إنه يومٌ أسود في حياة إسرائيل، يومُ فوز ممداني. ليست هذه وجهة نظرٍ يعرضها كاتبُ المقال، وإنما هي صرخةٌ صرَّح بها السفير الإسرائيلي السابق لدى الأمم المتحدة والولايات المتحدة، جلعاد إردان، بأنه يومٌ أسود في حياة إسرائيل، متحدثًا عن فوز ممداني. وما كان هذا اليوم ليأتي لولا طوفان الأقصى، الذي لم يكن طوفانًا على المستوى المحلي في غزة وفلسطين فحسب، بل كان طوفانًا مؤثرًا على المستوى الإقليمي في دول الجوار.
ولعل الأثر الأبرز هو ما حدث في سوريا، فقد قامت على إثره دولةٌ سورية جديدة وانتهى النظام العلوي، وامتد الطوفان كذلك في لبنان فيما حدث مع حزب الله، وكان للطوفان أثره في العالم العربي والدول المحيطة بفلسطين، وامتد ليغزو العالم ويحطِّم سدودَ أفكارٍ وقناعاتِ شعوب. هكذا كان طوفان الأقصى، بل امتد الطوفان ليصل إلى مدى لم يكن أحدٌ يتوقعه أو يتخيله، حتى وصل إلى إسرائيل فحطم حلمَها في التمدد والتطبيع، كما هدد وجودَها حين انطلقت موجاتُ الهجرة منها.
واليوم، وصل الطوفان وبلغ مداه في أمريكا، الراعي الرسمي للكيان الصهيوني. فمن كان يتخيل أن (نتنياهو) صار ممنوعًا من دخول نيويورك، وأنه لو وصل إليها يُعتقل بتهمة ارتكابه جرائمَ حرب؟ من كان يتخيل أن يفوز مسلمٌ بمنصب عمدة نيويورك؟
ليس المقال بصدد تقييم أيديولوجية ممداني، ولسنا مع ممداني ولا نُهلِّل له على طول الخط، فهو كما يُشاع عنه يساريٌّ أو شيوعي، ويُشاع عنه أنه يؤيد التحوُّل الجنسي والمثلية. صحَّ ذلك عنه أو كان دعايةً انتخابيةً مضادة، فليس هذا مدار الحديث، وإنما الحديث عن ذلك الطوفان الذي استطاع أن يغيِّر الوعي الأمريكي، فما كان مثل ممداني ليصل إلى هذا المنصب الخطير لولا التأثير الذي أحدثه طوفان الأقصى في الوعي الجمعي الأمريكي.
إن فوز زهران ممداني، الشاب المسلم الشيعي المهاجر من أصولٍ إفريقيةٍ هندية، والذي اعتُقل قبل أربعة أعوامٍ في مظاهراتٍ بأمريكا، وهو كما ذكر الدكتور محمود خليل، ابنُ البروفيسور محمود ممداني الهندي الأوغندي المسلم، أستاذُ العلوم السياسية بجامعة كولومبيا، وصاحب كتاب «المسلم الصالح والمسلم الطالح: أمريكا وصناعة الحرب الباردة وجذور الإرهاب» (ترجمة حلمي شعراوي)، الذي بسط فيه كثيرًا من تفاصيل أمريكا وسياساتها.
فحين يصبح ممداني الابنُ عمدةً لنيويورك، في وسطٍ يهوديٍّ مسيحيٍّ غربيٍّ يكيل العداء للإسلام والمسلمين، فهو أمرٌ غايةٌ في الغرابة، وهو تابعٌ من توابع الطوفان وتحولٌ في ضمير الجيل الجديد، فقد رأى هذا الجيلُ الشبابيُّ الأمريكي من حوله فظائعَ لا تنتهي، كما رأى غطرسةَ ترامب ودكتاتوريتَه ودعمَه للظلم الواقع على أبناء غزة بعد الطوفان، وكيف أنه لا يكيل بمكيالين، بل يصرح بأنه يكيل بمكيالٍ واحدٍ دائمًا لصالح الكيان الصهيوني.
فجاء فوز ممداني ليترجم شعورَ الغضب الذي يحمله جيلٌ جديدٌ من الأمريكيين تجاه الكيان الصهيوني، وأصبح هذا الفوز بقعةَ ضوءٍ تُضيء هذا الواقعَ الظلامي الذي أراد ترامب أن يفرضه على أمريكا والعالم ببلطجته السياسية، وبارقةَ أملٍ تسطع من خلال تنامي وعي الشعوب تجاه القضية الفلسطينية في العالم أجمع، وفي أرض ملعب الصهيونية وعقر دارها.
وليدرك القارئ حجمَ ما يمثله هذا الحدثُ على الصهاينة، فهذا ما نقلته (CNN) من ردود فعلٍ عنيفةٍ من سياسيين يمينيين، إلى جانب دعواتٍ لتهجير الجالية اليهودية في نيويورك إلى إسرائيل. فقد أصدر وزيرُ الأمن القومي اليميني المتشدد، إيتامار بن غفير، بيانًا وصف فيه انتخاب ممداني بأنه «عارٌ سيُخلَّد في الذاكرة»، متهمًا العمدةَ الجديد بأنه «مؤيدٌ لحماس، ومعادٍ للسامية، وعدوٌّ لإسرائيل».
وبالمثل، أعرب السفيرُ الإسرائيلي السابق لدى الأمم المتحدة والولايات المتحدة، جلعاد إردان، عن أسفه للنتيجة، وكتب في تدوينةٍ على منصة (إكس) -تويتر سابقًا- أن «كارهًا لإسرائيل، ينظر إلينا كدولة إبادةٍ جماعيةٍ تمارس الفصل العنصري، يقود الآن أهم مدينةٍ في العالم، موطنًا لأكبر عددٍ من السكان اليهود خارج إسرائيل». وأضاف إردان أنه «يومٌ أسود» لمن يُدركون «الأهمية البالغة للتحالف مع الولايات المتحدة»، وحذّر من أن «ما حدث في نيويورك قد يحدث قريبًا في جميع أنحاء الولايات المتحدة، بما في ذلك في الكونغرس وحتى البيت الأبيض».
وكتب وزيرُ الدفاع والخارجية الإسرائيلي السابق، أفيغدور ليبرمان، على منصة (إكس): «لقد سقطت نيويورك»، واصفًا ممداني بأنه «رمز الجهاد الصامت»، ومعتبرًا التصويتَ «دعوةً قويةً لإيقاظ يهود نيويورك الذين يعشقون الحياة، للانتقال إلى حيث ينتمون – أرض إسرائيل».
هذه صرخاتُ الصهاينة التي تُظهر مدى توجُّعهم من هذا الحدث الكبير، ولا زالت توابعُ الطوفان تظهر لتؤكد أن غزة الصامدة قد انتصرت، وأثرت في العالم، وغيّرت في أفكاره وقناعاته. وهذا تغييرٌ آخر، فقد أفادت شبكة «فوكس نيوز» الأمريكية بأن غزالة هاشمي، عضوة مجلس الشيوخ عن الحزب الديمقراطي، أصبحت أولَ مسلمةٍ تتولى منصب نائبةِ حاكم ولاية فرجينيا، وهي سيدةٌ كانت قد وجَّهت انتقاداتٍ حادةً للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، معتبرةً أن ولايته الثانية ستكون «أسوأ من الأولى»، لأنه «أحاط نفسه بالأشرار»، بحسب ما نقلته صحيفة «أنانديل توداي».
إنها تغيُّراتٌ كبيرةٌ في الوعي الأمريكي، ولعل ما نراه في الغد من آثار الطوفان أجملُ وأفضل،
{وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}.







