تنفست خطوط التجارة البينية واللوجستيات في المشرق العربي الصعداء اليوم الخميس، مع الإعلان الرسمي المباغت الذي أصدرته الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية بشأن استئناف حركة الترانزيت الدولي البري، وعبور أول شحنة تجارية متكاملة قادمة من عمق رصيف مرفأ طرطوس البحري ومتجهة مباشرة صوب الأراضي العراقية.
وتنتهى بذلك حقبة من الشلل المطبق والتوقف القسري الذي فرضته الظروف الأمنية والسياسية الطاحنة على مدار 14 عاماً كاملة.
وجاء هذا التدشين الميداني المدعوم بمقاطع مرئية رسمية توثق عمليات تفريغ ومناولة شحنات ضخمة من الأخشاب والمواد الأولية من على ظهر السفن الراسية.
وأعاد الاعلان تسليط الضوء على المساعي الحثيثة الرامية لاستعادة دمشق لمكانتها الجيوسياسية كمعبر استراتيجي ونقطة ارتكاز لوجستية بالغة الأهمية لتدفق البضائع ومشاريع الطاقة وممرات النقل الإقليمية نحو حوض البحر الأبيض المتوسط، بالتزامن مع التحولات الهيكلية الحادة التي يعاد بموجبها رسم خرائط التحالفات الاقتصادية وخطوط الإمداد البديلة.
وأفادت تقارير لوجيستسة، بأن إحياء هذا الممر البري يمثل ترجمة عملية لتفاهمات تجارية ونقدية أوسع جرت خلف الكواليس بين دمشق وبغداد لتسهيل التبادل السلعي وخفض كلف الشحن البحري والبري الطويلة.
وبرغم الاحتفاء الرسمي من قِبل القيادات التنفيذية والمسؤولين الذين أكدوا أن هذه الخطوة تكرس عودة البلاد كقناة حيوية وممر آمن لإمدادات الطاقة الإقليمية، إلا أن الدوائر اللوجستية الدولية أشارت بكثير من الحذر إلى حزمة التحديات الهيكلية والعرقلة الفنية التي لا تزال تواجه السلطات، وفي مقدمتها التهالك الشديد والمتراكم لشبكات البنية التحتية.
ويرى خبراء الاقتصاد الكلي ومحللو التمويل الدولي في المؤسسات المصرفية الموثوقة أن تشغيل خط ترانزيت “طرطوس-بغداد” يمنح الاقتصاد السوري المنهك فرصة استثنائية لالتقاط الأنفاس عبر جني عوائد ورسوم جمركية بالعملة الصعبة تسهم في دعم الميزان التجاري المتآكل وتنشيط قطاع النقل الداخلي والمستودعات.
ويؤكد المراقبون أن نجاح هذا الممر اللوجستي في الصمود وتحقيق الجدوى الاقتصادية المرجوة لعام 2026 يبقى رهيناً بمدى القدرة على جذب استثمارات دولية وإقليمية قادرة على إعادة صيانة الخطوط البرية والسكك الحديدية، وتأمين المسارات الطويلة ضد أي اضطرابات ميدانية مفاجئة.
ولفتوا الى أن تفعيل حركة البضائع في هذا التوقيت الحرج يعكس براغماتية جيو-اقتصادية من قِبل دول الجوار للاستفادة من الموانئ السورية كبوابة بديلة وأقل كلفة للوصول إلى الأسواق الأوروبية، في ظل نظام مالي وتجاري عالمي يعاد تشكيله بملامح متعددة الأقطاب.


