الأحد مايو 26, 2024
مقالات

د. أحمد شحروري يكتب: حماس تحشر خصومها في الزاوية

ما إن أعلنت حركة حماس عن موافقتها على مشروع اتفاق يوقف الحرب ويخرج الصهاينة من غزة ويَجري على إثره تبادل أسرى، حتى تنصل النتن من كل تعهد وأعلن مجلس حربه الإجماع على المضي في الحرب وصولا إلى اجتياح رفح، من غير تصريح واضح برفض الاتفاق حتى اللحظة، وعلى هامش الصورتين، صورة إعلان التزام حماس وصورة تعنت النتن انبعثت احتفالات في قطاع غزة تهتف لقرب الفرَج، ومظاهرات في تل أبيب تتوعد بحرق «إسرائيل» إن لم توافق حكومة النتن على الصفقة والاتفاق.

التهدئة مصلحة للجميع بدءا من أهل غزة المعتدى عليهم ليعودوا إلى حياة تكيفوا معها كانت قبل السابع من تشرين، والتهدئة مصلحة لمصر وقطر وأمريكا، ومصلحة للمعارضة الصهيونية، أما مصر وقطر فلكل منهما معادلتها الحساسة، مصر تتوجس من تهجير الغزيين داخل حدودها بما فيه من ضرر على مصالحها، وقطر تتعرض لضغوطات أمريكية صهيونية لإبعاد حماس عن أراضيها وعدم تأمين جو تسترخي فيه الحركة في الحضن القطري (الآمن).

أما أمريكا فتريد الخروج من عنق الزجاجة لأغراض انتخابية، وهي بين نارين، فتأييدها المطلق للصهاينة يضر ب«إسرائيل» نفسها وقد جلبت متاعب لحقتها من المحكمة الدولية، والتخلي الأمريكي عن الصهاينة يتعارض مع عقيدة أمريكية سياسية تنطوي على ضرورة الحفاظ على حليف يحقق لها السيطرة الكاملة على ما تسميه «الشرق الأوسط».

أما المعارضة الصهيونية فهي تريد الوصول إلى اتفاق يحقق الإفراج عن المحتجزين عند حماس، بعد أن يئست من وعود تحريرهم بالقوة.

العروبة التي تجري في دماء أهل السياسة العربية تقف على المحك اليوم، فالضرورات الملجئة لهذا البلد العربي أو ذاك لا يجوز أن تسمح للدم أن يصير ماءً، لذلك لا يُقبل أن يصرح مسؤول عربي لتلفزيون يهودي بأن علاقة دولته مع حماس وظيفية، وأنها مكلّفة من أمريكا لتتدخل في الوساطة بين الفريقين، وأنها تقف على بُعد مسافة واحدة بين حماس و«إسرائيل»!!

هذا المسؤول العربي يحمل عبئا كبيرا على عاتقه من عروبته التي أرهقه انتماؤه إليها حتى وصل إلى درجة التنكر لاستحقاقات هذا الانتماء الذي يقوده الى الحياد في معركة غزة ضد عدوّها بدل أن يكون في صف المقاومة صراحة. فهل يمكن لعربي -ولو عبد الأصنام- أن يكون محايدا تجاه من قتلوا نساء قومه الحوامل وأطفالهم الرضع، بل الأجنة في الأرحام؟!

ما هذه العروبة التي عجزت عن صناعة جوّ يجبر المحتل القاتل على الرضوخ؟ ثم لمّا وافقت المقاومة على مشروع اتفاق لوقف الحرب لم يسَعْ أي دولة عربية أن تثني بالفم الملآن على المقاومة ولا أن تندد بالصلف الصهيوني في المقابل.

وها هم بعض السياسيين الكتاب و«المحللين» يتبرعون إما بشتم المقاومة والهزء بها، من قبيل تساؤل بعضهم إن كان الأردن فندقا ليفرض عليه قادة حماس أنفسهم، مع أنهم من حملة الجواز الأردني الأصلاء، لكنه لم يتساءل إن كان الأردن فندقا وهو يستضيف السفارات المؤذية للمصالح الأردنية وعلى رأسها السفارة الصهيونية التي لم ينته وجودها وإن خلت من سكانها الهاربين خوفا من غضبة الأردنيين.

أما طراز المحللين الأشاوس الذين يدّعون أن الشعب الغزي قد تعب وأن حماس الآن (تدير الخسائر) لأنه لا يوجد ربح تديره كما يفهم من كلامه، وأن حماس لا تريد أن تعترف بهزيمتها العسكرية، وأن حماس مقبلة على تنازل في صفقة الاتفاق…الخ، إنك لتلحظ في حواراتهم لغة خشبية بلا روح، فيها الكثير من التنكر للحقيقة على الأرض، وفيها تغييب الأثر الإيماني الواضح في معركة غزة، وفيها العمى عن هذا النصر الميداني اليومي المصور المشهود للكتائب المؤمنة التي تخوض النزال، الذي بدأ يُشفَع بنصر سياسي باهر سددت فيه حماس ضربة قاضية لإدارة النتن السياسية وهي تضعه في زاوية حرجة أمام الدنيا بأسرها، ليشهد العالم كله على من يعطل الحل ويقف في طريق حقن الدماء من كل الأطراف، وبقدر ما كانت المقاومة ذكية في إدارة المعركة منذ فجر السابع من تشرين إلى اليوم، تثبت أن ذكاءها السياسي على الأرض لا يقل عن ذكائها الميداني، لتحرج الجميع أمريكيين ووسطاء وأعداء، ولتعطي الثائرين على الوضع السياسي في العالمين الغربي والعربي دليلا جديدا على عقم التفكير المصلحي الذي أغرقت فيه أمريكا وعميلاتها المنطقةَ وعملت على قلب الحقائق لولا هذا الحضور المقاوم وهذا الفهم المعجز من قِبَلها لطبيعة الأشياء على الأرض.

وإلى كل من يعيّرونني بتفاؤلي أقول: سترون في قابل الأيام واقعية هذا التفاؤل، وسيفضح النتن ويعريه عجزه عن المضي قدما في تصلبه وعنجهيته، وسيكون لهذا الصبر غير المحدود للمقاومة وللشعب في غزة أثره الناجز بحول الله، «والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون».

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قناة جريدة الأمة على يوتيوب