في خضم الجدل الدائر حول بعض التصريحات المنسوبة إلى الزميل الإعلامي د. محمد الباز بشأن ختم النبوة، واستمرار الوحي، وموقف الإسلام من البهائية، تبرز حاجة ملحّة إلى نقاش هادئ، منضبط، يستند إلى الأصول العقدية المستقرة في الإسلام، بعيدًا عن الانفعال أو التجريح، وبعيدًا كذلك عن التمييع أو المجاملة الفكرية.. الباز طرح وجهة نظره وما يؤمن به ويعتقده، وأنا بدوري أطرح وجهة نظري وما أومن به واعتقده من صميم منظور إسلامي تقليدي، فما قيل عن استمرار الوحي أو نسبية ختم النبوة يخالف نصوصًا قطعية في القرآن والسنة وإجماع الأمة، غير أن الرد الرصين لا يكون بالصخب أو التكفير المتعجل، بل بتقرير الأصول بهدوء وهذا ما أؤسّس له دائما في أي قضية فكرية أثارت جدلا ما.
القضية محل الجدل ليست خلافًا ثقافيًا عابرًا، بل تمسّ أصلًا من أصول الاعتقاد الإسلامي.. معنى ختم النبوة، وحدود الاعتراف الديني، والفارق بين التعايش الاجتماعي والنسبية العقدية.
أولًا: ختم النبوة.. نصّ قطعي لا مجال لافتراضه
يقول الله تعالى: «مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ» (الأحزاب: 40)، وجاء في الحديث الصحيح: «لا نبي بعدي».
هذان النصّان – ومعهما إجماع الأمة عبر القرون – يؤسسان لحقيقة عقدية قطعية مفادها انقطاع النبوة والوحي التشريعي بوفاة النبي محمد ﷺ.
وهذه المسألة ليست «عقيدة نفسية تخص المسلمين»، ولا رأيًا تاريخيًا قابلًا لإعادة التفسير، بل من «المعلوم من الدين بالضرورة».
من هنا، فإن إدخال ختم النبوة في دائرة الافتراض -كأن يُقال: لو عُرض الأمر على الرسول فلن ينكره- يطرح إشكالًا منهجيًا عميقًا، لأن النبي ﷺ في العقيدة الإسلامية رسول مُبلِّغ، لا يشرّع من عند نفسه، ولا يملك أن يقرّ ما يخالف الوحي «وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى» (النجم: 3–4)
فإذا كان الوحي قد حسم القضية، فليس لأحد أن ينسب إلى النبي موقفًا تخيّليًا يخالف ما بلّغه.
استخدام “لو” في أمرٍ قطعي يفتح باب التشكيك في اليقين، وينقل النص من دائرة الحسم إلى دائرة الاحتمال.
إن إنكار ختم النبوة في التصور الإسلامي لا يُعد اختلافًا تأويليًا، بل خروجًا عن أصلٍ قطعي.
ثانيًا: هل الوحي مستمر؟ التمييز الضروري
قبل الشروع في تفنيد ما ذكره الباز عن الوحي، من المهم هنا التفريق بين ثلاثة مفاهيم:
الوحي التشريعي: وهو الذي ينزل على الأنبياء بالتكليف والرسالة، وهو قد انقطع.
الإلهام العام: وهو معنى يشمل التوفيق أو الحدس أو الفكرة الخلّاقة، والإبداع الإنساني والاجتهاد العقلي.
الإسلام يقرّ بالإلهام بمعناه العام؛ فقد ورد في القرآن: «وأوحى ربك إلى النحل…»، وليس المقصود هنا وحي تشريع.
لكن مساواة الإلهام الأدبي أو الفني أو الاقتصادي بالوحي النبوي خلطٌ مفاهيمي خطير؛ لأن الوحي في الاصطلاح العقدي مصدر تشريع معصوم، بينما الإلهام الإنساني قابل للخطأ والصواب.
إذا قيل إن «الوحي لم ينقطع» بمعناه التشريعي، فذلك يناقض نصوصًا قطعية.
أما إذا أُريد به الإلهام العام، فليس في ذلك جديد، لكنه لا يبرر الحديث عن استمرار الرسالات.
الإسلام يقرّ أن الله يلهم عباده الخير، وأن العقل البشري قادر على الابتكار في الأدب والفن والاقتصاد.
ثالثًا: الإسلام واعترافه بما قبله
الإسلام ليس دينًا مبتور الجذور، بل هو -في تصوره لنفسه- خاتمة سلسلة رسالية بدأت مع آدم عليه السلام.
المسلم يؤمن بكل الرسل والكتب السابقة، ويؤمن بأن التوراة والإنجيل كانتا وحيًا من الله في أصلهما.
الإيمان بـ اليهودية والمسيحية من حيث الأصل السماوي جزء من عقيدة المسلم، لا مجاملة تاريخية ولا انفتاحًا حداثيًا.
لكن هذا الاعتراف مشروط بحقيقة عقدية أخرى: أن الإسلام جاء مهيمنًا وخاتمًا، ناسخًا لما قبله من الشرائع، فالاعتراف بما سبق لا يعني فتح الباب لما لحق.
رابعًا: الديانة البهائية.. بين التاريخ والعقيد
ظهرت الديانة البهائية في القرن التاسع عشر على يد بهاء الله في سياقٍ فارسيٍّ مضطرب.
ومن ركائزها الإيمان باستمرار «الظهور الإلهي» عبر رسل متعاقبين، وهو ما يعني – من منظورها – أن النبوة لم تُختتم، ووجود رسل بعد النبي محمد ﷺ.
فمن المنظور الإسلامي، هذا الطرح يتعارض جذريًا مع مبدأ ختم النبوة.
ولذلك لا يمكن -عقديًا- مساواة هذه الدعوى باليهودية أو المسيحية في أصلها، لأن الإسلام يعترف بتلك الأديان باعتبارها جزءًا من السلسلة الرسالية السابقة، لا باعتبارها بدائل موازية مستمرة.
الحديث عن «وحدة الأديان» بمعنى تساويها في الصحة العقدية يصطدم بفكرة النسخ والهيمنة في الإسلام.
نعم، هناك وحدة في الأصل الإلهي العام للرسالات، لكن ليست هناك مساواة مطلقة بين شريعة خاتمة ودعوى لاحقة تناقض أصل الختم.
أما القول إن النبي ﷺ «لن ينكر» عقيدةً ترى استمرار النبوة بعده، فذلك افتراض يصادم نصوصًا قطعية أكدت ختم النبوة.
خامسًا: بين التعايش والنسبية العقدية
هنا يجب التفريق بدقة بين مستويين:
المستوى الأخلاقي الاجتماعي:
احترام كرامة الإنسان، وعدم الإكراه في الدين، والتعامل بالعدل والإحسان مع الجميع.
المستوى العقدي الإيماني:
الإيمان بأن الحق في باب التشريع والنبوة قد اكتمل تماما وخُتم.
فالإسلام يقرّ المستوى الأول بوضوح، لكنه لا يذيب المستوى الثاني تحت شعار التسامح، فالعدل لا يعني التنازل عن الثوابت، كما أن الثبات لا يعني العدوان.
سادسًا: من الدين الإلهي إلى «الدين الملوكي»
عبر التاريخ، ظهرت أنماط من التدين تُعاد صياغتها وفق أهواء بشرية أو اعتبارات سلطوية؛ ما يمكن تسميته مجازًا «دينًا ملوكيًا» أو «تديّنًا سلطويًا».
وهو نمط ينتقل فيه مركز المرجعية من النص المعصوم إلى الرغبة الإنسانية.
ففي التصور الإسلامي: الدين الإلهي يقوم على وحي محفوظ بنص قطعي، وأي فتح لباب النبوة بعد الختم، أو إعادة تشكيل الأصول لتناسب المزاج الثقافي، هو انتقال من مرجعية الوحي إلى مرجعية الإنسان.
فإذا أصبح معيار الاعتراف هو مجرد الظهور التاريخي أو عدد الأتباع، فإننا لا نتحدث عن دينٍ بوحيٍ محفوظ، بل عن مشروع فكري قابل لإعادة الصياغة.
سابعا: خطورة «لو» في القضايا المحسومة
صيغة «لو عُرض على الرسول فلن ينكره» التي جاءت على لسان الباز تتضمن مشكلتين:
افتراض سيناريو مخالف للنص القطعي (استمرار النبوة أو قبول دعوى لاحقة).
نسبة موقفٍ للنبي ﷺ دون مستندٍ من وحي أو سنة صحيحة.
في أصول العقيدة، الكلام عن الله ورسوله بلا دليل يُعد من القول بغير علم، وهو مما حذّر منه القرآن: «ولا تقف ما ليس لك به علم…» (الإسراء: 36)
فإذا كان الوحي قد حسم قضية ختم النبوة، فإن إدخالها في دائرة “الاحتمال الافتراضي” يُحوّل القطعي إلى ظني، ويُضعف مركزية النص.
إن منطق «لو عُرض على الرسول» بين التوقير وحدود القول على الله، يثير هذا التعبير إشكالًا منهجيًا قبل أن يكون عقديًا.
فالسؤال ليس فقط: ماذا سيقبل النبي ﷺ أو يرفض؟ بل الأهم: هل يجوز أصلًا أن نتكلم بصيغة الافتراض في أمورٍ حسمها الوحي؟
ثامنا: وضوح بلا عداء، وثبات بلا انفعال
ينبغي هنا وانا أؤسّس قاعدة لفهم الملتبس حول التأكيد على أن المسلم يؤمن: بأن النبوة خُتمت بمحمد ﷺ، وأن الوحي التشريعي انقطع بوفاته، وأن الإلهام ليس وحيًا، وأن الإسلام يعترف بالرسالات السابقة في أصلها، لا بكل دعوى لاحقة، وأن التعايش الاجتماعي لا يستلزم النسبية العقدية.
القرآن يصف نفسه بأنه: «مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ» (المائدة: 48) أي رقيبًا ومصححًا لما قبله.
فالإسلام – عقديًا – لا يضع نفسه دينًا بين أديان متساوية، بل خاتمةً لخطٍّ نبوي بدأ بآدم عليه السلام وانتهى بمحمد ﷺ.
من هنا، فإن الاعتراف باليهودية والمسيحية في أصلهما لا يفتح الباب منطقيًا ولا عقديًا للاعتراف بأي دعوى دينية لاحقة تدّعي استمرار الوحي بعد ختم النبوة.
القوة الحقيقية للعقيدة لا تظهر في الانفعال، بل في وضوحها واتساقها، والغيرة على الثوابت لا تعني ظلم أحد، كما أن الرغبة في التعايش لا تبرر تسييل وذوبان أو انصهار الحدود العقدية.
بين هذين الحدّين يقف المسلم الواثق من دينه وعقيدته ليعيش مع الناس بعدلٍ ورحمة، ويعيش مع نصوصه بيقينٍ وثبات.
خلاصة جامعة
نحن كمسلمين لا نؤمن بدينٍ نشأ في القرن السابع فحسب، بل نؤمن بدينٍ بدأ مع أول نبي، واكتمل بخاتمهم.
نعترف بما قبله لأنه من جذره، لا لأنه مجرد «تنوع ديني».
فإذا فُتح الباب لكل دعوى لاحقة باسم التطور أو الوحدة، انتقلنا من دينٍ قائم على وحيٍ محفوظ، إلى تصورٍ إنساني مرن يتشكل حسب الأهواء.
والفارق بينهما – في ميزان العقيدة – ليس تفصيلًا صغيرًا، بل هو الفاصل بين الإيمان بالوحي، والإيمان بفكرة يصوغها البشر.. أي بشر!!!







