ما فعلته إيران بتدخلها في سوريا يوماً كان من أكبر الأخطاء التاريخية والاستراتيجية التي ارتكبتها إيران منذ انتصار ثورتها، كما كان غطاء الدعاوى الطائفية المقيتة الذي تقمصته وما ارتكب تحته من جرائم؛ أشد وأقسى من غطاء الصواريخ والمسيرات!
فإذا كانت ركيزة المنهج الشيعي تقوم على نصرة المظلوم، والوقوف في وجوه الظالمين؛ فقد هدم هذا التدخل النكد المشؤوم هذا الأصل من أساسه، إذ يعرف كل عاقل -حتى من الطائفة العلوية- ظلم نظام الأسد وطغيانه وفساده، وبعدما كانت إيران تعد السيد الشهيد المظلوم الحسين بن علي بالنصرة ألف عام ويزيد، دعموا من هو أفسد من ابن زياد ويزيد!
كما تقوم أصول النظام الإيراني على الثورة والتغيير الاجتماعي والسياسي، فإذا “بإيران الثورة” تتدخل لقمع ثورة شعب لا يشك ذو عينين فيما كان فيه من ظلم وفقر وجهل لا يليق ببلد كسوريا ولا حاضنة كالشام، فضلاً عن صمته وتواطئه واحتمال بيعه سلفاً للجولان.
وأهم من ذلك هو إحراق ورقة حزب الله بلبنان، وهو الحزب الذي تصدى لمواجهة العدو الصهيوني تحت شعار الأمة والإسلام، وحرص كل الحرص في جميع مواجهاته وحروبه السابقة معه على عدم إبداء أي بادرة أو شعار يشير لكونه “حزباً طائفياً”، وقد بذل في سبيل ذلك التضحيات بالآلاف من قياداته قبل أبنائه، حتى جاءت هذه اللحظة الفارقة التي خرج فيها أمينه العام ليعلن ذلك بمنتهى العنف والوضوح في خطابه الشهير.
ثم ما تبع ذلك من تحشيد للقوى الشيعية في المنطقة بأسرها، تحت شعار حماية المراقد، ونصرة “السيدة زينب” التي زعمت الميليشيات المعتدية أنها أتت للحول دون “أسرها للمرة الثانية”، هذا ومقام السيدة كان بالفعل تحت أسر نظام الأسد المجرم، إذ هم يقاتلون الثائرين عليه.
وقد أهدر هذا قيمة أساسية للحزب الذي كان يعمل في فضاء الأمة وأفقها الرحيب كمقاوم ضد عدوها اللدود وداعم لأفضل فئة من أبنائها في فلسطين، هذه الأمة وهذا الأفق الذي استهانوا به وأهدروه في لحظة انعدام توازن مظنة إمكان الاستغناء عنه.
كما كان أمينه العام بكاريزمته وزعامته المبهرة؛ أيقونة للنضال والمقاومة قبل هذا التاريخ عند ملايين من أبنائها الذين تظاهروا رافعين صوره في كثير من البلاد العربية والإسلامية، بمعنى أصح لقد رسب الحزب في أول اختبار على المحك الطائفي، بحيث صار بقية المسلمين يتعاملون معه كأحد الكنتونات الطائفية الضيقة، وأعطى لغلاة التكفير ومسعري التحريش بين مكونات الأمة أداة لا مثيل لها في حرف بوصلة العداء عن الحلف الصهيوصليبي المجرم.
ما حدث هو خطأ استراتيجي وجريمة إنسانية وتاريخية ودينية بكل المقاييس، لم تجني منه إيران والحزب أي شيء، ومازالت تعاني من توابعه الفادحة اليوم، بل وتعاني منه المنطقة أجمعها.
في رأيي المتواضع لابد من اعتراف إيران بهذا الخطأ، والاعتذار عنه، والتراجع عن الأسس التي قام عليها، كنقطة تصحيح ضرورية قبل الحديث عن أي شيء آخر، ولا يعني هذا أن تدمير إيران أو انحيازها للمعسكر الصهيوأمريكي هو خيار مقبول أو مطروح إلا عند أنصار ذاك المعسكر والأنظمة التي يدورون في فلكها وأغلبهم من المستترين بنفس الثوب الطائفي الإقصائي.




