د. عاصف سرت توركمن
تُعَدّ أزمة المياه في العراق من أخطر التحديات البيئية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجه البلاد في الوقت الراهن. إذ لم تعد ندرة المياه مجرد قضية تنموية، بل أصبحت عاملا رئيسا في تصاعد التوترات الداخلية وتهديد الاستقرار المجتمعي. وفي حين تتجه أنظار العالم إلى النزاعات المسلحة في مناطق مختلفة من الشرق الأوسط، يخوض العراقيون معركة خفية لا تقل خطورة عن تلك الحروب المعلنة؛ فالتغير المناخي يسهم في جفاف الأنهار وتراجع الموارد المائية، بينما تواصل الدول المتشاطئة تقليص حصص العراق المائية، في ظل إخفاق الإدارة الوطنية في تبنّي سياسات فعّالة لإدارة هذا المورد الاستراتيجي في بلد لطالما عُرف تاريخيا باسم “بلاد الرافدين”.
تواجه جمهورية العراق أزمة مائية حادة ناتجة عن تداخل مجموعة من العوامل الخارجية والداخلية. فمن جهة، أدى بناء السدود في دول المنبع، ولا سيما في تركيا وإيران، إلى تقليص كميات المياه الواردة إلى الأراضي العراقية. ومن جهة أخرى، أسهم التغيّر المناخي في تفاقم الأزمة من خلال انخفاض معدلات الأمطار وارتفاع درجات الحرارة. كما ساهم تدهور البنية التحتية لشبكات المياه والري، إلى جانب تفشي التلوث في المياه السطحية والجوفية، في تعقيد المشهد المائي. وقد تمخّضت هذه العوامل مجتمعة عن انخفاض ملحوظ في تدفقات نهري دجلة والفرات، وارتفاع مستويات الملوحة في مناطق الجنوب، مما انعكس سلبا على الإنتاج الزراعي، وتسبب في نزوح سكاني، وأثر على الصحة العامة للسكان.
الخلفية والواقع الراهن
يعتمد العراق، من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية، اعتمادا كبيرا على نهري دجلة والفرات ومصادر المياه الجوفية المرتبطة بهما. غير أن العقد الأخير شهد تحوّل البلاد من حالة من الأمان المائي النسبي إلى حالة من التهديد المائي الحاد. فقد واجهت محافظات الجنوب، ولا سيّما محافظة البصرة، ارتفاعاً ملحوظا في ملوحة مياه الشرب والري، وصلت في بعض المناطق إلى مستويات جعلت المياه غير صالحة للاستهلاك البشري أو للزراعة التقليدية. كما انخفضت التدفقات المائية في نهري دجلة والفرات على نحو موسمي ومستمر، نتيجة لبناء السدود الكبرى في دول المنبع، فضلا عن تراجع معدلات التساقط الثلجي والمطري في أحواضها، الأمر الذي زاد من حدّة الجفاف وعمّق الأزمة المائية في البلاد.
انعكاسات الأزمة على الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني
تسببت أزمة المياه في العراق بتداعيات عميقة على الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني. فقد أدت محدودية الموارد المائية وتقلص الأراضي الصالحة للزراعة إلى انخفاض إنتاج المحاصيل الاستراتيجية، مثل الحنطة والشعير والرز، ما أجبر البلاد على زيادة الاعتماد على الاستيراد لتغطية الاحتياجات الغذائية الأساسية. كما انعكست هذه التحديات على قطاع الثروة الحيوانية الذي تضرر بفعل نقص الأعلاف والمياه، مما ساهم في ارتفاع أسعار المنتجات الغذائية المحلية. وعلى الصعيد الاقتصادي، أدى تقلص النشاط الزراعي إلى فقدان آلاف فرص العمل، لا سيما في المناطق الريفية، وتراجع مساهمة الزراعة في الناتج المحلي الإجمالي. وبذلك تحولت أزمة المياه من قضية بيئية إلى أزمة تنموية شاملة تمسّ الأمن الغذائي والاجتماعي والاقتصادي للعراق.
الآثار الاجتماعية والبيئية
أفرزت أزمة المياه في العراق آثارا اجتماعية وبيئية واسعة النطاق. فعلى المستوى الاجتماعي، أدت ندرة المياه وتدهور الأراضي الزراعية إلى تفاقم معدلات الفقر والبطالة، خصوصا في الأرياف والمناطق الزراعية التي يعتمد سكانها بشكل مباشر على الزراعة كمصدر رئيسي للعيش. وقد دفع هذا الوضع عددا متزايدا من الأسر إلى الهجرة الداخلية نحو المدن الكبرى، مما أسهم في ارتفاع معدلات النزوح الريفي واتساع الفوارق التنموية بين المحافظات. أما على المستوى البيئي، فقد نتج عن تراجع الموارد المائية وتملّح التربة تدهور خطير في النظم البيئية الطبيعية، واندثار مساحات واسعة من الأراضي الرطبة، مثل أهوار الجنوب، التي كانت تشكل نظاما بيئيا فريدا ومصدرا للتنوع الأحيائي. كما أدى تلوث المياه السطحية والجوفية إلى تفاقم المخاطر الصحية وتهديد الأمن البيئي في البلاد.
الأسباب الرئيسة لشحّة المياه
ترتبط أزمة شحة المياه في العراق بجملة من الأسباب المتشابكة، من بينها عوامل خارجية تتعلق بمشروعات الري والسدود في دول المنبع، وأخرى داخلية ذات صلة بالإدارة المائية والسياسات الوطنية.
ومن أبرز العوامل الخارجية مشروع جنوب شرق الأناضول (GAP) الذي تنفذه تركيا، ويتضمن إقامة عدد كبير من السدود والخزانات على نهري دجلة والفرات. ويُعد سد “إليسو” (Ilısu Barajı) من أهم السدود الاستراتيجية ضمن هذا المشروع، وأكثرها تأثيرا في الموارد المائية العراقية، لاسيما مياه نهر دجلة. يقع السد في ولاية ماردين جنوب شرق تركيا، بالقرب من بلدة إليسو (Ilısı)، وقد تم افتتاحه رسميا عام ٢٠٢٠م. يبلغ ارتفاعه نحو ١٣٥ مترا وطوله ١٨٢٠ مترا، وتصل سعته الخزنية إلى أكثر من ١٠٫٤ مليارات متر مكعب من المياه، فيما تبلغ قدرته الإنتاجية من الطاقة الكهربائية حوالي ١٢٠٠ ميغاواط. يهدف السد إلى إنتاج الطاقة الكهرومائية لتغذية شبكة الكهرباء الوطنية التركية، وتنمية منطقة جنوب شرق الأناضول اقتصاديا عبر مشاريع زراعية وسياحية، إضافة إلى التحكم بالفيضانات الموسمية لنهر دجلة داخل الأراضي التركية. غير أن هذه الأهداف جاءت على حساب انخفاض حاد في كميات المياه المتدفقة إلى العراق، مما زاد من حدّة الأزمة المائية فيه.
التأثيرات السلبية لسد إليسو على العراق
يُعد سد إليسو من أكثر السدود تأثيرا سلبيا على الموارد المائية في العراق، إذ أدى تشغيله إلى انخفاض ملموس في تدفقات نهر دجلة نحو الأراضي العراقية. وتشير التقديرات إلى أن كمية المياه المتدفقة من تركيا إلى العراق انخفضت أحيانا بنسبة تصل إلى ٥٠٪ الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على قطاعي الزراعة ومياه الشرب في مدن الموصل وبغداد ومحافظات الجنوب. كما تسبب السد في إحداث تغيّر جوهري في النظام البيئي لنهر دجلة نتيجة حجز الطمي والرواسب خلفه، مما أدى إلى تراجع خصوبة الأراضي الزراعية في مناطق الوسط والجنوب.
أدى انخفاض منسوب المياه كذلك إلى تفاقم ظاهرتي التصحر وزيادة ملوحة المياه، خصوصا في منطقة شط العرب، حيث سمح تراجع تدفق المياه العذبة بتوغّل مياه الخليج المالحة إلى الداخل، مسببا أضرارا بيئية وزراعية واسعة. وعلى الصعيد القانوني والسياسي، أثار بناء السد جدلا حادا بين العراق وتركيا، إذ يرى العراق أن المشروع يشكّل انتهاكا لمبدأ “الاستخدام المنصف والمعقول” للأنهار الدولية المنصوص عليه في اتفاقية الأمم المتحدة لعام ١٩٩٧ بشأن استخدام المجاري المائية في الأغراض غير الملاحية. في المقابل، تعتبر تركيا أن نهري دجلة والفرات نهران عابران للحدود وليسا دوليين، وبالتالي ترى لنفسها الحق في تطوير مواردها المائية ضمن أراضيها دون قيود دولية. وقد شكل هذا الخلاف محورا أساسيا في المفاوضات المائية بين بغداد وأنقرة خلال العقدين الأخيرين.
وتُظهر التقديرات المستقبلية أن تشغيل السد بكامل طاقته سيجعل العراق أكثر اعتمادا على إدارة المياه التركية، مما قد يفاقم الأزمة خلال مواسم الجفاف أو عند انخفاض مستويات الخزان. ومن المتوقع أن تستمر حالة التوتر المائي بين البلدين ما لم يتم التوصل إلى اتفاقيات ملزِمة تضمن تقاسما عادلا ومنصفاً للمياه.
دور التركمان في المفاوضات المائية بين العراق وتركيا
يلعب المكون التركماني دورا مهما في المفاوضات المائية بين العراق وتركيا، إذ يمثل البعد السياسي القومي أحد أكثر الجوانب حساسية في العلاقات الثنائية. تنظر تركيا إلى التركمان في العراق على أنهم امتداد ثقافي وتاريخي لها، وتعتبر نفسها “الضامن المعنوي” لحقوقهم، كما يتضح من تصريحات مسؤولين أتراك منذ التسعينيات وحتى الوقت الحاضر.
وتستخدم تركيا أحيانا ملف التركمان كورقة استراتيجية مرتبطة بالأمن القومي والزراعة والطاقة، على الرغم من أن أنقرة تفضل رسميا فصل ملف المياه عن ملف التركمان في المفاوضات المعلنة، إلا أن الملف القومي التركماني يُوظف في الكواليس السياسية والإقليمية كعامل نفوذ غير مباشر لتليين مواقف بغداد تجاه المكوّن التركماني، الذي تعرض على مدى عقود لتهميش حقيقي، حيث لم ينل حقوقه المشروعة بعد سقوط النظام السابق، على الرغم من كونه القومية الثالثة في العراق من حيث الحجم السكاني، ويُقدَّر عدد أفرادها بحوالي ٤٫٥ – ٥ ملايين نسمة من بين ٤٧ مليون نسمة، ويشكلون حوالي ٩٫٥٧٪ – ١٠٫٦٪ من سكان العراق.
ويشير التاريخ إلى أن التركمان تعرضوا لمذابح جماعية منذ عام ١٩١٨، ولم يحصلوا على تمثيل مناسب في المناصب الرئاسية والسيادية والإدارية. كما لم تُذكر هذه القومية كعنصر أساسي في الدستور العراقي الذي أُعد في عهد الإدارة الأمريكية المؤقتة بقيادة بول بريمر، مما يعكس استمرار حرمانهم من حقوقهم المشروعة على الصعيد السياسي والدستوري.
يحتل المكوّن التركماني موقعا حساسا في المعادلة السياسية بين العراق وتركيا، نظرا لارتباطه المزدوج بالانتماء الوطني العراقي والروابط التاريخية والثقافية مع تركيا. يمنح هذا الموقع التركمان إمكانية لعب دور فاعل في ملف المياه على المستويات السياسية والفنية والتنموية.
على الصعيد الواقعي، يعاني التركمان من الآثار المباشرة لنقص المياه، خاصة في مناطقهم الزراعية الواقعة على ضفاف نهر دجلة في محافظات نينوى وكركوك وصلاح الدين وديالى وواسط. فقد أدى تراجع الموارد المائية إلى انخفاض إنتاج المحاصيل الأساسية، وارتفاع ملوحة التربة، وزيادة الاعتماد على الآبار الجوفية وصهاريج المياه، مما زاد من هشاشة الوضع المعيشي في هذه المناطق.
سياسيا، يمكن للتركمان أن يشكلوا جسرا للتفاهم والتواصل بين بغداد وأنقرة. فعلى الرغم من غياب تمثيلهم الفعال في البرلمان العراقي واللجان المتخصصة بشؤون الموارد المائية والعلاقات الخارجية، إلا أن الانتماء الوطني للعراق يُلزمهم بدعم الموقف العراقي والدفع نحو مفاوضات عادلة تحفظ حقوق البلاد المائية. من جهة أخرى، تحتفظ القيادات التركمانية بعلاقات تاريخية مع المؤسسات السياسية في تركيا، مما يمنحهم فرصة لتيسير الحوار غير الرسمي وتخفيف حدة التوتر في القضايا الخلافية.
وعلى المستوى الفني، يمكن للتركمان المشاركة في اللجان المشتركة وتقديم بيانات ميدانية دقيقة حول تأثير انخفاض منسوب نهر دجلة على الأراضي الزراعية والمياه الجوفية في مناطقهم. أما على الصعيد الإعلامي، فإن إبراز معاناة المناطق التركمانية من الجفاف يمكن أن يسهم في توجيه الخطاب العام نحو التعاون المائي الإقليمي بدلا من تبادل الاتهامات السياسية، بما يعزز من فرص التوصل إلى حلول مستدامة للأزمة المائية.
ورغم هذه الإمكانات، يواجه الدور التركماني عدة تحديات، أبرزها الانقسام السياسي الداخلي بين التيارات القريبة من بغداد وتلك ذات العلاقات الوثيقة مع أنقرة، إلى جانب ضعف التمثيل التركماني في الوزارات السيادية، ولا سيما وزارة الموارد المائية ووزارة الخارجية. كما أن غياب رؤية موحدة أو هيئة تركمانية مختصة بالسياسات المائية يحدّ من فاعلية المشاركة التركمانية في هذا الملف. مع ذلك، فإن بناء موقف تركماني موحّد ومؤسسي يمكن أن يحوّل هذا المكوّن من مجرد طرف متأثر بأزمة المياه إلى طرف فاعل في صياغة الحلول. إذ يمكن للتركمان، عبر التعاون مع الحكومتين العراقية والتركية، طرح مشاريع مشتركة للري الحديث، وإدارة الموارد المائية، وتحسين البنية التحتية في المناطق المتضررة، بما يعزّز التنمية المحلية ويعمّق الاستقرار الإقليمي.
وبناءً على ما سبق، يمكن القول إن مواجهة أزمة المياه في العراق تتطلب استراتيجية شاملة ومتعددة المستويات، تشمل تعزيز الإدارة الوطنية للموارد المائية، تطوير البنية التحتية، تطبيق مبدأ الاستخدام العادل والمنصف للأنهار الدولية، والاستفادة من الدور السياسي والفني للمكوّنات المحلية، بما فيها التركمان، لتعزيز الاستقرار والتنمية المستدامة.







