هو مالك بن أنس بن مالك. وكان جده الثاني: [أبو عامر بن عمرو] من صحابة رسول الله صلى اللّٰه عليه وسلم، وشهد معه الغزوات كلها ما عدا غزوة بدر.
حرص مالك على طلب العلم: عُرف الإمام مالك بقوة الحافظة، والاحتياط والتحري الدقيق في رواية الحديث، لا ينقل إلا عن الثقات الأثبات، ولا يخدعه مظهر الراوي أو حسن هندامه.
نشأ فقيرًا يتيمًا، حيث توفي والده وهو لا يزال صبيًّا يافعًا، فتولت والدته تربيته وتعليمه، فقامت بذلك خير قيام، وكان لها الفضل الأكبر -بعد الله- في اختيار سبيل العلم، وتثبيته على ذلك، حيث كاد أن يميل -في أول أمره- إلى الغناء، ولكن الله سلم، لأنه كان أراد به خيرًا، وقدر له أن يكون من أئمة العلم والهدى، المتبوعين الهادين المهديين، فوقفت والدته سدًّا منيعًا دون تحقق رغبته تلك؛ لأنها كانت تتمنى أن ترى ابنه عالمًا راسخًا في علوم الكتاب والسنة، فأرشدته إلى التحلي بالعلم، وحثته عليه، فامتثل لأمرها، واتخذ: «طلب العلم» مبتغاه ومقصد حياته ومركز آماله وطموحاته، ثم مضى يشق فيه طريقه ويتقدم إلى الأمام، ولم ير إلى الوراء قط، ولم يزل يحث الخطى ويواصل السعي حتى بلغ السامق السابق من المراتب، وعُدّ من أعلام علماء الأمة المجتهدين الذين يقتدي بهم الملايين ويستنيرون بنتائج علمهم في مشارق الأرض ومغاربها.
هذا. وأول شيخ اختاره ليتتلمذ على يديه: ربيعة الرأي -أحد مستشاري خامس الخلفاء الراشدين: عمر بن عبد العزيز رحمه الله- وذلك بمشورة من والدته التي رغبته في التتلمذ عليه، فقالت له: «اذهب إلى ربيعة، فتعلم من أدبه قبل علمه».. فلزم مالك ربيعةَ، الذي كان ممن يُشهد لهم بالرأي العميق والاستنباط الدقيق واللسان الفصيح.
قال مالك: كنت آتي ابن هرمز بكرة، فما أخرج من بيته حتى الليل، وقال مصعب: كان مالك يقود نافعًا من منزله إلى المسجد، وكان قد كفّ بصره، فيسأله فيحدثه، وكان منزل نافع بناحية البقيع، قال مالك: كنت آتي نافعًا مولى ابن عمر، فيحدثني وأنا يومئذ غلام ومعي غلام لي وينزل إلي من درجة له، فيقعدني معه فيحدثني، وقال: كنت آتي نافعًا نصف النهار وما تظلني الشجر من الشمس إلى خروجه، فإذا خرج أدعه ساعة كأني لم أرده ثم أتعرض له فأسلم عليه وأدعه، حتى إذا دخل البلاط أقول له كيف قال ابن عمر في كذا وكذا؟ فيجيبني، ثم أحبس عنه، وكان فيه حدة.
يعلق عائض القرني على ذلك قائلًا: «تأمل حرصه على الطلب في الليل والنهار، حتى مع شدة حر الشمس وصبره على الشيوخ ومجاهدته للأخذ منهم، وهكذا يحصّل العلم، فالعلم لا يأتي إلا بصبر وحب وعشق وحر، وقد قال أهل العلم سابقًا ولا حقًا: أعط العلم كلك، يعطك بعضه».
كان من حرص مالك على العلم أنه كان يتحين أية فرصة يجدها سانحة لطلب العلم، ليخلو بالشيخ الذي يريد أن يتعلم منه في وقت يخلو من الزحام والصخب والضجيج، ومن الأمثلة الدالة على ذلك، قصته مع الزهري الذي كان يسميه: (بحر العلوم)، يقول مالك: «شهدت العيد، فقلت هذا يوم يخلو فيه ابن شهاب، فانصرفت من المصلى حتى جلست على بابه، فسمعته يقول لجاريته: انظري من بالباب؟ فسمعتها تقول: مولاك الأشقر مالك، قال: أدخليه، فدخلت، فقال ما أراك انصرفت بعد إلى منزلك؟ قلت: لا.. قال: هلا أكلت شيئًا؟ قلت: لا.. قال: فما تريد؟ قلت: تحدثني.. قال: هات.. فأخرجت ألواحي، فحدثني بأربعين حديثًا، فقلت: زدني.. قال: حسبك.. إن كنت رويت هذه الأحاديث فأنت من الحفاظ، قلت: قد رويتها.. فجذب الألواح من يدي، ثم قال: حدثني، فحدثت بها، فردها إلي، وقال: قم.. فأنت من ولاة العلم!
تقديره للعلم كان يعرف للعلم مكانته وعظمته، فيقدره حق قدره، ولا يعمل شيئًا تشم منه رائحة انتقاصه أو الحط من مكانته، فلما بعث إليه الخليفة هارون الرشيد: «يا أبا عبد الله! ينبغي أن تختلف إلينا (أي تزورنا) حتى يسمع صبياننا منك الموطأ»، فرد عليه مالك بقوله: «أعز الله أمير المؤمنين، إن هذا العلم منكم خرج، فإن أنتم أعززتموه عز، وإن أذللتموه ذل، والعلم يؤتى ولا يأتي»، فرضي الرشيد بهذا، وقال لولديه: اخرجا إلى المسجد حتى تسمعا مع الناس، فقال مالك: بشريطة ألا يتخطيا رقاب الناس، ويجلسا حيث ينتهي بهما المجلس، فحضرا على هذا الشرط، وكذلك لما حج الرشيد، وكان مالك بالمدينة، طلب منه الخليفة أن يحمل إليه كتاب الموطأ ليسمعه، فذكّره مالك بأن حق هذا العلم أن يسعى إليه طالبه، فقال هارون: «والله لا نسمع إلا في بيتك».
كان العلم بالاشتغال عند مالك لم يكن أقل أهمية من الاشتغال بالعبادة، قال ابن وهب: كنت عند مالك قاعدًا أسأله، فجمعت كتبي لأقوم، قال مالك: أين تريد؟ قال: قلت: أبادر إلى الصلاة، قال: ليس هذا الذي أنت فيه دون ما تذهب إليه، إذا صحت فيه النية.
فقه الإمام مالك: كانت طريقته في فقهه التدقيقُ في رواية الحديث، حتى لا يختلط صحيح بغير صحيح، ويطيل التفكير في المسألة قبل أن يفتي فيها، ويقول: «ربما وردت عليّ المسألة، فأسهر فيها عامة ليلتي»، وكان لا يستحيي أن يقول «لا أدري»، ولا يخجل من التصريح بها، فقد حدث أن جاءه رجل من سفر بعيد، وقال له: جئتك من مسيرة ستة أشهر، وقد حملني أهل بلدي مسألة أسألك فيها، فقال: «لا أحسن»، فيدهش الرجل، فقد ظن أنه قد جاء إلى من يعلم كل شيء، ثم لم يلبث أن قال له: أي شيء أقوله لأهل بلدي، إذا رجعت إليهم؟ فأجابه مالك: «لا أحسن».
لم يكن -رحمه الله- يستعجل في الإفتاء في كل ما يُستفتٰى، بل كان يتأنّى ويتريث ويأخذ بالحيطة والحذر، قال -رحمه الله-: «ما أجبت في الفتوى حتى سألت من هو أعلم مني: هل تراني موضعًا لذلك؟ سألت ربيعة وسألت يحيى بن سعيد، فأمراني بذلك».
لقد اعتنى بالحديث الشريف عناية فائقة، حتى صار فيه إمامًا.
ولم يكن بالأمر الهين أن يبلغ مالك هذه المنزلة، بل لقد تعب من أجلها، وسهر الليالي واجتهد، وصبر وحقق ودقق، وهو يقول في هذا الشأن: «كتبت بيدي مائة ألف حديث».
وقال: «إن هذا العلم دِين، فانظروا عمن تأخذونه.. لقد أدركت سبعين ممن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند هذه الأساطين -وأشار بيده إلى أعمدة المسجد- فما أخذت عنهم شيئًا، وإن أحدهم لو ائتمن على بيت المال لكان أمينًا، إلا أنهم لم يكونوا أهلًا لهذا الشأن».
قال خلف: دخلت عليه فقال لي: انظر ماذا ترى تحت مصلاي أو حصير؟ فنظرت فإذا أنا بكتاب، فقال: اقرأه، فإذا رؤيا بعثها بعض إخوانه يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد قد اجتمع الناس عليه، فقال لهم: إني قد خبأت تحت منبري طيبًا أو علمًا وأمرت مالكًا أن يفرقه على الناس، فانصرف الناس وهم يقولون: إذًا ينفذ مالك ما أمره به رسول الله صلى اللّٰه عليه وسلم، ثم بكى.
هذا. وجماع أصول مذهب مالك – بناء على ما صرح به وأشار إليه – استنبطه فقهاء المذهب من الفروع المنقولة عنه والآراء المدونة في موطئه، كما صرح به الإمام القرافي المالكي: (الكتاب – السنة – الإجماع – إجماع أهل المدينة – القياس – قول الصحابي – المصلحة المرسلة – العرف – العادات – سد الذرائع – الاستحسان – الاستصحاب).
«ومن هذه الأصول يتبين لنا خصوبة المذهب وسعته، وإمكان تخريج الأحكام عن أصوله الملائمة لكل عصر ومكان، لا سيما على أصل المصلحة المرسلة الذي سيطر على جميع فقه مالك في كل المسائل التي لا نص فيها، حتى قرن اسم المصالح المرسلة بمذهب مالك». (عائض القرني).
حبه للسنة وصاحبها: اختار مالك لمجلسه في التدريس والإفتاء، نفس المكان الذي كان يجلس فيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو نفس المكان الذي كان يجلس فيه الرسول الكريم، وقد كان حريصًا على التشبه بعمر في كثير من الأمور.
لقد كان مالك يهتدي بالسنة المطهرة، وكان يرى أنه لا يجوز مخالفتها أو الخروج عليها، وكان في أغلب الأحيان يشير إلى قبر رسول الله صلى اللّٰه عليه وسلم، ثم يقول: «كل أحد يؤخذ منه قوله أو يترك، إلا صاحب هذه الروضة»، وكان يتجنب أصحاب الأهواء و أهل الفرق ويأبى كل الإباء أي انحراف عن الدين، ولذلك إذا ذكر عنده أحد من أهل الأهواء والشكوك يتمثل بعبارة قالها عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين، فيقول: «قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: سن رسول الله صلى اللّٰه عليه وسلم، وولاة الأمر من بعده سننًا، الأخذ بها اتباع لكتاب الله تعالى، واستكمال لطاعته، وقوة على دين الله، وليس لأحد بعد هؤلاء تبديلها، ولا النظر في شيء خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم، وساءت مصيرا».
وكان مالك إذا ردد هذه العبارة العمرية، اهتز لها سرورًا، وبها إعجابًا، وكان في الحقيقة متأثرًا جدًّا بشخصية عمر بن عبد العزيز، وقد بلغ من إعجابه به أن رجلًا سأله عن الحكم الشرعي في الخارجين على الحكام، هل يجوز قتالهم؟ فقال له: إن خرجوا على مثل عمر بن عبد العزيز، فقاتلهم، فقال له السائل: فإن لم يكونوا مثله.. فأجابه بقوله: «دعهم ينتقم الله من ظالم بظالم، ثم ينتقم من كليهما».
وقد بلغ من إجلال مالك لحديث رسول الله صلى اللّٰه عليه وسلم أنه كان إذا وفد عليه جماعة من الناس لينهلوا من علمه، سألهم عما يريدون، فإذا أرادوا فقه المسائل، خرج إليهم وأجابهم عن أسئلتهم، أما إذا جاؤوا يريدون حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، فكان لا يخرج إليهم حتى يغتسل ويتطيب، ويلبس ثيابًا جديدة، ثم يخرج وعليه الخشوع إجلالًا منه للحديث الشريف.
ومما يدل على احترامه للحديث الشريف أنه كان -ذات مرة- يروي حديثًا لرسول الله صلى اللّٰه عليه وسلم فلدغته عقرب، فاحتمل اللدغة، ولم يقطع الرواية إجلالًا للحديث الشريف.
وبلغ من تعظيمه لحديث الرسول الكريم صلى الله عليه الصلاة أنه كان يعتبر رفع الصوت في درس الحديث أمرًا مكروهًا، يجب على المسلم ألا يفعله، ويستدل على ذلك بقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} (الحجرات: 2) فمن رفع صوته عند الحديث عن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم فكأنما رفع صوته فوق صوت النبي عليه الصلاة والسلام.
ومما يؤثر عنه أنه كان يستحيي أن يركب أي دابة في «المدينة المنورة»، ويقول: «إني لأستحيي أن أركب دابة تطأ بحافرها أرضًا يضم ترابها جسد الرسول صلى الله عليه وسلم.
أبرز أساتذته:
ربيعة الرأي، ونافع مولى ابن عمر، وابن شهاب الزهري، وابن هرمز.
من أبرز تلامذته:
عبد الرحمن بن القاسم، عبد الله بن وهب، الإمام الشافعي، أشهب بن عبد العزيز، يحيى بن يحيى المصمودي الأندلسي.
أشهر كتبه:
أشهر وأعظم كتاب للإمام مالك بن أنس، هو كتاب: «الموطأ»، وهو أول كتاب جامع صحيح دوّن في الإسلام، يجمع بين أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة وفتاوى التابعين وأحكام أهل المدينة، وقد ظل يعمل فيه تأليفًا وتهذيبًا وتنقيحًا مدة أربعين سنة، جعله على أبواب الفقه، وقد تلقته الأمة بالقبول في زمانه وبعد زمانه، وشرحه أكثر من واحد، وأراد الرشيد، وقبله أبو جعفر المنصور، حمل الأمة على اتباعه، فأبى مالك.
المدونة:
تجمع آراء مالك وأقواله كما سمعها منه تلميذه ابن القاسم، كما تجمع الأقوال المخرجة على أصوله وآراء أصحابه التي خالفوا فيها شيخهم، مع الآثار والأحاديث الواردة في مسائل الفقه، ثم جاء العلماء وشرحوها ولخصوها وعلقوا عليها.
ثناء وإجلال:
– لقد أجمع العلماء على جلالته وعلو مرتبته وإمامته وحذقه في هذه الصنعة، ومن أكبر الدلائل على جلالة قدره في هذا الفن الشريف كتابه: «الموطأ» الذي قال عنه الشافعي: «ما على وجه الأرض كتاب أصح بعد كتاب الله من موطأ مالك».
قال ابن هرمز له: “أنت من أوعية العلم”.
وقال سفيان بن عيينة: “ما نحن عند مالك؟”.
وَقال – أيضًا -: ” مالك سيد أهل المدينة “.
وقَال حماد بن زيد عندما وصله نعي مالك: ” لقد كان مالك من الدين”.
وقالَ الشافعي: «إذا جاءك الأثر عن مالك فشد به يدك».
وقال -أيضًا-: «إذا جاءك الخبر فمالك النجم».
وَقال -أيضًا-: «إذا ذكر العلماء فمالك النجم».
وقَال -أيضًا-: «مالك بن أنس معلمي، وفي رواية أستاذي».
وقالَ -أيضا-: «لو لا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز».
محنة الإمام مالك: تعرض للفتنة أو المحنة كما تعرض غيره الكثير من الأئمة والعلماء للأذى والامتحان، وتفصيل محنة الإمام مالك أنه كان يفتي بأن طلاق المكره لا يقع، فاستعمل بعض المعارضين فتوى مالك، وقالوا إذا كان الطلاق بالإكراه لا يقع، فكذلك البيعة بالإكراه لا تلزم، فخافت السلطة أن يؤدي هذا الكلام إلى إبطال بيعة الناس للخليفة وتشجيع التمرد، فغضبت من انتشار هذه الفتوى، فسجن وجلد حتى خلعت كتفه، وطيف به في شوارع المدينة، ومع ذلك ظل يعلن فتواه أمام الناس، فكان ذلك مثالًا عظيمًا للصمود والثبات على الحق رغم الابتلاء.
معلومات مهمة أخرى عن الإمام
هو أبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي الحميري المدني.
الميلاد: 93ھ – 711م
الوفاة: 179ھ – 795م
اسم الوالدة: العالية بنت شريك الأزدية
الأولاد: يحيى ومحمد وحماد وفاطمة
* * *
استفدنا في إعداد المقال من الكتب والمجلات الآتية:
1-الموسوعة الشرباصية للدكتور أحمد الشرباصي.
2- شبكة مشكاة الإسلامية (عاشق) للدكتور عائض القرني
3- مجلة الرابطة العدد: 434.
(الخميس: 4 من ربيع الثاني 1448ھ =17 من سبتمبر 2026م)







