هناك دراسات في الحقل الإنساني، وهي تبحث في ما سمي غربيا دراسات (ما بعديات، وما قبليات)، وأكثرها تنظيرا هي ما بعد الحداثة، ووجدنا دراسات حول (ما بعد الإنسان)، وهي مخيفة من جانب، ولكننا نجد أن ذلك حقيقة موضوعية، وهي أن الإنسانية في بعض محطاتها تجاوزت الإنسان كحالة، واكتشفت أنها أمام حالة (تشيؤ الإنسان) وهي الحالة التي يسميها المسيري (حوسلة الإنسان)، ولدينا حالات أخرى تدرس (ما بعديات)، وقد كتب البعض عن حالة ما بعد الدولة، أو حتى حالة (ما بعد الأسرة).
أين الطبيعة البشرية؟
إن هذه الدراسات تحمل في طياتها حالات مختلفة، فهذا تدرس الحالات التاريخية والواقعية، وتتأمل المآلات، ولكنها في العمق تتساءل، أين الطبيعة البشرية؟ هل هي في التاريخ؟ أم هي في الحالات الواقعية؟ ام هي في المآلات؟
ما المنهج الذي يجب أن نتبناه في لحظة الدراسة والفهم؟ هل نتبنى المنهج المادي الذي غلب مؤخرا في دراسته للإنسان؟ وجعل الإنسان جزءا من الطبيعة، وليس له ما يجعله ينفصل عن الطبيعة، ومن هنا تنتهي تجربة تاريخية تناولت الإنسان عن بعده الروحي.
ماذا بعد الصحوة الإسلامية في منطقة القرن الأفريقي؟
إن من شان الحياة الحركة، وهي لا تتوقف عن المسار، ولكن بعض الأقلام توقفت عن ملاحظة المسارات، والاتجاهات، ودراسة البنية الداخلية للأفكار، ومراقبة النفوس، وتبدلات الحالات السياسية وتأثيرها على النفوس والمجتمعات، ولهذا يسير بعض المفكرين وراء التجارب، ولا يستطيعون التنبؤ بما تحملها الحياة من تقلبات ومفاجآت، ومن هنا فلا بد من طرح السؤال الآتي، ماذا بعد الصحوة الإسلامية في منطقة القرن الأفريقي؟ أي ماذا بعد التدين الإسلامي؟ إلى أين ذاهب؟ هل تم حوصلته؟ أم ما زال يملك بعض الشُعَاع؟
أنواع التدين
في المنطقة نوعان من التدين، أحدهما تقليدي، وهو المهتم بدراسة الفقه وقواعده، والتفسير وأصوله، واللغة العربية وفروعها، وفي بعض الأحيان يدرس المنطق والعقيدة، فهذا النوع من التدين محصور في طبقة واحدة (طبقة الوداد) أي الفقيه، وعندهم أسلوب متوارث في دراسة الدين وعلومه، وهناك نوع آخر من التدين، وهو التدين الحركي، وهو الذي يرى أن الإسلام منهج ورؤية، ويجب أن يقود الحياة، فهذا النوع من التدين من خصائصه، دراسة الدين، والفكر معا.
حاجة المجتمع إلى التدين
لقد كان التدين السابق (التدين التقليدي) جزءا من المجتمع، وعاش في الهامش طويلا، بل لم يكن المجتمع بحاجة إليه إلا في حالات ثلاثة:
أولا: كان الناس يستدعون الدين عند المصائب الكبيرة كالموت، ووقوع الكوارث الطبيعية والبشرية، وكان دور الفقيه حينئذ هو الدعاء، ولا يسأل عنه في غالب الأمر الحل.
ثانيا: كان من الأدوار الحقيقية للفقيه (الوداد) تقليديا القيام بعملية الزواج والنكاح، أي كان دوره الحقيقي هو محافظة ما يسمى الآن بالأحوال الشخصية.
ثالثا: في بعض الأحيان كان للفقيه دور محوري في الحياة، وخاصة في مجال المال، لو اختلف الناس في المسائل المالية كالمواريث، أو الزكاة، فكان المرجع في الغالب هو الشيخ والفقيه.
التدين ينحو نحو البساطة
إن الحياة في المنطقة كانت تنحو نحو البساطة، ولهذا كان التدين كذلك ينحو نحو البساطة، بل ولَم يكن ملاحظا (المتدين الفاعل)، بل كان من الواقعية في الماضي (المتدين السلبي) في الحياة حتى قال القائل حين سئل هل ثمة رجال في المنزل؟ فقال: لا أحد سوى سيدة، وفقيه، وهذا يدل على أن الفقيه في المنطقة لم يكن فاعلا في لحظة من لحظات التاريخ، ونستطيع أن نحكم اللحظة بأنها كانت لحظة (التراجع)، ولَم تكن لحظة التألق من الناحية الفكرية، فرجل الدين كالمرأة في هذه المرحلة لم يكن لهما الدور الفاعل في المجتمع.
لم تكن ظاهرة التدين واضحة في المجتمع،
ذلك لأن الفقيه حصر نفسه في زاوية من الحياة، أو تم حصره في زاوية لأسباب اجتماعية، واستغل الاستعمار هذه الثغرة، وأبعد الفقيه من التأثير، ولهذا عاش الناس في جوّ بعيد عن تأثير الدين.
كان في المجتمع تياران متصارعان، تيار الحداثة والعصرنة، وتيار التقليد والتاريخانية، فالأول فاعل وقائد، بينما الثاني يشكو من البرودة وعدم الفاعلية، ولهذا كانت الساحة خالية للأول، أما الثاني فكان يخلط في مواجهة الحداثة والعصرنة بالتقاليد والدين، بل كان الدين جزءا من التقاليد، وليس العكس.
انتصر تيار الحداثة والعصرنة في المدن، فكان (الإنسان المدني) في هندامه، وليس في حقيقته، وانتصر تيار التقليد في القرى والبوادي، ولكنه لم يسلم من أوساخ المدنية، ولهذا كان البعض يخطط في الذهاب إلى المدينة لأجل أن (يتمدّن)، ولو ظاهرا، وهذا يدل على أن التيار الحداثي أخذ مكانته من المجتمع، بينما التيار التقليدي، ومنه الفقهاء يشعرون بالخسارة أمام المد الحداثي.
في جيبوتي كان التيار الفرنكفوني كاسحا الشارع،
والفرنكفونية نوعان، هناك فرنكفونية مخففة، وهي التي تعتنى باللغة والثقافة فقط، وهناك فرنكفونية مشبعة، وتسمى الفرنكفيلية، وهي ظاهرة في الثقافة الفرنسية تعتقد الفرنسية عقيدة سياسية، ومنهجا حضاريا، وهكذا رأينا الطبقة الحاكمة في الصومال لاند تتمثل بأنها طبقة بريطانية الهوى، وفي جنوب الصومال، كانت العقيدة الفكرية إيطالية الهوى، ولَم تسلم الشعوب في إثيوبيا عن هذه اللوثة الفكرية، فأصبحت الأمهرية وحدها في لحظة ما لغة الثقافة والحضارة، ومن هنا تم إقصاء تيار ( التقليد ) عن الساحة.
ثم جئت على قدر يا موسى.
من خصائص التاريخ، الحركة، ومن خصائص الحركة أنها تسير نحو الأمام، وقد تتحرك نحو الوراء، والسبب هو أن الإنسان ككائن معقد هو وراء الفاعل في التاريخ، أي هو الذى يصنع التاريخ، ولهذا فلا بد من فهم الإنسان.
إن الإنسان في المنطقة شعر من الداخل الخوف من الخروج من التاريخ، فهذا القلق جعله يبحث عن جذوره، ولهذا تحرك بعض الشباب المسلم في دراسة الدين من خارج الأطر التقليدية، أي من خارج المنظومة الفكرية الموجودة في المنطقة، ومن هنا كان الإبداع، فقد وجد هؤلاء الشباب بأن الدين الحقيقي ليس منازعا للحداثة والعصرنة، وأن الحداثة الحقيقية ليست في صراع مع الدين الصحيح، ومن هنا وجدوا ضالتهم في الفكر الإسلامي الذى ينازع الفكر الغربي، وفي الفقه الإسلامي بنسخته التجديدية والتأصيلية، والذى ينازع القانون الغربي، ومن هنا انبثق تيار ثالث، لا هو من التيار الحداثي، ولا هو من التيار التقليدي، بل هو تيار في الوسط، لديه في الشكل ( مواصفات الحداثة )، وفي المضمون ( مواصفات المتدين ).
إن ظهور هذا التيار كان مفاجئا، ذلك لأن البعض من المفكرين والمحللين لاحظوا في الدين القدم والبلى والتاريخانية، وأن الدين لن يعود مرة أخرى، ولكن أن يظهر التيار المتدين من الجامعة، ومن أوكار الأفكار الوضعية، كان ذلك المفاجئ الأول، والظهور ليس محصورا في فئة، ولكنه ظهور عام، فامتلأت المساجد من الجنسين، ومن الشباب اليافع، واكتسح الحجاب الشارع، واستحيت المرأة من التبرج، وأصبح القرآن متناولا عند الجميع دراسة وحفظا، وكذلك السنة النبوية، وصار الكتاب الإسلامي مترجما للغات المحلية، بل والعالمية، ولكن السؤال، أين ذهب هذا التدين؟ هل بقي كما كان متألقا؟ أم أصبح التدين قنبلة قابلة للانفجار؟ هل تم تسييس التدين؟ أم تم تجاوز ظاهرة التدين ما بعد العولمة؟
لدينا مآلات ثلاثة للتدين الحركي، أو الصحوي،
فالتدين المتشدد انتهى في مرابع العنف، والعنف أنواع ثلاثة، العنف اللفظي، وهو الذي يقوم بتوزيع الكفر والبدع على المخالفين، والعنف السلوكي، وهو الذي يرى المخالف مشكلة، ولكن لا بد من التعامل معه بحذر، والعنف الميداني، وهو الذي حمل السلاح ضد المجتمع.
أما التدين الثاني، فهو التدين السلبي، وهو الذى قرر الانسحاب من ميدان العمل الدعوي والحركي إلى ميدان الحياة بدون فاعلية، فهذا النوع من المآل ملاحظ في جميع التيارات، فهناك شباب انسحبوا من مجالات التغيير، ولكن ما زال لديهم الحب والولاء، ولهذا فهم في الشكل منهم، ولكنهم في الواقع لا عمل عندهم معها، وكذلك تجد كثيرا من أبناء التيار السلفي، وهم يعملون في التجارة بروح سلفية، وفقه سلفي، ولكنهم تَرَكُوا العمل مع السلفيين، ووجدنا آخرين كانوا يوما ما من التيار الإخواني، وما زالوا يؤمنون بالفكرة، ولكنهم انفصلوا عن أجسام الحركة.
الهروب إلى الأمام
هناك نوع آخر من المآلات لهذا التدين، وهو الهروب إلى الأمام، فهناك دخول في الحياة العامة بدون لون، لدينا أكثر من فصيل سياسي، كان إسلامي الهوى، ولكنه بدأ يتخفف من اللون الديني، ويتم التنافس في السياسة بلا مرجعية حقيقية، ولهذا نجد أن التدين الشخصي بقي، ولكن التدين الجماعي (الفاعل) سياسيا وحضاريا انتهى مرحليا.
في الشارع متدين ناجح، ولكن لا وجود في الشارع مشروع ناجح للمتدينين، هل هذا السبب يعود إلى نوعية التدين في المنطقة؟ أم يرجع إلى تركيبة المجتمع البدوي؟ أم الأمر يعود إلى مشروع المتدينين المستنسخ من الخارج؟
لماذا ينجح المتدين في السوق؟ ويفشل مشروع المتدينين في الحياة السياسية؟ لماذا يقبل المتدين (الرأسمالية) كمشروع في السوق؟ ولا يرفض أعمالها سوى البنوك الربوية؟ ولماذا ترك المتدين مشروع الإصلاح باسم الدين؟
بحاجة إلى تدين جديد
نحن في المنطقة بحاجة إلى تدين جديد، وهو الذي يجمع في طياته (روحانية) المتصوف كتجربة النورسي، ولكن بنكهة أفريقية، وصحة في العقيدة، وبحث عن الدليل (سلفية المنهج)، ولكن لا يكون على حساب المنطقة استراتيجيا وفكريا، ويؤمن بالحركية، ويحمل مشروعا حضاريا (الإسلام الحضاري)، وبهذا المنطق يكون المتدين فاعلا، ومنتجا، وغير قابل للانفعال، والاستخدام.
لدينا تجربة في السودان نجحت، وتعثرت، وكادت تفشل، بل وحوربت بقوة، ولهذا فلا بد من مراجعة وقراءة التجربة السودانية، فهي أقرب إلي المنطقة جغرافية، وهناك تجربة في اليمن، نجحت، وبدأت تتعثر، وتعيش اليوم في الامتحان الأصعب، فلا بد من مراجعتها وهي أيضا قريبة إلينا، ولدينا تجربة تركيا، والتي بدأت صوفية، فصارت حركة، ثم تحولت إلى تيار سياسي، فلا بد من قراءة كل ذلك بروح الفقيه الاستراتيجي، ولدينا جماعة العدل والإحسان المغربية والتي أسسها الرجل الرباني الشيخ عبد السلام ياسين بجمعها بين الروحانية والتنظيم، ولكن ليس بروح الانبهار، أو الرفض.
لا مكان للتدين السلبي في الحياة، ولا مكان للتدين الخرافي في العقل المعاصر، ولا مكان كذلك للتدين المصلحي، فكل هذا يتناقض مع أبجديات الدين، ولهذا فلا بد من وعي جديد يصنع مناخا للتدين الجديد، ومن يفهم ذلك فهو من الأقلين عددا، والمؤثرين في الساحة بقوة الفكر، ومن لم يفهم قد يكون من الآفلين، والأفول لا مستقبل له في التدافع الكوني.






