويشير الباحث في العلاقات الدولية ستيفن والت، من جامعة هارفارد إلى أن الولايات المتحدة كثيراً ما تبالغ في تقدير قدرتها على فرض النتائج في الشرق الأوسط، بينما تُقلل من قدرة الخصوم على التكيف وإطالة أمد الصراع.
وفي الاتجاه نفسه، يقدم جون ميرشايمر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، قراءة واقعية أكثر صرامة، إذ يرى أن القوى الكبرى عندما تدخل حروباً ضد خصوم إقليميين يمتلكون عمقاً استراتيجياً وشبكات نفوذ، فإنها غالباً ما تنزلق إلى صراعات طويلة غير محسوبة النتائج، حتى لو بدأت بتفوق عسكري واضح.
أما جوزيف ناي من جامعة هارفارد، فيضيف بعداً آخر عبر مفهوم «القوة الناعمة»، مؤكداً أن الاعتماد على القوة العسكرية وحدها لم يعد كافياً لتحقيق الحسم في بيئات سياسية معقدة، وأن كلفة فقدان الشرعية الدولية قد تكون أحياناً أعلى من كلفة الحرب نفسها.
في هذا السياق، برزت دراسات مؤسسة راند التي لطالما حذرت من سيناريوهات «الحرب المفتوحة غير المقيدة» مع إيران، مشيرة إلى أن طبيعة البنية العسكرية الإيرانية القائمة على الانتشار غير المتكافئ، والحروب بالوكالة، تجعل أي صراع مباشر قابلاً للتحول إلى نزاع إقليمي واسع.
كما قدم مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS في واشنطن تحليلات تفيد بأن أي مواجهة مع إيران لن تبقى محصورة في الجغرافيا الإيرانية، بل قد تمتد إلى الخليج ومضيق هرمز وسلاسل الطاقة العالمية، ما يرفع التكلفة الاقتصادية عالمياً بشكل كبير.
من جهته، يشير معهد بروكينغز إلى أن السياسة الأمريكية تجاه إيران تعاني من «ازدواجية استراتيجية»: الرغبة في الردع الصارم من جهة، والخوف من التورط في حرب طويلة من جهة أخرى، وهو ما يخلق حالة من التردد المزمن في القرار.
إيران اليوم ليست إيران 1979. فهي تمتلك بنية عسكرية وأمنية معقدة، وشبكة نفوذ إقليمي تمتد عبر أكثر من ساحة، وقدرة على إدارة صراع طويل الأمد بأساليب غير تقليدية. وهذا ما يجعل أي مواجهة معها مختلفة جذرياً عن الحروب السريعة التي اعتادت عليها الولايات المتحدة في تجارب سابقة.
ويحذر الباحث في كارنيغي للسلام الدولي، كريم سجادبور، من أن فهم إيران من زاوية القوة العسكرية فقط يؤدي إلى تقديرات خاطئة، لأن سلوكها الاستراتيجي يقوم على «التحمل الطويل وتآكل الخصم» وليس على المواجهة المباشرة السريعة.
في الداخل الأمريكي، تتقاطع هذه الرؤى مع واقع سياسي أكثر انقساماً. فالمجتمع الأمريكي، كما تشير دراسات متعددة صادرة عن مراكز بحثية مثل راند وبروكينغز، أصبح أقل استعداداً لتحمل كلفة حروب طويلة، وأكثر حساسية تجاه الخسائر البشرية والمالية.
ويضيف المفكر فرانسيس فوكوياما أن الولايات المتحدة باتت تواجه فجوة متزايدة بين القدرة على إسقاط الأنظمة بالقوة، والقدرة على بناء استقرار سياسي مستدام بعدها، وهو ما ظهر بوضوح في تجارب العراق وأفغانستان.
في المقابل، يرى بعض الصقور داخل مراكز التفكير في واشنطن، خصوصاً في دوائر قريبة من معهد هادسون، أن التردد في مواجهة إيران قد يُفسَّر كضعف استراتيجي، ويقوّض مصداقية الردع الأمريكي. لكن هذا الطرح يصطدم دائماً بسؤال عملي معقد: كيف يمكن بدء مواجهة محدودة دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة؟
هنا تتجلى «عقدة كارتر» في صورتها الحديثة. فهي ليست مجرد خوف من الحرب، بل خوف من فقدان السيطرة على نتائجها. فالرئيس الأمريكي قد يمتلك قرار البدء، لكنه لا يمتلك دائماً أدوات التحكم في النهاية.
ترامب، الذي بنى جزءاً من خطابه السياسي على رفض «الحروب الطويلة» وانتقاد تدخلات الماضي، يجد نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد: إظهار القوة من جهة، وتجنب الانزلاق إلى مستنقع استراتيجي من جهة أخرى. وهي معادلة تختبر حدود الخطاب السياسي عندما يواجه واقعاً دولياً صلباً.
في المحصلة، لا يبدو ملف إيران مجرد ملف أمني أو نووي، بل ساحة اختبار لفكرة القوة الأمريكية نفسها. وبين ذاكرة كارتر، وتحذيرات مراكز الدراسات، ونظريات كبار المفكرين الأمريكيين، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تستطيع واشنطن إدارة حرب محتملة مع إيران دون أن تتحول إلى نقطة انعطاف داخلي كما حدث في تجارب تاريخية سابقة؟
وهكذا، تبدو «عقدة كارتر» ليست عائقاً نفسياً فقط، بل إطاراً تفسيرياً كاملاً لفهم تردد القوة العظمى حين تقترب من حدودها القصوى.




