جاء في الأثر عن الشعبي أن شُرَيحًا قال: “إني لأُصاب بالمصيبة فأحمد الله عليها أربع مرات: أحمده إذْ لم تكن أعظمَ مما هي، وأحمده إذْ رزقني الصبر عليها، وأحمده إذْ وفقني للاسترجاع لما أرجو فيه من الثواب، وأحمده إذْ لم يجعلها في ديني”.
ويُروى عن عمر رضي الله عنه قال: ما أُصبت ببلاء إلا كان لله عليَّ فيه أربعُ نعم: أنه لم يكن في ديني، وأنه لم يكن أكبرَ منه، وأني لم أحرم الرضا به، وأني أرجو ثواب الله عليه”.
من لُطف الله تعالى بعباده أنه يبتليهم بالمصائب والشدائد ويهيئ لهم الأسباب التي تعينهم على احتمالها والصبر عليها، ومن أعظم ذلك: ما يرجونه من موعوده تعالى بالأجر والثواب، حتى تستحيل المصائب عند بعضهم نعما؛ لعظم هذا المعنى في نفوسهم.
وهذا المعنى العظيم جاء التعبير عنه في الأحاديث النبوية بالاحتساب، فمن ذلك ما جاء في البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَا لِعَبْدِي المُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إِلَّا الجَنَّةُ).
والأحاديث في الباب كثيرة استقصاها ابن القيم في “عُدَّة الصابرين”، وأشار إلى جملة حسنة منها ابن حجر في “الفتح” في الموضع الآتي قريبا.
والاحتساب: أن يصبر العبد راضيا بقضاء الله راجيا فضله. انظر: “فتح الباري” (3/119) لابن حجر.
وكثير من الناس تجري عليهم المصائب العظيمة وينقلبون بالحسرة في الدنيا والآخرة، فلا أجرَ ولا رضا ولا سكينة، وهذه لعَمْر الله المصيبةُ حقا لا ما يقدَّر على العبد من البلاء.
وكل ما جاء في الآيات والأحاديث من الأجر على المصائب إنما يوفَّاه العبدُ بشرط الاحتساب. ومن بديع كلام الحافظ ابن حجر في “الفتح”: “وقد عُرف من القواعد الشرعية أن الثواب لا يترتب إلا على النية؛ فلا بد من قيد الاحتساب. والأحاديث المطلقة محمولة على المقيدة”.
وهذا أصل عظيم ينبغي للمسلم أن يَعلمه ويجاهد نفسه فيه ويكون منه على ذكر وبال؛ وذلك أن كثيرا من الناس لا يحضر هذا المعنى في نفوسهم، ولا يرفعون به رأسا.
فلا بد من استشعار الأجر حال نزول المصيبة، وهذا -كما سبق- يخفف وَقعها ويعين عليها. وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: (قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلاَءِ الدَّعَوَاتِ لأَصْحَابِهِ: اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ اليَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا…) الحديث. أخرجه الترمذي وحسنه.
وفي “القُوت” لأبي طالب: “وأصل قلة الصبر ضعف اليقين بحسن جزاء من صبرتَ له؛ لأنه لو قويَ يقينُه كان الآجِل من الوعد عاجلا إذا كان الواعد صادقا؛ فيَحسن صبره لقوة الثقة بالعطاء.
ولا يصبر العبد إلا بأحد معنيين: مشاهدة العِوَض وهو أدناهما، وهذا حال المؤمنين ومقام أصحاب اليمين. أو النظر إلى المعوِّض، وهو حال الموقنين ومقام المقربين”.
وهذا النقل البديع مستفاد من الشيخ القرضاوي في “الصبر في القرآن الكريم”، وهو من نفائس الكتب على اختصاره.
فيا أهلنا في غزة، ويا أهل الإسلام في كل مكان، احتسبوا ما يصيبكم في ذات الله، وابتغوا الأجر عليه منه سبحانه، فإنما هي ساعة ثم تنقضي. والعاقل من تلمَّح العاقبة، وطمَحت عيناه إلى الآخرة، فالله يجعلنا وإياكم منهم بمنه وكرمه، اللهم آمين.


