تحدثت -في الجزء الأول من هذا المقال ـ عن الأخطار المتوهمة من سقوط نظام الملالي الإجرامي المتطرف في إيران على دول الخليج العربي، وعلى سوريا ولبنان والعراق، واليوم نستكمل نقض هذه الأوهام، على بقية دول المنطقة.
ما الذي ستخسره تركيا بسقوط النظام الإيراني؟ النظام الإيراني رغم براجماتيته في التعامل مع تركيا كمنفذ اقتصادي خاصة في ظل الحصار، إلا أنه يتعامل معها كعدو غير معلن، ولا تترك إيران أي سلوك سياسي أو عسكري يضعف تركيا أو يستنزفها أو يربكها إلا استخدمته بدهاء شديد، وأحد مصادر الدعم الأساس لتنظيم بي كا كا الانفصالي الإرهابي يأتي من إيران، والاستخبارات التركية سبق واعتقلت خلايا تجسس إيرانية عدة مرات، كانت تعبث بأمنها، كما أن المصالح التركية تتناقض ـ استراتيجيا ـ مع الإيرانية في العراق وسوريا ولبنان واليمن بصورة أوضح من أن تشرح، فسقوط هذا النظام الديني المتطرف والعدواني مصلحة تركية بالتأكيد، الفائدة الوحيدة التي تضاف للمصلحة التركية هي أن مشاغبات إيران وإسرائيل تشغلهما ـ بدرجة ما ـ عن التفرغ للإضرار بتركيا، كما يخفف خلافهما بعض الضغط الدولي عن تركيا بدرجة ما أيضا.
ما الذي يخسره اليمن إذا سقط النظام الإيراني؟ أحد أهم أسباب تفتت اليمن وانهياره وضعف مؤسساته، هو التدخل الإيراني فيه، وصناعة ذراع طائفي عدواني ممثلا في جماعة الحوثي، وبدون شك فإن سقوط نظام الملالي في طهران سيسهم بقوة في ضعف وتراجع قدرات ونفوذ عصابات الحوثي، ويفتح الطريق أمام وحدة اليمن، برعاية خليجية ودولية، فسقوط النظام الإيراني مصلحة صريحة في اليمن أكثر من أي دولة إقليمية أخرى، وإيران كانت تستخدم ذراعها الحوثي لتخفيف الضغط الأخلاقي والمعنوي عنها أثناء الحملة على غزة، بإطلاق صواريخ ومسيرات على فترات تستهدف مواقع إسرائيلية، وهي عملية كانت رمزية لأنه لم يكن لها ضحايا، ولكنها كانت رسائل إيرانية بأنها ما زالت تملك أرواقا للإرباك، كما كانت محاولة لتخفيف عار الشلل الإيراني التام أمام المذابح التي تحدث في غزة بعد طول ادعاء بأنها تحمي المقاومة وتدافع عنها فإذا هي تتفرج مع المتفرجين على المذابح اليومية.
ما الذي سيخسره الأردن بسقوط النظام الإيراني؟ لا شيء على الإطلاق، بل ربما كان الأردن أكبر الفائزين في هذه الحالة، لأن إيران وأذرعها كان يستهدفون الأردن مرارا بتحريك مجموعات سياسية موالية لهم في الداخل، وتهريب المخدرات من سوريا ولبنان من عصابات تابعة لحzب – الله ذراع إيران في لبنان، إضافة للغة العداء الصريح من الجانبين تجاه بعضهما البعض.
ما الذي تخسره القضية الفلسطينية من سقوط النظام الإيراني؟ إيران لم تدفع دولارا واحدا لفقراء فلسطين، ولم تبن مستشفا واحدا، ولا مدرسة واحدة، ولا مسجدا، ولا رصفت طريقا، ولا أرسلت رغيف خبز، العلاقة الوحيدة كانت مع حركة حماس والجهاد الإسلامي، من خلال الدعم المالي، باعتبارهما أهم أوراق اللعب الإيرانية لحماية حصتها في المنطقة، وليس من أجل فلسطين ولا قضيتها، ولا يعني ذلك اتهاما للمقاومة، فهم يقبلون أي عون أيا كان مصدره لدعم قضيتهم، وهم قدموا الكثير من التضحيات والدماء، أيا كانت المحصلة فليس هذا وقت مراجعة ذلك، لكن القصد أن ملف استخدام السلاح في غزة تم طيه اليوم، ولم يعد لإيران أي نفوذ أو دور ممكن أو محتمل اليوم أو في المستقبل، انتهت هذه الصفحة، والحديث اليوم عن مشروعات إقليمية وخليجية ودولية أخرى لحماية غzة وأهلها وإعادة بنائها، حيث يبرز الدور التركي والسعودي والمصري إقليميا، وhماs نفسها تبحث حاليا عن بدائل عربية لإيران، فسقوط نظام الملالي لن يغير من أي وضع في فلسطين اليوم أو بعد عشر سنوات.
ويبقى السؤال الذي يتردد كثيرا عن أن بديل نظام الملالي هو عودة نظام الشاه، وتولي ابن الشاه السابق حكم إيران، والحقيقة أنه سواء جاء ابن الشاه أو جاء غيره، لن يغير من تلك الخريطة شيئا، خاصة في الملف الفلسطيني، وإسرائيل التي تملك دعم أقوى جيش في العالم وأقوى اقتصاد في العالم وولاء أهم القوى الأوربية، لا تنتظر حاكم دولة مهترئة وهشة ليساعدها أو يضيف إليها، هذا الهاجس هراء محض، إسرائيل يعنيها منع السلاح النووي فقط، وإذا كان ابن الشاه سيتعامل مع إسرائيل فقد تعامل معها الملالي، ودعمتهم إسرائيل بالسلاح الأمريكي أثناء حربهم ضد العراق، وفق قاعدة المصلحة الانتهازية المحض وحماية النظام بأي ثمن وأي أخلاق، فكلاهما براجماتي، ولا ننسى أن الشاه رغم علاقته الجيدة بأمريكا وإسرائيل، وقف إلى جانب مصر في حرب أكتوبر، ودعم الجيش المصري بالوقود في أحرج مراحل المعركة، باعتراف الرئيس المصري أنور السادات، كما كان قد أعلن الحداد العام ثلاثة أيام عندما توفي الرئيس جمال عبد الناصر، وأرسل ولي عهده ليحضر احتفالات مصر بإعادة فتح قناة السويس بعد انتصار أكتوبر، وهي مواقف لم تغفرها له الولايات المتحدة، فتركته لمصيره بعد عدة سنوات ليموت لاجئا بعد أن رفضوا مساندته لحماية نظامه.
أما على الصعيد العربي فلا يملك حاكم إيران البديل ـ أيا كان هو ـ أي تحرك ضد جيرانه ـ هذا إن استطاع ـ إلا بقرار دولي، كما أن البراجماتية الأمريكية لن تسمح لشخصية إيرانية معارضة في الخارج لا تحظى بقاعدة شعبية كافية كبديل للحكم، لأن هذا لن يخدم استقرار الحكم الجديد، وهو ما فعلته في فنزويلا، بعد أن خلعت رئيسها، إذ رفضت تولي زعيمة المعارضة في المهجر الحكم لأنها لا تحظى بقبول شعبي كاف، رغم منحها جائزة نوبل للسلام بكل بريقها، وأنا أدين بالطبع ما فعلته أمريكا في فنزويلا، كما أدين أي اعتداء محتمل منها على إيران أو أي من دول المنطقة، سواء لهدف تغيير النظام أو لأي هدف آخر.
والخلاصة، أن افتراض مخاطر من تولي ابن الشاه حكم إيران، هو افتراض وهمي لا صلة له بالواقع وحساباته، أضف لذلك أن النظام العلماني في إيران المشبعة بالتطرف الطائفي، وانقسام الدولة على أساس طائفي، من شأنه أن يخفف التوترات الطائفية في المنطقة كلها وفي إيران نفسها، ويعيد السلام والهدوء، لأنه سيكون نظاما سياسيا قائما على مصالح سياسية اقتصادية متغيرة، وليس أحقادا طائفية مترسخة من مئات السنين، أو مدفوعا بنوازع طائفية دموية ترى ثأرها مع ملايين المسلمين السنة يعتبرونهم مسؤولين عن مقتل الإمام الحسين مع الأمويين قبل 1400 سنة كما صرح قادتهم بذلك مرارا في خطبهم، كما لا تشغله أفكار “تصدير الثورة” الطائفية إلى دول المنطقة كما كان يفعل الخميني ووريثه خامنئي، ولن يكون معنيا بالأذرع العسكرية الدينية التي زرعها النظام السابق في دول المنطقة، وكل ذلك يدعم السلام الديني والسياسي الذي فجره نظام الملالي قبله.
مع الأسف، نحن نصنع الأوهام، والخيالات، الشبيهة بالغول والعنقاء وجنية البحر، ثم نغرق أنفسنا في بحارها فنضل عن حقائق الواقع والمنطق، ونجد أنفسنا في النهاية منحازين إلى الطغاة والقتلة ومستعبدي الشعوب ومثيري الفتن والاضطرابات في جميع دول المنطقة بلا استثناء، وقعنا في هذا الفخ مع نظام المجرم بشار في سوريا من قبل، واليوم نقع فيه مع نظام الملالي.


