تواجه بنغلاديش واحدة من أكثر أزمات الطاقة تعقيدًا خلال الفترة الأخيرة، بعدما أدى تعطل إحدى وحدتي استقبال الغاز الطبيعي المسال العائمتين إلى تراجع الإمدادات الموجهة إلى المصانع ومحطات الكهرباء، بالتزامن مع ارتفاع تكلفة الاستيراد واضطراب أسواق الطاقة العالمية.
وأعلنت الحكومة أن إمدادات الغاز والكهرباء للقطاع الصناعي ستبدأ في التحسن اعتبارًا من مساء 15 سبتمبر، إلا أن الأزمة الحالية تبدو أعمق من مجرد عطل فني، إذ تعكس مشكلات تراكمت على مدار سنوات في قطاع الطاقة واعتمادًا متزايدًا على الواردات.
ويشكل الغاز عنصرًا رئيسيًا في منظومة الكهرباء البنغلاديشية، بينما دفعت اضطرابات الإمدادات وارتفاع الأسعار دكا إلى شراء شحنات من السوق الفورية بتكلفة مرتفعة، ما زاد الضغوط على المالية العامة وعلى الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
وقال وزير الكهرباء والطاقة إقبال حسن محمود إن ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المسال يضر بالنمو الصناعي ويزيد الأعباء الواقعة على الموازنة، في ظل اضطرار الحكومة إلى تخصيص موارد أكبر لدعم أسعار الطاقة.
الصناعة في دائرة الأزمة
امتدت تداعيات نقص الغاز إلى عدد كبير من المصانع، التي أبلغ بعضها عن تراجع معدلات الإنتاج أو توقف أجزاء من العمليات نتيجة انخفاض ضغط الغاز، كما واجهت محطات تعبئة الغاز المضغوط صعوبات في الحصول على الإمدادات الكافية.
وقال مدير اتحاد غرف التجارة والصناعة البنغلاديشي محمد فضل الحق إن نقص الطاقة لم يعد يؤثر فقط في الشركات والتجارة، بل امتدت انعكاساته إلى قطاعات أوسع من المجتمع.
وجاءت تصريحاته عقب اجتماع لرئيس الوزراء طارق رحمن مع ممثلي 21 منظمة تجارية، ناقش تأثير نقص الغاز والكهرباء في التصنيع والتوظيف والنشاط الاقتصادي.
أزمة ممتدة منذ سنوات
وأقر المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء مهدي أمين بأن أزمة الطاقة الحالية ليست وليدة الأسابيع الأخيرة، مشيرًا إلى أن البلاد تواجه مشكلة تراكمت على مدى نحو 16 عامًا ولا يمكن معالجتها في فترة قصيرة.
وأعلنت الحكومة مجموعة من الخطط لتنويع مصادر الطاقة، تشمل إنشاء خمس منشآت جديدة لاستقبال الغاز الطبيعي المسال، إلى جانب إعطاء أولوية أكبر لمشروعات الطاقة الشمسية.
وتشير الأزمة إلى أن الاعتماد المتزايد على الغاز المستورد جعل الاقتصاد أكثر عرضة لتقلبات الأسواق العالمية والتوترات الجيوسياسية، في وقت تراجع فيه إنتاج الغاز المحلي ولم تحقق عمليات الاستكشاف توسعًا كافيًا لتلبية الطلب المتنامي.
الموازنة بين الدعم والإصلاح
وتواجه الحكومة معضلة اقتصادية معقدة؛ إذ إن استمرار دعم الغاز والكهرباء بمستويات مرتفعة يزيد الضغط على الموازنة، بينما قد يؤدي خفض الدعم سريعًا إلى زيادة تكاليف الإنتاج والنقل وأسعار السلع.
وتبرز المخاوف من انتقال كلفة الأزمة إلى المواطنين، خصوصًا أصحاب الدخول المحدودة، في حال انعكست زيادة أسعار الطاقة على التضخم.
وفي المقابل، تدعو مؤسسات متخصصة في اقتصاديات الطاقة إلى توسيع الاعتماد على المصادر المتجددة، وتحسين كفاءة الشبكة، وتقليل الفاقد، بدلًا من الاعتماد بصورة متزايدة على واردات الغاز.
حلول طويلة الأجل
وتخطط بنغلاديش لإنشاء محطة عائمة ثالثة للغاز الطبيعي المسال وربطها بالشبكة بحلول ديسمبر 2027، إلى جانب التوسع بنحو 10 آلاف ميغاواط من الطاقة الشمسية ودراسة مصادر أخرى للطاقة.
لكن نجاح تلك الخطط سيعتمد على قدرة الحكومة على تطوير شبكة الكهرباء وتحسين إدارة الموارد وتقليل الفاقد، إلى جانب جذب الاستثمارات اللازمة.
وتكشف الأزمة الحالية أن أمن الطاقة في بنغلاديش أصبح مرتبطًا بصورة وثيقة بالاستقرار الاقتصادي، إذ لم تعد المشكلة مقتصرة على توفير الوقود لمحطات الكهرباء، بل أصبحت تمس الصناعة والتوظيف والأسعار والإنفاق الحكومي.
ويبقى التحدي الرئيسي أمام دكا هو الانتقال من معالجة الأزمات الطارئة إلى بناء منظومة طاقة أكثر تنوعًا وأقل اعتمادًا على تقلبات الأسواق الخارجية.






