الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
كيفيات الذكر:
ينقسم الذكر بحسب كيفية أدائه إلى ثلاثة مستويات، وبحسب هيئته إلى سري وجهري، كما يختلف من حيث صورته بين الفردي والجماعي. وفيما يلي تفصيل ذلك:
أولًا: مراتب الذكر من حيث الكيفية:
1/ الذكر بالقلب واللسان معًا:
وهو أعلى مراتب الذكر، إذ يجمع بين استحضار القلب ونطق اللسان، فيكون الذاكر حاضر الذهن، مستشعرًا عظمة الله وأسمائه وصفاته. وهذا هو الذكر الكامل الذي يتواطأ فيه اللسان والقلب، ويثمر الخشية والخضوع والخشوع.
2/ الذكر القلبي دون اللسان:
وهو أن يذكر العبد ربَّه في نفسه، دون تحريك لسانه. وقد أثبت القرآن الكريم هذا النوع من الذكر، كما في قوله تعالى:(وَاذْكُر رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْل) الأعراف: 205.
وهذا الذكر يكون خفيًا، وقد يكون الإنسان بين الناس بجسده، ولكنه بقلبه في معية الله. وأعمال القلب كالتوحيد والخشية والرجاء والتعظيم، هي من أجلِّ أعمال الإيمان.
3/ الذكر باللسان دون حضور القلب:
وهذا أدنى مراتب الذكر، لكنه لا يعدم الفضل، لأن اللسان جارحة من جوارح الإنسان، وقد شُغلت بطاعة الله. وقد جاء في القرآن:(سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) الأعلى: 1.
فالإنسان عندما يلهج بقول: “سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله، الله أكبر”، فإنه في ذكر.
والذكر الكامل يتحقق بتواطؤ القلب مع اللسان.
وقد قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في كتاب الإحياء: (وأفضل القراءة ما كان في الصلاة وأفضلها في قيام الليل). وفي هذا الجمع بين المقامات المختلفة، التلاوة، والصلاة، والقيام، ولو كان في بيوت الله يكون أفضل– وهي أعظم أحوال الذكر. قال تعالى:(أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ (الزمر: 9.
ثانيًا: الذكر من حيث الإسرار والجهر:
1/الذكر السري:
وهو الذكر الذي يكون خفيًّا لا يسمعه إلا صاحبه. وقد أثنى القرآن عليه، كما في قوله تعالى:(ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً (الأعراف: 55.
والخفيّ أقرب إلى الإخلاص، وأبعد عن الرياء، وهو الأصل في سائر الأذكار إلا ما ورد استحباب الجهر به.
2/ الذكر الجهري:
ويكون حين يجهر العبد بذكر الله ويسمعه الآخرون دون تجاوز عليهم، وله فوائد منها تحفيز النفس، وتنشيط الغير على الذكر كما يكون في قيام الليل أحيانا، وقد شرع الجهر في مواضع مخصوصة، منها:
♦ الجهر بالقراءة في الصلوات الجهرية.
♦ التلبية في مناسك الحج.
♦ التكبير في الأعياد.
فحيث ثبت مشروعية الجهر، يُستحب، وإلا فالأصل الخفاء.
ثالثًا: الذكر الفردي والجماعي:
1/ الذكر الفردي:
وهو الأصل في سائر الأذكار، حيث يتوجه العبد بذكره إلى ربه منفردًا، متذللاً بين يديه، والأصل أن هذه العلاقة فردية بين العبد وربه، يتقرب إليه بها ويعلو إيمانه.
2/ الذكر الجماعي:
ويكون مشروعًا في مواطن ثبت فيها عن النبي ﷺ وأصحابه، مثل:
♦ الصلوات المفروضة، وهي من الذكر الجماعي.
♦ الجمعة، وهي ذكر جماعي كما قال تعالى:(فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ) الجمعة: 9.
♦ مدارسة القرآن وتعليمه وتفسيره، فإنها من الذكر الجماعي المشروع.
أما ما شاع من تحويل الأذكار الفردية كالتسبيح والتهليل والتحميد إلى أذكار جماعية مبتدعة، فقد أنكرها جمع من العلماء كالإمام الشافعي، والإمام الشاطبي، وابن الحاج، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهم الله، لعدم ثبوتها عن الصحابة الذين هم خير هذه الأمة، وأبرّها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا.
وقد قال النبي ﷺ:(من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد” [رواه مسلم.
ومما سبق فالذكر عبادة قلبية ولسانية، تتنوع كيفياته وأوقاته وهيئاته ، والمطلوب من العبد أن يسعى لتحقيق أعلى مراتبه، وهو الذكر الذي يجمع بين حضور القلب ونطق اللسان في المواطن المشروعة، بعيدًا عن التكلف والابتداع، سائرًا على هدي النبي ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم.
أوقات الذكر:
لقد جاء الذكر في النصوص الشرعية مقترنًا بأوقات مخصوصة، دلّ عليها القرآن الكريم والسنة النبوية، تأكيدًا على أهمية ارتباط المؤمن بربه في سائر الأوقات، لاسيما في اللحظات التي تتكرر يوميًّا، وفيها تجديد للعهد مع الله عز وجل وينقسم الذكر من حيث الزمن إلى نوعين رئيسين:
أولاً: الذكر المؤقت(المحدد)
ثانيًا: الذكر المطلق
أولًا: الذكر المؤقت (المحدّد):
وهو الذكر الذي ورد تحديد وقته أو عدده أو مكانه أو هيئته وصفته في القرآن الكريم أو السنة النبوية، ومنها:
1/ قبل طلوع الشمس وقبل غروبها:
قال الله تعالى:(فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) طه: 130.وهذا يتضمن ذكر الله في الصباح قبل طلوع الشمس وبعد العصر قبل غروبها، ويدخل فيه الصلوات المفروضات في هذه الأوقات وما يعقبها من الأذكار وتلاوة القرآن، وقد واظب عليها النبي ﷺ وأوصى بها. وقال تعالى أيضًا:(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (غافر: 55. فـ”العشي” وقت العصر إلى المغرب، و”الإبكار” وقت البكور، أي أول النهار.
2/أطراف النهار وآناء الليل:
قال تعالى:( وَٱذۡكُر رَّبَّكَ فِی نَفۡسِكَ تَضَرُّعࣰا وَخِیفَةࣰ وَدُونَ ٱلۡجَهۡرِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡـَٔاصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡغَـٰفِلِینَ) الأعراف: 205. والغدوّ أول النهار، والآصال نهايته، مما يدل على استحباب ملازمة الذكر في بداية اليوم وختامه.
3/الأسحار وإدبار النجوم:
قال الله تعالى:(كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) الذاريات: 17–18. وفي ذلك إشارة إلى ذكر الاستغفار في أواخر الليل، وهي ساعة مباركة، يغفل عنها كثير من الناس، لكنها من أعظم مواطن الإجابة.
4/ بعد الصلوات المكتوبة (أدبار السجود):
قال تعالى:(فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ) النساء: 103.وفي الحديث عن المغيرة بن شعبة، أن النبي ﷺ كان يقول بعد الصلاة:
“لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد” رواه البخاري ومسلم.
ويكون التحديد أحيانًا:
5/ بالعدد المعين، كقوله ﷺ:
“من قال سبحان الله وبحمده مائة مرة، حُطّت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر” [رواه البخاري ومسلم.
6/ أو المكان المعين، كالذكر في السجود أو الركوع.
7/ أو الحال والمناسبة المعينة، وقد ثبتت في السنة النبوية أذكار لأحوال ومناسبات متعددة، منها:
– عند النوم والاستيقاظ:
قال النبي ﷺ:
“من قال حين يأوي إلى فراشه: لا إله إلا الله وحده لا شريك له … كان له حرزًا من الشيطان حتى يصبح” [رواه البخاري.
– عند دخول المنزل والخروج منه
– عند الأكل والشرب
– عند دخول الخلاء
– عند الركوب والنزول
– في مواطن الشدة والرخاء، الخوف والأمن
وهذا النوع من الذكر هو جزء من منظومة التعبد الموقوت التي تُظهر طاعة العبد، وانضباطه بالوحي، والتزامه بالسُّنَّة.
ثانيًا: الذكر المطلق:
وهو الذكر الذي لا يُقيّد بزمان ولا مكان ولا عدد ولا هيئة ولا صفة، بل يشمل كل لحظات اليوم، وقد أمر الله به في قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (الأحزاب: 41. وقوله:(وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ) الأحزاب: 35. وفي هذا الأمر الإلهي الحث على الإكثار من الذكر دون تقييد بزمن معين، ويدخل فيه كل الأذكار الجارية على القلب واللسان من خوف وخشية وإنابة ورغبة ورهبة وتسبيح وتحميد وتهليل وتكبير، واستغفار وصلاة على النبي ﷺ.
وهذا الذكر غير المرتبط بوقت أو عدد، هو أعلى مقامات الذكر من حيث الإطلاق والكثرة، إذ يُبقي لسان العبد رطبًا بذكر الله في كل حين، دون تقييد.
وقد عُدَّ الذكر في الوحي المنزل غايةً سامية تتفوّق على غيرها من أعمال الطاعات؛ كما جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال): ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورِق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟” قالوا: بلى يا رسول الله. قال: “ذكر الله تعالى) رواه الترمذي.
وقد علّق العلماء على هذا الحديث بقولهم:
إنّ الذكر غاية، وسائر العبادات من إنفاق وجهاد وصلاة هي وسائل موصلة إلى تلك الغاية، لأن المقصود منها جميعًا هو تعظيم الله واستحضار مراقبته، وهذا كله يتحقق بالذكر.
لطائف تربوية ودعوية:
– الذكر المؤقت مرتبط بأزمنة وأعداد وأحوال مخصوصة، يُثاب المسلم فيها عند التزامه بالسُّنّة.
– أما الذكر المطلق فهو أعلى مراتب المداومة والتقرب، لأنه لا يفارق قلب المؤمن ولسانه، ويصح في جميع الأوقات والأحوال.
وكلا النوعين مطلوبان، ويكمل بعضهما بعضًا، فالموفق من جمع بين الذكر المؤقت بالانضباط، والذكر المطلق بالمداومة والتجرد.
– النصوص الشرعية ركّزت على الذكر في أوقات متكررة يوميًّا لتكون هذه المواطن محطات تجديد للعلاقة مع الله تعالى.
– وأشارت إلى الذكر المطلق لتكون الحياة كلّها مجالاً لذكر الله.
– وذكرت أذكارًا خاصة بالأحوال والظروف لئلا يغفل العبد عن مولاه في أي شأن من شؤون حياته.
معينات الذكر:
هي الأسباب والأدوات التي تُعين المسلم على الإكثار من الذكر والمداومة عليه، وقد دلت النصوص الشرعية من القرآن الكريم والسنة النبوية على جملة من المعينات التي تُساعد العبد على ملازمة الذكر وحضوره في القلب واللسان.
وفيما يلي أبرز هذه المعينات مع الأدلة الشرعية:
1/ الإخلاص لله تعالى:
– لا يكون الذكر نافعًا إلا إذا كان خالصًا لوجه الله، والنية الصادقة تُعين العبد على الثبات والمداومة قال تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ [البينة: 5.
2/العلم بفضائل الذكر وآثاره:
– معرفة ثمار الذكر، كطمأنينة القلب، ورفع الدرجات، ومغفرة الذنوب، من أقوى الدوافع للذكر قال تعالى: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ الرعد: 28.
3/ محبة الله عز وجل:
– المحبة الصادقة تدفع العبد إلى دوام ذكر المحبوب.
في الحديث القدسي:(وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به”رواه البخاري.
4/ صحبة الذاكرين ومجالستهم:
الصحبة الصالحة تذكّر بالله، وتعين على الذكر، وتحيي القلب. قال النبي ﷺ): إن لله ملائكةً سيّارة، يطلبون أهل الذكر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله، تنادوا: هلمّوا إلى حاجتكم (رواه مسلم.
5/ الابتعاد عن المعاصي وأسباب الغفلة:
المعاصي تُورث ظلمة في القلب، وتُبعد عن الذكر وتحجب نور الهداية والتوفيق قال تعالى: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا﴾ [الكهف: 28.
6/ الاقتداء بالنبي ﷺ في أذكاره وأحواله:
معرفة أذكار النبي ﷺ في اليوم والليلة، ومتابعته فيها، تعين على الذكر المنظّم المؤصل. قال النبي ﷺ:(إنّي لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة (رواه البخاري.
7/ تنظيم أوقات للذكر:
كأذكار الصباح والمساء، ودبر الصلوات، وأذكار النوم، وأوقات الفراغ كما تقدم في الأذكار المؤقتة والمحددة.
8/ استشعار مراقبة الله عز وجل:
الإحساس بأن الله مطّلع على العبد يُثمر دوام الذكر والتعلق به.
قال تعالى: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ طه: 46.
وقال ﷺ في تعريف الإحسان:
“أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك” رواه مسلم.
9/ التعوّد والتدرّج في الذكر:
تعويد النفس على الذكر القليل يؤدي إلى التوسع فيه وصولا إلى مدارج الذاكرين الله كثيرا قال ﷺ:(أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل) رواه البخاري.
10/ الدعاء بأن يُعينك الله على ذكره:
الدعاء من أعظم الوسائل للاستعانة على الطاعة، ومنها الذكر وقد كانت وصية النبي ﷺ لمعاذ): يا معاذ، إني أحبك، فلا تدعنّ أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) رواه أبو داود والنسائي.
فوائد وثمار الذكر:
الذكر ليس مجرد ترديدٍ للألفاظ، بل هو أعظم وسائل القرب إلى الله، وأوسع أبواب الطمأنينة، وأقصر طريق إلى الفلاح في الدنيا والآخرة، وقد تضافرت النصوص القرآنية والنبوية في بيان فوائده الجليلة وآثاره العظيمة، وثماره اليانعة ومنها:
1/أن الذاكر مذكور عند الله تعالى:
وهذا من أعظم ما يُنال بالذكر، أن يُذكر العبد في الملأ الأعلى، عند ملك الملوك سبحانه، كما قال تعالى: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُم) البقرة: 152.
وفي الحديث القدسي، يقول الله عز وجل: “أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خير منهم”رواه البخاري ومسلم.
2/ تحصيل المغفرة والأجر العظيم:
من ثمرات الذكر وآثاره العاجلة والآجلة المغفرة والرضوان والثواب العظيم قال تعالى: (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) الأحزاب: 35. فهذا الوعد القرآني الصريح بالمغفرة والأجر، مشروط بكثرة الذكر، فلا يُنال عفو الله وفضله إلا لمن واظب على الذكر وتعهده في ليله ونهاره، وسره وعلانيته.
3/ الفلاح في الدارين:
الفلاح هو الفوز المطلق، والظفر الكامل في الدنيا والآخرة. وقد جعله الله ثمرةً من ثمار الذكر، قال تعالى: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) الأنفال: 45.
قال ابن كثير رحمه الله: “أي: بالمداومة على ذكر الله يُنال الفلاح والنصر”.
فالفلاح ليس بكثرة المال أو الجاه، وإنما بالتعلق بالله، والمداومة على ذكره سبحانه.
4/ النجاة من البلاء والمصائب:
الذكر من أعظم أسباب رفع البلاء ودفعه، كما ورد في قصة نبي الله يونس عليه السلام، حين التقمه الحوت، فأنجاه الله بتسبيحه): فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات: 143–144.
وكذلك نبي الله أيوب عليه السلام، لما اشتد به البلاء، لجأ إلى ربه بالذكر والدعاء، فاستجاب له سبحانه): فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ (الأنبياء: 84.
فكل من أثقلته المصائب، وضاق به الحال، فليلجأ إلى الذكر، ففيه مفاتيح الفرج، ودواء الكرب، وباب النجاة.
5/طمأنينة القلب وسكينة النفس:
قال الله تعالى:(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (الرعد: 28.
القلوب التي تعاني من القلق، والهم، والاكتئاب، والشتات، لا دواء لها أنجع من الذكر فهو يُسكِّن النفس، ويُنير القلب، ويجعل صاحبه حاضرًا مع الله، مستأنسًا بقربه، راضيًا بقضائه.
وقد قال ابن القيم رحمه الله:
“في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله في خلوته”. قال تعالى:(وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (الزخرف: 36.
6/ اكتساب القوة البدنية والمعنوية:
الذكر يقوي الأبدان والأرواح وينير العقول لأن صاحبه متصل بالقوي صاحب العظمة والكبرياء ومحصن به فلا حول له ولا قوة إلا بالله العلي العظيم قال ابن القيم رحمه الله في كتابه الوابل الصيب:
“الذكر يُعطي الذاكر قوة حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لا يطيقه بدونه”.
وخلاصة القول:
فالذكر غاية في ذاته، ومقصد من مقاصد الدين، وجسر بين العبد وربه، به يُذكَر العبد في السماء، ويُغفر له في الأرض، ويطمئن قلبه، وتُرفع درجته، ويُدفع عنه البلاء، ويُكتب له الفلاح الأبدي. فما أعظم الذكر وما أعظم مقام الذاكرين في الدنيا والآخرة.
والحمد لله رب العالمين.