لقد شرع الله لعباده من النظم والأحكام والآداب التي تضمن لهم الهداية والطهارة والعفة والسمو من جانب، وتصونهم من الغواية والسسفاسف والدنايا من جانب آخر.
ففي سورة النساء بعد ما ذكر الله الأحكام المتعلقة بالبيوت والنكاح – حلاله وحرامه – بيَّن الحكمة من ذكر هذه الأحكام في قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا} [النساء:26-27].
فالله يريد لعباده أن يتوب عليهم، ويهديهم، ويسمو بهم إلى القمة السامقة من الطهر والنزاهة والعفة، ويريد الذين يتّبعون الشهوات أن يميلوا ميلًا عظيمًا عن صراط الفطرة؛ فيؤثِروا داعية الشهوة على كل داعية، وأن يجعلوها إمامهم المتّبَع، وأن يطلقوا الغرائز من كل عقال؛ لتنطلق بلا حاجز ولا كابح!!
ولذا لم تأخذني الدهشة من تسريبات (إبستين) المخيفة؛ ولا الغرابة من تورط أثرياء العالم وأساطينه في مستنقع الوحل والرذيلة؛ لأنَّ الإنسان إذا انحطَّ عن مواريث الأنبياء، فقلب الفطرة، ومسخ الإنسانية – على حد تعبير الندوي – اخترع من الجرائم وابتدع من المآثم ما لا يخطر على قلب بهيمة أو سبع، ولا يزال منهم من يبتكر أنواعًا وبدعًا من أساليب القتل والفتك بالإنسان، وآلات الدمار والهلاك، والغازات السامة، وأنواعًا من الخلاعة والعري والتهتك ما تخجل منه البهائم!!
وماذا بعد أن أخلد الإنسان إلى الأرض واتبع شيطانه وهواه؛ إلا الفساد الخلقي والعري والتهتك، الذي أخبرنا به الله قبل أن يقع وينتشر ويستفحل كما حصل في هذا العصر، قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف:27].
إنَّ آفة الحضارة الغربية هي غلبة الغرائز الدنيا عليها، والسقوط والانغماس في الملذات البهيمية..، ولا غرو أن عبَّر بعض المفكرين عن هذا السقوط بقوله: «إنه إلحاد بطن وفرج لا إلحاد عقل وفكر»!!
وبعد..، ما بقي للبشرية الغارقة في التيه والظلمات غير الإسلام، هو وحده – وليس غيره – القادر على إخراج الناس من ظلمات الوحل ومهانة الإنسان، إلى نور الفضيلة والطهر وكرامة الإنسان!
{أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأنعام:122].
❏ د. إبراهيم التركاوي
4 فبراير 2026م


