الجمعة يوليو 19, 2024
حوارات سلايدر

خاص “الأمة”: لماذا تأخر التدخل الدولي في السودان؟

* ما يجري في السودان صراع على السلطة وليس حربًا أهلية

* علاقات الإمارات الدولية حالت دون إدانتها في مجلس الأمن

* مصر أكثر من تضرر اقتصاديًا بسبب نزوح الكثيرون إليها

* السلام ليس قريبًا في السودان والجيش سينتصر في النهاية

حوار: أبوبكر أبوالمجد| في ظل جحيم غزة، وتوترات لبنان، وصبيانية يمن الحوثي، خفت صوت السودان التي لا يقل جحيمها عن غزة؛ غير أن العدو هو نفسه أخ الدم والدين والوطن ويا للأسف.

عشرات الآلاف بين قتلى ومصابين، ومئات الآلاف من النازحين، ما استوجب إعادة تسليط الضوء، وتفصيل المجمل، وتوضيح المبهم في السودان لتضح الصورة بكافة أبعادها، ولذا كان الحوار مع الباحث السوداني المتخصص في الشؤون الإفريفية، محمد تورشين

 

* هل ما يجري في السودان يمكن وصفه بالحرب الأهلية؟

 

ما يحدث في السودان ليست حربًا أهلية، فالحروب الأهلية في تقديري بين مجموعات إثنية خارج إطار الدولة، وأن المجموعات الإثنية هي التي تجتر أجهزة الدولة للاقتتال بين بعضها البعض دون الأخذ في الاعتبار أي توجه للدولة؛ لكن ما يحدث في السودان حتى الآن لم يكن على هذه الصورة، وإنما ما حدث هو أن الدعم السريع قام بعملية انقلابية فاشلة، حيث حاول السيطرة على السلطة فلم يتأت له ذلك، فتحولت المحاولة الانقلابية إلى تمرد شامل ضد الدولة.

وخطة الانقلاب على الدولة كانت متمركزة ومتمحورة على الخرطوم؛ ولكن عندما فشلت المحاولة الانقلابية بدأ التمرد بالتركيز على أطراف السودان لاسيما دارفور وبورتوسودان.

 

* إذا هل هو صراع على السلطة؟

 

عبدالفتاح البرهان، هو رئيس المجلس السيادي والقيادة العامة للجيش السوداني، كيف يدخل في نزاع على السلطة؟

النزاع على السلطة يكون عندما لا تكون فيها وترغب فيها أو في الاستيلاء عليها، وهذا ما لا ينطبق على البرهان؛ لأنه رئيس المجلس السيادي بمعنى أنه رئيس الجمهورية المؤقت والقائد الأعلى للقوات المسلحة، فكيف يتنازع على السلطة ومع من؟

إنها مصطلحات غير دقيقة، فهي محاولة انقلابية كاملة الأركان من الدعم السريع، وعندما فشلت تحولت إلى تمرد.

 

* فهل يبدو لأحدهما غلبة على الآخر في المدى القريب؟

سيكون بحسب رؤى غربية من نصيب الجيش السوداني الغلبة؛ ولكن على المدى البعيد، وذلك نتيجة للخبرات القتالية، ولدخول قوى إقليمية ودولية داعمة للجيش السوداني (مصر والسعودية، ولم يصرح بهما الباحث مباشرة)، فطوال الفترة الماضية كان الجيش السوداني يعول كثيرًا على الولايات المتحدة الأمريكية وشركائها الأوروبيين؛ لكن رهانه خاب، ومساعيه لم تكلل بالنجاح، فاضطر إلى تغيير بوصلة تحالفاته تجاه روسيا وإيران اللتان دعمتا الجيش السوداني عسكريًا بشكل كبير جدًا، وكان لذلك ظهور واضح في المعارك.

وحاليًا القوة الصلبة للدعم السريع تنهار أو انهارت بشكل كبير جدًا، وهذا ما يجعل الدعم السريع يلهث خلف المفاوضات بشكل سريع جدا؛ لأن استمرار عجلة الحرب يعني اقتراب الجيش السوداني بشكل كبير جدًا من تحقيق النصر.

 

فهل ثمة أمل في السلام؟

 

الأمل موجود في السلام، والكل لديه الرغبة في ذلك، وفي أن يكون هناك تسوية؛ ولكن حتى الآن مؤشرات تحقق ذلك تكاد تكون منعدمة، حتى نكون أكثر موضوعية، فدائمًا ظروف أي تسوية عادة ما ترتبط بعوامل من بينها قدرة طرف ما على فرض معادلة التسوية والسلام عن طريق القوة العسكرية؛ لكن حتى الآن التوازن كبير جدا في القوة بين الجيش السوداني وممثل الحكومة السودانية، وبين الدعم السريع، مشيرًا إلى أن هذا ما يجعل هذا المنال لا يزال بعيدًا، ولا يرى وفق هذه المعطيات أن مؤشرات السلام ستلوح في الأفق قريبًا.

 

كيف هو وضع التطبيع مع الكيان اليوم ومستقبلًا؟

 

مسألة التطبيع هذه مسألة معقدة جدًا لأن البرهان عندما التقى نتنياهو، كان اللقاء غير معلن، فلم يتم إخطار أحد، حتى رئيس الوزراء وعدد كبير جدًا من أعضاء المجلس السيادي، فيمكن القول أنها كانت خطوة أحادية، وتمت بإيعاز إماراتي، ولكن تقديري الآن فإن الجانب السوداني والحكومة السودانية وحتى القوى السياسية الداعمة للجيش الواحد وقوة المؤسسات الشرعية لم يعد لديها في الوقت الحالي أي حديث عن التطبيع، وأن هذه المسألة تم إرجاؤها تمامًا، وهناك مؤشرات واضحة للعيان أن الكيان الصهيوني يدعم الدعم السريع، ولذا فلا مكان أبدًا لمن يدعم هذا التوجه الآن، خاصة وأن المعلوم أن الاحتلال لا يدعم دولة سودانية موحدة، ولا يرغب في ذلك، وإنما هو مستهدف دومًا استمرار الاضطرابات في السودان، وبالتالي فإن وحدة السودان ستشكل تهديد جيوإستراتيجي على الكيان الإسرائيلي ومصالحة، وأن قوة الدولة تهدد وجوده بشكل مباشر.

ولذا أؤكد أن الشارع السوداني وقياداته رافضين تماما لأي حديث عن التطبيع في ظل هذه المعطيات من أجل استقرار الدولة السودانية.

 

* هل التورط الإماراتي في دعم “قوات الدعم السريع” عليها أي دليل؟

 

من حيث قناعتي الشخصية، فإن الإمارات وكل الدول التي تمتلك أنظمة ملكية من حيث المبدأ فهي ضد أي تغيير أو أي ثورة سواء في السودان أو أي من دول المنطقة، ولذا فهي ترعى وتدعم كل الثورات المضادة، وقد لاحظنا ذلك في كل الدول التي اندلعت فيها ثورات سواء كانت ثورات الربيع العربي أو قبلها أو بعدها، فتلك الدول كانت تعمل بشكل مباشر وصريح لإجهاض فكرة الثورة لأن نجاح أي ثورة في أي بلد ذات تأثير، فإن من شأن ذلك تهديد أمنها واستقرارها، حيث أن نجاح هذا البلد الذي حدثت فيه ثورة مصدر إلهام للشعوب في الدول الخليجية، ما يمكن أن يغير النظام فيها وتحويلها إلى دول ملكية دستورية، وهذا ظهر جليًا من خلال التورط الإماراتي وغيرها من دول الخليج التي وبحسب معلوماتي متورطة هي الأخرى في دعم ” الدعم السريع” لكن لم يحن وقت الحديث عنها الآن، وفي تقديري أن تورط الإمارات ظاهر في السودان، وهي التي هندست الأوضاع الحالية بشكل مباشر، بمعنى أن السودان في ظل النظام البائد عمر البشير، كان يمتلك علاقات دبلوماسية وعسكرية وسياسية مع إيران؛ لكن عقب انفصال دولة جنوب السودان، ظل البلد يعاني اقتصاديًا، وتمثلت المشكلات الاقتصادية التي عانتها السودان في فقد الثروة النفطية الكبيرة في جنوب السودان، فبالتالي بإيعاز من الإمارات تم التواصل مع نظام عمر البشير، وتم تقديم عرض له، بأن انخراطه في محور المشاركة في “عاصفة الحزم” التي تشكلت أيضا لوأد الثورة اليمنية يشكل مخرجًا للنظام للخروج من العزلة الدولية فشارك النظام بشكل جاد، وعندئذ تدخلت الإمارات وتوغلت لتتحكم وتؤثر أكثر قي القرار السوداني مستغلة ذلك الخلاف الفكري الذي كان موجودًا بين أركان الحكم، كالحركة الإسلامية ومجموعات عمر البشير وطه عثمان الحسين، الذي كان مديرًا لمكاتب الرئيس ومهندس كل هذه العمليات.

ومن هنا بدأ التواصل الإماراتي مع الدعم السريع باعتبارها قوة مشاركة في عاصفة الحزم بشكل منفرد، وأصبح السودان يتعامل مع الدعم السريع خارج الإطار الرسمي، وبالتالي هنا التأثير بدأ بشكل مباشر.

وهناك جزئية أخرى أيضا، وهي أن كل الذهب الذي يتم تصديره في السودان لا يذهب للدول المستوردة، وإنما إلى الإمارات ومنها إلى تلك الدول، وهذا عنصر مهم جدا لتوغل الإمارات في السودان.

المسألة الأخرى هي مسألة الموارد، فالإمارات بحاجة مستمرة إلى الموارد والموارد هذه مرتبطة بالذهب والأهم من ذلك الموانيء البحرية، حيث حرص الإمارات الدائم على الحصول على موانيء سواء في مصر أو في جيبوتي أو اليمن أو في إريتريا وكذلك في السودان؛ لأن وجود موانيء متطورة في هذه البلدان وذات مواصفات عالمية سيساعد كثيرا الاقتصاد الإماراتي والذي يعتمد بشكل كبير على جبل علي والذي يمثل مصدرا هاما للدخل في الإمارات.

المقلق أيضا للإمارات أن عناصر من الجيش السوداني تتبع فكر الحركة الإسلامية، ولذا فهي تهدف مقاومة ذلك؛ لكن الحقيقة في تقديري والتصور الخفي هو انهيار الجيش السوداني وانهيار السودان لتكون الدولة السودانية دولة مفككة حتى تحقق الإمارات البعد الاقتصادي المرتبط بالذهب والموانيء، وكذلك إجهاض أي مشروع تغيير في السودان لتكون الإمارات والأنظمة الخليجية في مأمن، وهذا ما جعل الإمارات تتورط بشكل مباشر وتدعم “الدعم السريع” منذ فترة طويلة، والإمارات وكيلة لأطراف خليجية أخرى في هذا الدعم.

 

* فلما لم يدنها مجلس الأمن إذًا؟

 

مجلس الأمن يقوم على التناقضات وتضارب المصالح ومعلوم أن الدول العشرة غير دائمة العضوية ليست ذات تأثير، والدول ذات التأثير هي التي تمتلك حق النقض “فيتو” وهي الولايات المتحدة والصين وروسيا وبريطانيا وفرنسا، أما عن روسيا والصين فمعلوم مواقفهما تجاه الدول الثلاثة الأخرى، والدول الثلاثة الأخرى مواقفها متباينة، والإمارات لديها تأثيرات كبيرة جدًا على مستوى العالم، وهي نابعة من البعد الاقتصادي، فضمنت من خلال شرائها ودعمها لبعض الأندية البريطانية كمانشيستر سيتي وهذه استثمارات بمليارات من الجنيهات الاسترلينية، حال سحبتها الإمارات في ظل تراجع معدل التنمية في بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، سيؤثر جدًا عليها ما ساعد في تبطيء أو منع خروج أي إدانة للإمارات في دعمها للدعم السريع.

ولأن بريطانيا ومن خلفها الولايات المتحدة التي تستفيد من الإمارات من خلال صفقات السلاح وتأثيرها في أماكن صنع القرار وجماعات الضغط، وكذلك فرنسا التي زار رئيسها الإمارات وتم الاتفاق على صفقات سلاح أيضًا كرافال الفرنسية.. كل هذه الصفقات ستؤثر على قرارها في مجلس الأمن، لذا فإن هذه الدول قد خذلت السودان، ولم تحقق له ما كان يريده رغم تأييده لزيلينسكي، وعلاقاتها الطيبة مع روسيا.. وإذا تم الاتفاق السوداني الروسي وبات لروسيا موضع قدم على البحر الأحمر وهذا سيغير المعادلة تماما وسيتم إدانة الإمارات بشكل مباشر أو غير مباشر ولو أخلاقيًا على الأقل؛ لأن الآن الكل يعلم أن هناك معلومات وشهادات ووثائق وتقارير صحفية وضباط إمارتيين معتقلين وهم أسرى لدى الجيش السوداني، وكل هذا يؤكد على تورط الإمارات؛ لكن مجلس الأمن في تقديري تسيطر عليه الأبعاد المصلحية والسياسية أكثر من الضوابط القانونية والاعتبارات الأخلاقية.

 

* إلى أين وصلت الأزمة الإنسانية في السودان؟

 

الأزمة الإنسانية في السودان تبعاتها كبيرة جدًا والدولة السودانية الآن في حال لا تحسد عليه منذ أكثر من عام، حيث أن الخدمات المدنية لا أقول في كل السودان؛ لكن في أجزاء مهمة منها، كدارفور وجزء من كردفان، وحتى في المناطق الأخرى التي لا زالت تعمل الخدمة فيها كجنوب السودان الجديد وشمال وشرق السودان، شبه متوقفة؛ لكن ما فائدة ذلك والحياة مشلولة تمامًا في العاصمة؛ لأنه من المعلوم أن من بين الإشكاليات التي طالما عانى منها السودان أن معظم المراكز الصناعية والتجارية هي في الخرطوم، وبالتالي ألقى هذا بظلاله على الوضع الإنساني.

الشيء الآخر أيضًا في تقديري أن الحرب جعلت الكثير من المدنيين في حالة من الهلع الأمر الذي جعل أعدادًا كبيرة وضحمة تنزح إلى مصر أربكت حتى الحكومة المصرية والمجتمع المصري بالرغم أنه من قبل ارتباط السودان بمصر ارتباطًا كبيرًا وهذا نتيجة للمشتركات الكثيرة بين البلدين كالحدود والثقافة واللغة والدين، وبالرغم من أن الوصول إلى إثيوبيا ربما كان أسهل من الوصول إلى مصر؛ لكن مصر بالنسبة للسودانيين حالة خاصة وارتباط فطري يجعلها رغبة أولى للنازحين.

المسألة الأخرى أنه من العوامل التي تجعل البعض يفضل الذهاب إلى مصر فرص العمل، وأن بمصر مكتب للمفوضية العامة لشؤون اللاجئين وكل هذه العوامل جعلت مصر تتحمل أكثر وأيضًا هناك بعض السودانيين الذين ذهبوا إلى ليبيا برغم اضطراب الأوضاع الأمنية فيها والبعض الآخر ذهب إلى تشاد وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان وإثيوبيا وإريتريا، بمعنى كل دول الجوار؛ لكن اعتقد أن حالة الهلع هي التي جعلتهم ينزحون بهذه الطريقة لكن هناك عدد من الولايات مستقرة، كإقليم النيل الأزرق وولايات شرق السودان كلها والولايات الشمالية حتى القرى في الريف السوداني حتى في الأوقات التي تشتد فيها المعارك يمارس المدنيون حياتهم بصورة طبيعية؛ لكن هذا النزوح من الولايات الكبيرة والعاصمة، ولأن المجتمع الدولي حاليًا مشغول بحروب أخرى كغزة واوكرانيا، ما ألقى بظلاله على الداخل السوداني وتأخر الاهتمام بالملف السوداني والحرب فيها وأزمتها الإنسانية؛ لكنه في النهاية يبقى ملفًا مهمًا ولا بد من الاهتمام بالملف الإنساني على وجه التحديد والسرعة لأن التأخير يعني خسائر كبيرة جدًا في ظل استهداف قوات الدعم السريع المتعمد للمدنين والمواقع المدنية ومنها المستشفيات والمراكز الصحية، ولأن التوصيف الدولي لما يجري في السودان أنه صراع على السلطة وليست حربًا أهلية أخر كثيرًا التدخل الدولي في الملف السوداني.

Please follow and like us:
Avatar
صحفي مصري، متخصص في الشئون الآسيوية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قناة جريدة الأمة على يوتيوب