من المعاني التي قد تغيب عن الكثيرين منّا، ويتأكد تذكير النفس بها: أن التوبة من الذنوب ليست واجبة فحسب، بل هي واجبة على الفور لا على التراخي.
ومعنى ذلك: أن المسلم إذا وقع في ذنب، فيلزمه أن يتوب إلى الله منه فورًا، ولا يُسوِّف، أو ينتظر حتى يكبر إن كان شابًا، أو يتفرغ إن كان مشغولًا، أو يتزوج إن كان أعزب، أو ينتظر حلول موسم فاضل مثل رمضان، أو يعتمر أو يحج، أو غير ذلك من أنواع التسويف. ويكفي تارك التوبة وعيدًا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
وقد نقل عدد من أهل العلم الإجماع أو الاتفاق على تلك الفورية، ومن ذلك قول النووي رحمه الله في شرحه على صحيح مسلم: “واتفقوا على أن التوبة من جميع المعاصي واجبة، وأنها واجبة على الفور، لا يجوز تأخيرها، سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة.”
وقد جاء الأمر بالتوبة في كتاب الله لجميع المكلَّفين دونما استثناء، فقال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. فمن سمع الحديث عن التوبة، ثم ظن أنه غير مخاطَب به، وأن المقصود بذلك العصاة والمذنبون وحدهم، فلعله مغرور معجب بنفسه، أو جاهل بعظمة ربه، وغافل عن تقصيره في حق مولاه بترك واجباتٍ ما أكثرها، وفعل ذنوبٍ باطناتٍ وظاهراتٍ ما أخطرها.
وصلى الله وسلَّم وبارك على سيد الأتقياء، وإمام الرسل والأنبياء، صاحب المقام المحمود، والحوض المورود، وأعلم الناس بالله وأشدهم له خشية، وقدوة المستغفرين والتائبين، الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وكان مع ذلك يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة، وفي رواية: مائة مرة.


