إن أي دارس للعلوم الاجتماعية ومدقق في أحوال الشعوب والأمم؛ ليلتفت إلى أن ما يحدث في مصر هذه الأيام -ومنذ سنوات- هو حالة من القلق الاجتماعي.
نعم هناك حالة قلق ثقافي وضياع هوياتي تؤدي بالمجتمع كله إلى التلوي ألماً والصراخ، فصمت المثقفين والنخب -أو ما تبقى منهم- هو حالة من الأنين المكتوم، إذ المثقف والمفكر لا يصرخ كصراخ العامة، وإنما كأنين المحموم.
وإن حالات الإجرام الفجة وحالات انتهاك الشرف والتعدي على الأعراض، وجرائم البلطجة وسفك الدماء، والسرقات الصغيرة منها والكبيرة، ومذيعة تتزعم عصابة لأكبر شبكة جريمة منظمة عابرة للحدود، وقاض يذبح زوجته ويذيب جثمانها، وضابط يقتل أسرته عن بكرة أبيها ذلك أنه حاول الانتحار أيضاً؛ هي كلها ترجمة لحالة التردي الحضاري والتهتك الديني.
كما أن التعدي على المقدسات وتجاوز المحرمات علناً، وتهريج الشيوخ وتبني الخرافة، وإشاعة الفوضى الدينية، والفتاوى الممولة، واسترجال النساء، وفشو النسوية والنشوز، وتبرير الإجرام واعتباره حالة نفسية، وتوترات عصبية طبيعية، ومعاذير قانونية وشرعية لأصحابها، مع بشاعة النسخة الجديدة للجريمة، والجيل الجديد من المجرمين، مثل غلام الدارك ويب الذي مثل بخمسين جثة كان ضالعاً في قتلها بأبشع صورة، ثم لم يفهم صانع الدراما من ذلك إلا أنها فرصة مواتية للنيل من المتدينين وأهل الدين، رغم أنه لا علاقة لهم بالحدث أصلاً!
ومخطئ من يظن أن هذا الشعب بجحافله الهائلة يعاني الفقر فقط، بل إدراكه الحقيقي أن هذا الإفقار جاء متعمداً بفعل فاعل وليس عفويا، ويؤلم الأمم العظيمة -أو تلك التي كانت كذلك يوماً ما- إهدار قيمتها وإهانة كرامتها، وضياع مقدراتها وتطاول الأقزام عليها، ليس الفقر إذاً هو سبب تلك الحالة من العجز والمرض، وإنما القهر أيضاً بين سحق كرامة الإنسان وترهيبه بالإجرام والتنكيل، وبين إدراك الخطر من أعدائه الحقيقيين، أولئك الذين يعطشونه في الجنوب وبحاصرونه في الشمال، ويسجنونه في المعتقلات ويهددونه بالسلاح، نفس السلاح الذي اشتروه بأمواله كما يفترض به أن يحميه لا أن يقتله!
كما أن انتقاد السلطة والتجرؤ عليها وسب الحكومة والنظام والعجل القابع على رأس السلطة، واقتحام بعض مقرات أمن النظام واحتجاز الفئران فيه تلك التي صالت بالأمس صولة الأسد، وظهور جيل شاب ومجموعات عشوائية لا تحسب العواقب ولا تفكر في النتائج، وهم مستعدون للذهاب إلى أبعد نقطة في عداء النظام؛ كل هذه علامات وأعراض نشأت عن ارتفاع حرارة هذا الوطن المريض واقترابها من الغليان.
إن المجتمع الذي يعاني من كل هذه الظواهر هو شعب لم يمت بل بقي فيه رمق الحياة، فإن الميت لا يتألم ولا يتململ ولا يصيح، إن هذه العلامات وتلك الأعراض لهي نذير بقرب حركة المجتمع ربما في الاتجاه الخاطئ أو الصحيح، لا يستطيع أحد أن يقرر ذلك أو يتوقعه، وإنما تحكم عليه الأحداث وتحدده في الوقت المناسب.


