في خطوة تعكس نمطًا متكررًا من التعامل مع أزمات التعليم، صدر قرار عن وزارة التعليم العالي يقضي بحرمان الطالب من التقدم للامتحان النظري في حال لم يحقق نسبة محددة من الحضور. ورغم أن ظاهر القرار يوحي بالحرص على الانضباط الأكاديمي، إلا أن جوهره يكشف خللًا أعمق في فهم طبيعة المشكلة التعليمية، ويطرح تساؤلات جوهرية حول أولويات المؤسسات المعنية بالتعليم.
إن معالجة ضعف الحضور عبر أدوات إدارية قسرية، كالعقوبات والحرمان، لا تمثل حلًا حقيقيًا، بل هي محاولة للالتفاف على أصل المشكلة. فالسؤال الذي يجب أن يُطرح ليس: كيف نُجبر الطالب على الحضور؟ بل: لماذا لم تعد البيئة التعليمية قادرة على جذب الطالب أساسًا؟
لقد كان الأولى بوزارة التربية ووزارة التعليم العالي أن تتجه إلى صياغة سياسات تعليمية نوعية تُعيد بناء الثقة بين الطالب والمؤسسة التعليمية، عبر تحسين جودة المحتوى العلمي، وتطوير أساليب التدريس، وتأهيل الكوادر، وخلق بيئة تعليمية محفزة تتناسب مع طموحات الجيل وتحديات المرحلة. حينها فقط يصبح الحضور نتيجة طبيعية لا قرارًا مفروضًا.
ومنذ ما يُسمّى ب”تحرير دمشق” وحتى اليوم، لم نشهد أي تحول حقيقي في بنية القرار التعليمي. لم يصدر قرار استراتيجي يعالج جذور الأزمة أو يؤسس لنهضة تعليمية حقيقية، بل اقتصرت الإجراءات على إدارة الواقع القائم، والدوران في حلقة مفرغة، تُعيد إنتاج ذات الأدوات والأساليب التي رسخها النظام السابق، والتي أثبتت فشلها في بناء إنسان فاعل أو مجتمع منتج.
إن المشكلة اليوم ليست في الطالب الذي يغيب، بل في منظومة تعليمية فقدت قدرتها على الإقناع والتأثير.
فالطالب حين يجد علمًا نافعًا، وأستاذًا ملهمًا، وبيئةً تحترم عقله ووقته، لن يحتاج إلى تهديده بالعقوبات ليحضر.
أما حين تتحول الجامعة إلى عبء، والمادة العلمية إلى تكرار ممل، فإن الغياب يصبح رد فعل طبيعيًا لا سلوكًا شاذًا.
إن استمرار هذا النهج يعني ببساطة تكريس الفشل، وإضاعة فرصة تاريخية لإعادة بناء التعليم على أسس صحيحة.
المطلوب اليوم ليس مزيدًا من القرارات الضابطة، بل رؤية إصلاحية شاملة تنطلق من فهم عميق لدور التعليم في بناء الإنسان، لا مجرد إدارة حضوره وغيابه.
ختامًا، إن أي مشروع نهضوي حقيقي يبدأ من التعليم، وأي خلل في هذا القطاع ينعكس مباشرة على مستقبل الأمة. فإما أن نمتلك الشجاعة لإعادة النظر جذريًا في سياساتنا التعليمية، أو نظل ندور في ذات الدائرة، نُحمّل الطالب مسؤولية فشل منظومة كاملة.


