كثير من الخلافات التي تعكر صفو الأخوة والمودة بين المسلمين يمكن لنا أن نقضي عليها في مهدها لو أحسنا تطبيق المنهج النبوي :(أو ليصمت)!
ومن حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ صَمَتَ نَجَا ) . وصححه الألباني في “صحيح الترمذي” ، وكذا صححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند .
قال الغزالي رحمه الله :
“فإن قلت: فهذا الفضل الكبير للصمت ما سببه ؟
فاعلم أن سببه كثرة آفات اللسان ، من الخطأ والكذب والغيبة والنميمة والرياء والنفاق والفحش والمراء وتزكية النفس والخوض في الباطل والخصومة والفضول والتحريف والزيادة والنقصان وإيذاء الخلق وهتك العورات .
فهذه آفات كثيرة ، وهي سباقة إلى اللسان ، لا تثقل عليه ، ولها حلاوة في القلب ، وعليها بواعث من الطبع ، ومن الشيطان ، والخائض فيها قلما يقدر أن يمسك اللسان ، فيطلقه بما يحب ، ويكفه عما لا يحب فإن ذلك من غوامض العلم – كما سيأتي تفصيله – .
ففي الخوض خطر، وفي الصمت سلامة ، فلذلك عظمت فضيلته .
هذا ، مع ما فيه من جمع الهم ، ودوام الوقار ، والفراغ للفكر والذكر والعبادة ، والسلامة من تبعات القول في الدنيا، ومن حسابه في الآخرة، فقد قال الله تعالى (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عتيد)
ويدلك على فضل لزوم الصمت أمر، وهو: أن الكلام أربعة أقسام: قسم هو ضرر محض، وقسم هو نفع محض، وقسم فيه ضرر ومنفعة، وقسم ليس فيه ضرر ولا منفعة.
أما الذي هو ضرر محض فلا بد من السكوت عنه، وكذلك ما فيه ضرر ومنفعة لا تفي بالضرر.
وأما ما لا منفعة فيه ولا ضرر : فهو فضول، والاشتغال به تضييع زمان، وهو عين الخسران، فلا يبقى إلا القسم الرابع، فقد سقط ثلاثة أرباع الكلام، وبقي ربع ، وهذا الربع فيه خطر ؛ إذ يمتزج بما فيه إثم ، من دقائق الرياء والتصنع والغيبة وتزكية النفس وفضول الكلام، امتزاجا يخفى دركه فيكون الإنسان به مخاطراً.
ومن عرف دقائق آفات اللسان علم قطعاً أن ما ذكره صلى الله عليه وسلم هو فصل الخطاب ، حيث قال (من صمت نجا) ؛ فلقد أوتى والله جواهر الحكم قطعا ، وجوامع الكلم ، ولا يعرف ما تحت آحاد كلماته من بحار المعاني إلا خواص العلماء” .
انتهى من “إحياء علوم الدين” (3/ 111-112) .
ولقد قيل قديما : “إن من المسائل مسائل جوابها السكوت” .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ أسكنه الله فسيح جناته ـ : “سكت الشارع في أول الأمر عن الأمر بأشياء والنهي عن أشياء ؛ حتى علا الإسلام وظهر ، فالعالم في البيان والبلاغ كذلك ، قد يؤخر البيان والبلاغ لأشياء إلى وقت التمكن” .
قلتُ : فإذا كان هذا في حق ما يشرع بيانه ، فكيف بغيره مما التبس أمره ، وكثر لغطه ؟!
المقصود أنه يتعين “فقه السكوت” في حالات كثيرة ، ومنها :
أولا ـ إذا وقع الاشتباه في الدليل :
فمن المقرر في الأحكام الفقهية أنه متى وقع الاشتباه ، وجب التوقف ، والاشتباه تارة يرجع للدليل ، وتارة إلى مناط الدليل .
أما الاشتباه في الأدلة والبراهين الشرعية ، كوقوع تعارض بين الأدلة الشرعية المتساوية في القوة ، ولا مرجح لأحدهما على الآخر ، فهنا يجب إعمال “فقه السكوت” ، بالتوقف في الحكم .
وفي الجملة هذا بحثه يرجع لأهل العلم والتخصص من الفقهاء والعلماء .
ثانيا ـ إذا وقع الاشتباه في مناط الدليل .
وأما الاشتباه في مناط الدليل ، فهذا للمكلفين .
فتحريم أكل الميتة ، ومشروعية أكل المذكية لا يحتاج لبحث وتقصي ، فهذا من المعلوم بالضرورة عند جميع المسلمين .
ولكن إذا اختلطت الميتة بالذكية وقع الاشتباه في المشروع أكلها ، وهنا وجب التوقف . وهكذا الأمر في جميع المسائل التي يقع الاشتباه في مناط الدليل وجب التوقف حتى يتبين الأمر بيقين .
ومن يتأمل الموضوعات السياسية ، والأخبار الإعلامية يجدها من أكثر الأمور التي يقع فيها الاشتباه ؛ لأمور كثيرة ، منها :
1 ـ ما يعتريها من ضبابية وعدم وضوح .
2 ـ تلازمها مع المصالح وجودا وعدما ، فالسياسة تبحث عن الهيمنة والتسلط ، والإعلام يبحث عن المكاسب المادية والسبق الصحفي .
3 ـ وجود أيد خفية مجهولة الهوية تحركها من وراء الكواليس ؛ لتحقيق أهدافها ومصالحها .
4 ـ التعامل بأساليب غير أخلاقية ، كالنفاق والكذب والدجل ، والمكيافيلية النفعية ..الخ ، فهذه هي آليات التعاطي مع السياسة والإعلام .
فوائد الصمت
1- دليل كمال الإيمان، وحسن الإسلام.
2- السلامة من العطب في المال، والنفس، والعرض.
3- دليل حسن الخلق، وطهارة النفس.
4- يثمر محبة الله، ثم محبة الناس.
5- سبب للفوز بالجنة، والنجاة من النار.
6- من أقوى أسباب التوقير.
7- دليل على الحكمة.
8- داعية للسلامة من اللغط.
9- يجمع للإنسان لبَّه.
10- الفراغ للفكر والذكر والعبادة.
11- جمع الهم ودوام الوقار.
12- السلامة من تبعات القول في الدنيا ومن حسابه في الآخرة.
13- يكسبك احترام الآخرين لك، ولاسيما في المواقف التي يدور فيها الجدال والصراع.
14- يساعدك على تعلم حسن الإنصات والاستماع.


