لا جديد فيما تواجهه قلعة الشقيف في لبنان، وهي تخضع اليوم لرفرفة وإذلال عَلَم الكيان الصهيوني، فقد حاصرها واحتلها الجيش اليهودي بتاريخ 6 يونيو 1982، حيث واجه 27 مقاتلا فلسطينيا 1200 يهودي مدجج، واستشهد أولئك الأبطال جميعا؛ أي أن القلعة أمام مشهد يتكرر منذ 44 سنة، ومع ذلك بقي أداء نُخَبِ وشعوب الأمة في نفس الموضع، الخاضع للأَوْهَام على الدوام؛ الأمر الجديد هو التنقُّل بين تلك الأوْهَام، من وَهْمٍ إلى وَهْم.
وإليك قائمة الأوهام المتعلقة بإقليم الشام وبيت المقدس (الشام التي قسمها الاحتلال الصليبي إلى سوريا ولبنان وفلسطين والأردن):
الوَهْم الأول: وَهْم ما سُمِّي “بالثورة العربية الكُبرى” على أيدي الأقزام الذين صنعهم الإنجليز والفرنسيون، حتى استفاقت شعوب الأمة على صدمة تأسيس دولة يهود عام 1948، وبدعم وإسناد من أولئك الأقزام.
الوَهْم الثاني: وَهْم الوعد بالانتصار لفلسطين، وتوحيد العرب، على أيدي عسكر مصر (الوعد القومي الناصري) حتى استفاقت شعوب الأمة على صدمة الحرب التَّحْرِيكيَّة التي قادها يهود، واحتلالهم لبيت المقدس عام 1967.
الوَهْم الثالث: وَهْم النُّصرة والإنقاذ الذي ستقوده الأنظمة المَلَكيَّة في كل من المملكة السعودية والمملكة الأردنية والمملكة المغربية، حتى استفاقت الأمة على صدمة وفد السعودية الرسمي، وهو يقود الاعتراف بدولة الكيان، ويدعو إلى مُسَالَمَتها في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991.
الوَهْم الرابع: وَهْم الوعد بالانتصار لفلسطين على أيدي مُلحدي حزب البعث، بجناحه السوري النُّصَيري، حتى استفاقت شعوب الأمة على صدمة احتلال بيروت عام 1982، بينما كان الجيش “العربي” السوري متواجدا في أغلب أجزاء لبنان، فالتقى إخوة الحِقد العَقَدِي النُّصَيري، بالحِقد الماروني الصليبي الكتائبي، بالحِقد اليهودي، في مذبحة صبرا وشاتيلا.
الوَهْم الخامس: وَهْم الوعد بالانتصار لفلسطين على أيدي مُلحدي حزب البعث العراقي، وعلى استعداد ذلك الحزب “لمحو” الكيان الصهيوني بصواريخ البعث وتحرير فلسطين، حتى استفاقت شعوب الأمة على صدمة احتلال بغداد عام 2003.
الوَهْم السادس والأخير: وَهْم الانتصار لفلسطين، الذي قاده رموز إحياء الأحقاد الشيعية التاريخية، خميني ثم خامنئي، وذلك عبر حزب اللات في لبنان، والحكومة النُّصَيريَّة في دمشق، حتى استفاقت الأمة على صدمة انحياز خامنئي للنُّصيريَّة وسحق الشعب السوري عام 2011، ثم صدمة إنهاء ما سُمِّي “بالنفوذ الإيراني” في لبنان وسوريا بظرف سويعات قليلة وليست أيام، بنهاية عام 2024.
وإن أعجَب ما في تلك الأوهام، وَهْم لا تنتهي عجائبه! وهو وَهْم: “التحرير عبر السقف الوطني”، ومع أن جميع أعداء الأمة يقاتلوننا عبر سقوفهم الأممية لا سقوفهم الوطنية؛ أي السقوف العَقَديَّة، كما تفعل يهود، وتفعل الصليبيَّة الأمريكية، والصليبيَّة الأوروبية، والصليبيَّة الروسيَّة، وكما فعلت بنا حَمَلات الأحقاد الشيعية الطائفية، التي قاتلتنا بالشيعة الأفغان، والشيعة العراقيين، والشيعة الإيرانيين، والشيعة اللبنانيين…الخ.
وهو وَهْمٌ ذو شقين مُتَكاملين:
الشِّق الأول من الوَهْم: شِق التحرير عبر السقف الوطني الفلسطيني، على فضل وبركة وقوة رمزية الجهاد الفلسطيني، وحاجة شعوب الأمة إليه كدافع ومحرِّض، ونموذج قائد ومُلهم، ولكنَّه يظل أسيرا لمعادلة عدم التكافؤ في الصراع الأممي.
الشِّق الثاني من الوَهْم: اكتفاء شعوب الأمة المسلمة، عربا وعجما بالفُرجة والجلوس في مقاعد المُشجِّعين في معركة تحرير فلسطين، وعدم الاقتراب من معركة كسر معادلة السيطرة والعُلُوّ والإفساد اليهودي، والتي تمتد من جاوة إلى الرباط.
وإلى حين ولادة الأجيال التي سوف تُقدِمُ على كسر هذه الأوهام، كما كسر إبراهيم عليه السلام أصنام قومه، ستبقى شعوب الأمة المسلمة ونُخَبِها أسيرة لأوهامها، تَتَقلَّب من وَهْمٍ إلى وَهْم.







