من الهدي الرباني:
(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإذا أراد الله بقوم سوءًا فلا مرد له)
وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة؛ إن أخذه أليم شديد)
(وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم، ثم لا يكونوا أمثالكم)
والعاقبة للمتقين
وقال صلى الله عليه وسلم:
(لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالهم أو خذلهم؛ حتى يأتي أمر الله تعالى، وهم على ذلك)
الإهداء:
إلى الذين قتلوا ظلمًا بأيدي صهاينة الخارج أو صهاينة الداخل
إلى الذين استشهدوا بأيدي جلادي الخارج أو الداخل
أبشروا (وما كان الله ليضيع إيمانكم)
(ولن يتركم أعمالكم)
مقدمة وجيعة:
هذه قراءة للواقع، دون مبالغة، ولا تيئيس، ولا تبسيط، ولا إرضاء لعاطفة ساذجة، تريد أن تمرر الأمور، دون أن تتعمق فيها لتصحو على دين يُنقض، أو رأس تقطع، أو عرض يستباح، أو كرامة تخنق، أو حرة تشنق، أو قطعة تسرق.. وما علينا إلا البلاغ المبين!
لو تأملت قارئي العزيز المناطق الملونة بالأحمر لتأكدت أنها هي بلاد العالم الإسلامي التي خطط الغرب لتدميرها، وقلبها رأسًا على عقب، والملونة باللون البرتقالي هي المرشحة التالية للتدمير، أو التغيير، أو التقسيم.. قل ما شئت، بحجج كثيرة مفتعلة: أمن إسرائيل/ أسلحة الدمار الشامل/ القاعدة/ داعش/ الإرهاب/ بوكو حرام/ السلفية الجهادية/ الإخوان….إلخ.
المبررات كثيرة، والنتيجة واحدة: حرب صليبية علنية، مهمتها التدمير الكامل لكل البلاد، بحيث لا تنهض ولو بعد خمسين سنة، وذلك عن طريق:
▪ إعادة رسم الخارطة العقدية بتدمير أهل السنة في العالم العربي، وإقامة كيانات شيعية رافضية عديدة، ورفع الروافض، والمذاهب الهدامة الأخرى، والتمهيد لدولة نصرانية أرثوذكسية كبيرة في مصر، وتسريع إعلان الدولة الصهيونية من النيل للفرات!
▪ إعادة رسم الخارطة العرقية، بإقامة كيانات عربية، وكردية، ونوبية، وأفريقية، وأمازيغية، وغيرها.
▪ تفتيت الدول الكبيرة إلى كيانات أصغر، وهذا منشور علنًا من سنين، بتقسيم الجزيرة العربية، والعراق وسورية، ومصر، والسودان، وغيرها.
▪ التوطئة الواضحة لـ هدم الأقصى، وإقامة الهيكل، وتمحيض أرض فلسطين لليهود.
▪ تدمير المساجد، والمدارس، والجامعات، والمستشفيات، والطرق، والمرافق العامة، والمباني، وقتل أكبر عدد ممكن من البشر، وتشريد المتبقين، وتفريقهم أيادي سبأ، بحيث لا يكون للبلاد قوة اقتصادية ولا عسكرية، ولا علمية، ولا دينية، ولا حضارية، ولا حاضر ولا مستقبل!
ولو تأملت كم الفساد السياسي، والخيانات، وسقوط أقنعة الخونة، وتجار الأوطان، وسماسرة السلاح، وفجرة الإعلام، ولعبة الأحزاب الكرتونية – على مستوى الأمة – لعلمت كيف خطط أعداء الأمة من عقود بعيدة، وكيف نجحوا بالتخطيط، واستخدام الخونة، والمرتشين، والانتهازيين.
ولو تأملت كيف تصرف الفراعين الجدد بعد الخمسينيات في العالم الثالث، ثم كيف فعلوا بعد تهديد كراسيهم في سوريا والعراق ومصر وليبيا والسودان وتونس وغيرها، لرأيت إلى أين تسير الأمم
وفق سياسات الذين يخربون بيوت قومهم بأيديهم وتواطئهم!
ولو تأملت كم الجوع والفقر والقهر والخوف في بلاد المسلمين لرأيت حجم الجناية على الإنسان المسلم السني، وحياته، وعقيدته، ومستقبله دنيا وأخرى.
ولو رأيت خيانات المؤسسات الدينية والإعلامية والثقافية والفنية في العالم العربي لتأكدت أن أعداء الأمة كانوا يدقون المسامير في نعش الأمة من زمن بعيد، في غفلة عن الأحرار والشرفاء وأهل الغيرة والمروءة، وبمواطأة أهل الخيانة والفساد في الداخل.
ولو رأيت صلف الباطل، وانتفاشه، وتجبر فراعين الخارج، وجرأتهم على التصريح بمخططاتهم دون مواربة لعلمت كم بلغت تفاهة حجم هذه الأمة وهوانها.
فما المنتظر في المرحلة القادمة لأمة يستمتع اللصوص والقتلة والقوادون في سحب دمائها، وتقطيع عروقها، وإزهاق روحها، وأبناؤها بين مصفق لقاتليه، ومهيئٍ للذبح عنقَ أخيه، ومرشدٍ يدل على عورات أهليه، وفاسدٍ لا يبالي بهتك عرض أخواته وجاراته ومن يليه!؟
وهل هذا نذير بنهاية ما يسمى بالأمة العربية، وتهاويها؛ رخيصة، بأيدي أعدائها وأيدي بنيها؟!
وهل هذا وارد في سنن الله التي لا تحابي، ولا تجامل؟!
ولم لا؟ ألم تسقط دول إسلامية كثيرة من قبل؟ فلماذا لا تسقط هذه؟ ألم تسقط الأندلس، وتسقط جمهوريات في آسيا الوسطى وأوربا الشرقية عقودًا طويلة؟
ألم تكفر روسيا الحقود الجمهوريات الإسلامية سبعين سنة؟ وتكفر ألبانيا مثلها؟ ألم يكفر تيتو منطقة البلقان؟
ألم تكفَّر دول كثيرة في أفريقيا كانت تكتب بالحرف العربي، وتدين بالإسلام، فتقلص مسلموها من مائة بالمائة إلى خمسة وعشرة بالمائة؟
فلماذا لا يحصل ذلك في هذه المنطقة التعيسة، التي فقدت مقومات النهوض: دينيًّا، وأخلاقّيًّا، وحضاريًّا!؟
لست متشائمًا، ولكنني أعلم أن سنن الله تعالى لا تحابي، وأن الأمة إذا باعت دينها وقيمها، وخانت نفسها، كانت غير جديرة بالبقاء! فتعالوا نر ماذا قال ربنا تبارك وتعالى في ذلك!
2014
مسلَّمات وفرضيات:
في مدخل هذه الدراسة القرآنية لسقوط الأمم، دعني قارئي الحبيب أضع بعض المسلمات والفرضيات، لعلك تقبلها مني؛ ثم أبني عليها ما سيلي:
أ- المسلَّمات:
أقصد بالمسلمات: البديهيات التي لا تقبل الجدل، أو الحقائق المقررة، التي لا تحتاج إلى إقناعٍ؛ بسب مصدريتها، أو وضوحها الشديد.
▪ أن الفساد في العالم الإسلامي ضرب أطنابه، وعشش، وباض، وفرخ: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ؛ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ، لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون* قُلْ: سِيرُوا فِي الْأَرْضِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ، كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِين* فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ؛ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ؛ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ) الروم 41-43.
▪ أن ما بنا من بلاء ونوازل شديدة إنما هو بسبب من ذنوبنا، ومعاصينا الظاهرة، والبعد عن منهج الله تبارك وتعالى، الذي قال لنا: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم، ويعفو عن كثير* وما أنتم بمعجزين في الأرض، وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (الشورى:30-31. ومما ينسب لسيدنا العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه: (ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة).
▪ أن الله تعالى لا يغير ما بقوم من النعمة والعافية ما لم يبدلوا نعمة الله كفرًا، وطاعة الله هُجرًا، وشكر الله أشرًا وبطرًا: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) الرعد:11..
▪ كتب الله تعالى على الجيل الكنود، المنبطح، الموالي، المحاد لله ورسوله أن يستبدل الله تعالى به
غيره؛ إذ يقول ربي تبارك وتعالى: (وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم، ثم لا يكونوا أمثالكم (محمد:38) ويقول تبارك وتعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ، يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ؛ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ، وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) المائدة:54.
▪ يستحيل أن تكون الأمة كلها فاسدة، لكن العبرة بالكثرة، فإذا كان الفساد غالبًا فيها، هلكوا جميعًا: يقول تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) الأنفال:25، وفي البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أم المؤمنين زينب رضي الله تعالى عنها التي سألت النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ دخل عليها فَزِعًا يقولُ: يا رسولَ اللهِ: أنهلِكُ وفينا الصالحون؟ قال: (نعم، إذا كَثُرَ الخَبث)!
▪ هناك أمم عمياء تحب الذنب والقهر، وتعنو للفراعنة وتسبح بحمدهم: كمصريي فرعون الذين قال لهم الغبي إنه الله – تعالى – فسجدوا له وعبدوه: (فاستخف قومه فأطاعوه، إنهم كانوا قومًا فاسقين) الزخرف:54.
▪ وهناك أمم عمياء تحب الانحراف والفساد، وتحيد عمدًا عن دين رب العباد: كالذين استحبوا الكفر على الإيمان: (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى) فصلت:17/
ومن عماها لا ترى الحق حقًّا وإن كان أمام عينيها: (فلما رأوه عارضًا مستقبل أوديتهم؛ قالوا: هذا عارض ممطرنا؛ بل هو ما استعجلتم به: ريح فيها عذاب أليم* تدمر كل شيء بأمر ربها..) الأحقاف:24-25..
ومن عماها تحب المعصية وتستبيحها جهرة: (قالوا: ما لنا في بناتك من حق، وإنك لتعلم ما نريد) هود:79..
▪ وحق على من كان كذلك من الأمم، أن يدمرها الله تعالى: (وما هي من الظالمين ببعيد) هود:83، (أمَّرنا مترفيها، ففسقوا فيها، فحق عليها القول، فدمرناها تدميرًا) الإسراء:16.
▪ أن التقوى عاصمة من بطش الله تعالى، جالبة لرحماته وخيراته: يقول تبارك وتعالى: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض) الأعراف:96.
▪ أن طائفة من أهل الحق ستبقى ظاهرة محيية للدين ليوم الدين، لا تبالي إن تجمعت الدنيا كلها عليها، ولا تخاف إلا ربها رب العالمين، ففي البخاري عن سيدي المغيرة عن سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزالُ طائفةٌ من أُمَّتِي ظاهرين، حتى يأتيَهم أمرُ اللهِ وهم ظاهرونَ)! ونصه في مسلم، عن سيدي ثوبان رضي الله تعالى عنه يقول سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي ظاهرينَ علَى الحق، لا يضرهم من خذلَهُم، حتَّى يأتيَ أمرُ اللَّهِ وَهُم كذلِكَ)!
ب: الفرضيات:
أقصد بالفرضيات: الآراء التي أسوقها جدلًا لمناقشتها، ومحاولة إثباتها؛ من خلال الاستنارة بآرائكم، وتعقيباتكم.
▪ هناك نوع من تكالب الأمم علينا، لا يخفى، توضحه الخارطة السابقة، فقد جمع حلف الناتو NATO قواه، تقوده أميركا وإسرائيل، في حرب صليبية واضحة – ولو لم نملك الجرأة لقول ذلك – للإجهاز على أمة لم يتمكن الغرب من الإجهاز عليها خلال خمسة عشر قرنًا، وقد قال سيدي المصطفى صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح سنن أبي داود وغيره عن سيدي ثوبان رضي الله تعالى عنه: (يُوشِكُ الأممُ أن تداعَى عليكم كما تداعَى الأكَلةُ إلى قصعتِها)! فقال قائلٌ: ومن قلَّةٍ نحن يومئذٍ؟ قال: (بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنَّكم غُثاءٌ كغُثاءُ السَّيلِ، ولينزِعنَّ اللهُ من صدورِ عدوِّكم المهابةَ منكم، وليقذِفَنَّ اللهُ في قلوبِكم الوهْنَ). فقال قائلٌ: يا رسولَ اللهِ! وما الوهْنُ؟ قال صلى الله عليه وسلم: (حُبُّ الدُّنيا وكراهيةُ الموتِ)!
ولا يخفى تداعي الناتو الأميركي الصهيوني مع روسيا والصين، والأنظمة الخائنة، وكارهي الإسلام من الداخل العميل!
▪ المستهدف الإسلام السني: فهناك دعم غربي للتمدد الرافضي حول العالم على حساب العقيدة السنية، وإيران تستخدم مال بترولها، وتواطؤ مناطق بترولية أخرى معها، في التوسع، وشراء إعلاميين و(مسقفين) وفنانين، ومشايخ زور، وصوفية، وعوام مرتزقة، لدعم مشروعها الرافضي الكبير، بجانب دعم النحل المنحرفة: الصوفية الغالية، والعلويين، والدروز، والبهائيين والقاديانيين.. إلخ.
▪ هناك نوع من الإحياء الأصولي الغربي، وظهور تيارات دينية غربية عنيفة، لا تعرف من الإسلام إلا أنه عدو للحضارة، وللنصرانية، وأن عليهم أن يهيئوا لعودة المسيح الأخيرة، وأن يقيموا الهيكل! يقود هذه التيارات عدد من الساسة والقساوسة المتطرفين، والحاخامات الصهاينة، ومجموعات الضغط في أوربا وأميركا.
▪ يتم التهيئة في المنطقة لإعلان إسرائيل الكبرى خلال بضع سنين من النيل للفرات، بإشراف أميركي غربي إسرائيلي عربئيلي، وسيسقط الأقصى، ويقام الهيكل، بعد إسقاط العراق وسوريا ومصر، وإتمام خنق غزة، وسيفرح العالم الأصولي الغربي بقرب ما يسمونه عودة المسيح الثانية، وسيرقص الإعلام العربي مبتهجًا، ويلبس القساوسة المحليون البياض، وسيواجه كل معترض بالاستئصال والإبادة.
▪ سيتم تقسيم المنطقة حول إسرائيل لدويلات؛ على أساس ديني وعرقي وفق مخطط برنارد لويسَ المعلن من سنين.
▪ إن لم تفق الأمة فإنها معرضة لاستئصال واسع: قد يكلفها عقودًا من الزمن، وأجيالًا من البشر، وتريليونات من الأموال، وجهودًا مضنية لاستعادة بعض ما كانت عليه، كما أن الشقة بينها وبين الحضارة المعاصرة ستزداد وتتعمق، لتعجز بعد ذلك عن اللحاق بها،
▪ يتقن القوم فن استحداث المبررات لإقناع العالم بشرعية تحركاتهم، وتبرير جرائمهم الشاملة، واستخدام كل الأسلحة المادية والمعنوية، للوصول إلى مبتغاهم! وهم الذين استحدثوا فزاعات: الشرعية الدولية/ أسلحة الدمار الشامل/ التطرف الإسلامي، ليقولوا – للغربيين خصوصًا – إنهم محقون في ضرب أولئكم.
▪ يتقن القوم صناعة كيانات مشبوهة، يبنون على تضخيم أثرها تصرفاتهم: القاعدة، وداعش، وبوكو حرام، والسلفية الجهادية، وفزاعة الإخوان الوهمية… إلخ!
فقه الموضوع:
▪ الله تعالى أمرنا أن نتأمل سننه في الأمم والحضارات، وأسباب قيامها وسقوطها:
يقول تبارك وتعالى: (قد خلت من قبلكم سنن، فسيروا في الأرض، فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين* هذا بيان للناس، وهدى، وموعظة للمتقين) آل عمران 137-138.
ويقول عز من قائل: (أفلم يسيروا في الأرض، فتكون لهم قلوب يعقلون بها، أو آذان يسمعون بها؟ فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) الحج:46.
ويقول سبحانه وتعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ* إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ* الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ* وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ* وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ* الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ* فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ* فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ) الفجر:60-13.
▪ الله تعالى لا يظلم:
تعالى ربنا عز وجل عن الظلم وأسبابه: وهو سبحانه القائل: (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون) هود:117، وقال تبارك وتعالى عن الظلم: (إن الله لا يظلم الناس شيئًا؛ ولكن الناس أنفسهم يظلمون) يونس:44.
وفي مسلم وغيره عن سيدي أبي ذر رضي الله عنه، عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فيما روى عن اللهِ تبارك وتعالى أنَّهُ قال: (يا عبادي! إني حرَّمتُ الظلمَ على نفسي وجعلتُه بينكم محرَّمًا؛ فلا تظَّالموا…).
▪ الله تعالى لا يغير من حالٍ حسنى لحالٍ سوأى إلا إذا تغيرت قلوب الأمة:
يقول الله تبارك وتعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ؛ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) الأنفال:53.
ويقول سبحانه: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) الرعد:11.
▪ الأمة معرضة للخطر حتمًا، بنص القرآن والسنة:
يقول الله تعالى: (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ) البقرة:217،
وفي صحيح سنن أبي داود عن سيدي ثوبان رضي الله عنه مرفوعًا: (يُوشِكُ الأممُ أن تداعَى عليكم كما تداعَى الأكَلةُ إلى قصعتِها). فقال قائلٌ: ومن قلَّةٍ نحن يومئذٍ ؟ قال: (بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنَّكم غُثاءٌ كغُثاءُ السَّيلِ، ولينزِعنَّ اللهُ من صدورِ عدوِّكم المهابةَ منكم، وليقذِفَنَّ اللهُ في قلوبِكم الوهْنَ). فقال قائلٌ: يا رسولَ اللهِ! وما الوهْنُ؟ قال: (حُبُّ الدُّنيا وكراهيةُ الموتِ)!
▪ الأمة مرشحة للزوال، واستخلاف غيرها، إذا استمرت على ما هي عليه:
وفي هذا المعنى يقول ربي سبحانه: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ، يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ، ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) المائدة:54،
ويقول عز من قائل: (وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) محمد:38.
▪ هل يمكن أن تهلك الأمة وفيها دعاة وأناس صالحون؟
في صحيح مسلم عن أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أنهلِك وفينا الصالحون؟ قال: (نعم، إذا كثُر الخبثُ)!
وفي صحيح الجامع، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعًا: (إنَّ اللهَ تعالى إذا أنزل سَطوتَه على أهل نِقمتِه، فوافَتْ آجالَ قومٍ صالحين، فأُهلِكو بهلاكهم، ثم يُبعثُون على نيَّاتهم وأعمالِهم).
وفي صحيح الجامع، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعًا: (يغزو جيشٌ الكعبةَ، فإذا كانوا ببيداءَ من الأرضِ يُخسفُ بأوَّلِهم وآخرِهم). قالت: قلت: يا رسولَ اللهِ، كيفَ يُخسفُ بأولِهم وآخرِهم، وفيهم أسواقُهم، ومن ليس منهم؟ قال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (يُخسفُ بأولِهم وآخرِهم، ثم يُبعثون على نيَّاتِهم)!
▪ هل تهلك أمة محمد صلى الله عليه وسلم عن آخرها؟
لقد أعطى الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم ألا تفنى الأمة كلها، ولكن تبتلى كلها؛ ففي عارضة الأحوذي، بسند حسن صحيح، عن سيدي خباب رضي الله تعالى عنه قال: صلَّى رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صلاةً فأطالَه، فقالُوا: يا رسولَ اللَّهِ: صلَّيتَ صلاةً لم تَكن تصلِّيها!
قال: (أجَل إنَّها صَلاةُ رغبةٍ ورَهبةٍ؛ إنِّي سألتُ اللَّهَ فِيها ثلاثًا، فأعطاني اثنتينِ، ومنَعني واحدَةً: سألتُه ألا يُهلِكَ أمَّتي بسَنةٍ فأعطانيها، وسألتُه ألا يسلِّطَ عليهم عدوًّا من غيرِهِم فأعطانِيها، وسألتُه ألا يذيقَ بعضَهم بأسَ بعضٍ فمنَعَنيها)!
وسيستمر اللدد والخصومة حتى قيام الساعة، ففي صحيح مسلم عن سيدي يسير بن جابر قال: هاجت ريحٌ حمراءُ بالكوفةِ، فجاء رجلٌ ليس له هجيري إلا: يا عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ: جاءت الساعةُ، قال فقعد – وكان مُتَّكئًا – فقال: إنَّ الساعةَ لا تقومُ حتى لا يُقسَمَ ميراثٌ، ولا يُفرح بغنيمةٍ. ثم قال بيده هكذا (ونحاها نحو الشامِ) فقال: عدوٌّ يجمعون لأهل الإسلامِ، ويجمع لهم أهلُ
الإسلامِ. قلتُ: الرومَ تعني؟ قال: نعم. وتكون عند ذاكم القتالِ رِدَّةٌ شديدةٌ.
فيشترطُ المسلمون شُرطةً للموتِ لا ترجعُ إلا غالبةً، فيقتتِلون حتى يحجزَ بينهم الليلُ. فيفيءُ هؤلاءِ وهؤلاءِ؛ كلٌّ غيرُ غالب، وتَفنى الشرطةُ!
ثم يشترطُ المسلمون شرطةً للموت لا ترجع إلا غالبةً، فيقتَتِلون حتى يحجزَ بينهم الليلِ، فيفيءُ هؤلاءِ وهؤلاءِ، كلُّ غيرُ غالبٍ، وتَفنى الشُّرطةُ!
ثم يشترطُ المسلمون شُرطةً للموتِ، لا ترجعُ إلا غالبةً. فيقتَتِلون حتى يُمسوا، فيفيءُ هؤلاءِ وهؤلاءِ كلٌّ غيرُ غالبٍ، وتَفنى الشُّرطةُ!
فإذا كان يومُ الرابعِ نهَدَ إليهم بقِيَّةُ أهلِ الإسلامِ، فيجعل اللهُ الدَّبرةَ عليهم. فيقتلون مَقتلةً – إما قال لا يُرى مثلُها، وإما قال لم يُرَ مثلُها – حتى إنَّ الطائرَ ليمرُّ بجنباتِهم، فما يُخلِّفُهم حتى يخرَّ ميتًا، فيتعادَّ بنو الأبِ، كانوا مائةً، فلا يجِدونه بقي منهم إلا الرجلُ الواحدُ! فبأي غنيمةٍ يفرح؟ أو أيِّ ميراثٍ يقاسمُ؟ الحديث!







