تتأهب المملكة المغربية للانتخابات التشريعية المقررة في 23 سبتمبر وسط نقاش حاد حول عزوف الشباب عن المشاركة السياسية.
وعلى الرغم من التحسن الاقتصادي، يكشف التباين بين النسبة السكانية للفئة العمرية (18-24 عاماً) البالغة 12% ومشاركتهم في قوائم الناخبين التي لا تتجاوز 3% عن عمق أزمة الثقة بالعمل الحزبي.
التنافس الحزبي
تسعى الأحزاب الرئيسية، كالتجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، لاستقطاب الناخبين عبر الوعود بتوفير فرص العمل والاستثمار في البنية التحتية، لا سيما مع التحضير لكأس العالم 2030.
وتظهر استطلاعات «أفروباروميتر» أن ثلث الشباب فقط يثقون بالبرلمان والحكومة، مع تسجيل بطالة مرتفعة تصل إلى 27%، مما يقلل من جاذبية الخطابات الانتخابية.
قراءة الباحثين
يرى الباحث محمد مصباح أن محاولات الهجرة الجماعية تشكل احتجاجاً اجتماعياً و«خروجاً جسدياً» من العملية السياسية.
وفي السياق ذاته، يوضح الاقتصادي رشيد أوراز أن المنافسة الحزبية تنحصر في كيفية تنفيذ الرؤى التي يحددها القصر، مما يضعف شعور المواطن بجدوى صوته الانتخابي في تغيير التوجهات العامة للبلاد.
المفارقة الاقتصادية
تتجلى المفارقة في النجاحات الاستثمارية بالقطاعات الكبرى مقابل واقع المعيشة اليومي؛ حيث يتواجد شاب من كل ثلاثة خارج منظومة العمل والتعليم والتكوين.
ويؤكد هذا الوضع أن الإشكالية تتجاوز خلق الوظائف إلى غياب مسارات اندماج واستقرار واضحة تنعكس مباشرة على تطلعات الجيل الجديد.
الضمانات القانونية
وضعت السلطات إطاراً تنظيمياً صارماً لضمان نزاهة الحملة الانتخابية وتكافؤ الفرص بين المرشحين وغقا لمراقبين.
ورغم أن هذا التأطير يشكل ركيزة مؤسسية هامة، إلا أن رفع نسب المشاركة الفعلية يظل مرهوناً بمدى اقتناع الشباب بقدرة المؤسسات المنتخبة على معالجة قضاياهم المعيشية بفاعلية وشفافية.
اختبار المصداقية
يظهر الاهتمام المتزايد بالشأن العام خارج القنوات التقليدية أن الشباب ليسوا غائبين عن السياسة، بل عن أطرها الرسمية.
ويضع هذا الواقع الأحزاب والمؤسسات أمام اختبار معقد لتأسيس مرحلة جديدة تحول القلق الاجتماعي إلى مشاركة سياسية منظمة وتترجم الوعود إلى نتائج ملموسة.
مخاوف القوى السياسية
أبرزت وكالة «رويترز» في تقاريرها تزايد مخاوف القوى السياسية المغربية من تداعيات عزوف الشباب على شرعية المخرجات الانتخابية.
ومن جانبها، سلطت «فرانس برس» الضوء على الفجوة بين الطفرة الاقتصادية ومعدلات البطالة مرتفعة النسبة، مشيرة إلى أن استمالة الصوت الشبابي باتت التحدي الأكبر للحكومة المقبلة.
حدود الاستقطاب الحزبي
تؤكد المعطيات الراهنة أن أزمة المشاركة السياسية بالمغرب تتجاوز حدود الحملات الانتخابية والوعود الاقتصادية المباشرة.
إن استمرار الفجوة بين الأرقام الاقتصادية الكلية والواقع المعيشي للشباب يحول العزوف الانتخابي إلى موقف احتجاجي ضمني ضد الأداء الحزبي التقليدي.
وتتوقف قدرة النظام السياسي على احتواء هذا العزوف على مدى استعداد الحكومة المقبلة لإحداث قطع مع النمط الإداري السائد، عبر مراجعة آليات الاندماج الاجتماعي، وإشراك الشباب في صناعة القرار المحلي والاقتصادي بضمانات حقيقية.
محطة مفصلية
تشكل الانتخابات التشريعية المقبلة محطة مفصلية لرسم معالم العلاقة بين الجيل الجديد والمؤسسات السياسية في المغرب.
وإن نجاح المرحلة القادمة لن يُقاس بمدى توزيع المقاعد البرلمانية، بل بمدى القدرة على إعادة بناء الثقة المفككة، وتحويل التطلعات الشبابية إلى سياسات عمومية منتجة تعزز الاستقرار والتنمية المستدامة.