الأربعاء أبريل 24, 2024
بحوث ودراسات

طوفان الأقصى نموذجاً…

د. وليد عبد الحي يكتب: وزن الشؤون الخارجية في الانتخابات الرئاسية الأمريكية

مقدمة:

تمثل الانتخابات الرئاسية الأمريكية في كلّ أربعة أعوام موضع اهتمام عالمي نظراً للوزن الكبير للولايات المتحدة في الشأن الدولي، ولكن الإشكالية التي تستحق التأمل هي تحديد وزن الشؤون الخارجية (النزاعات الدولية، والاقتصاد العالمي، وتوجهات الرأي العالمي، والعلاقة مع القوى الدولية الكبرى، ومواقف المنظمات الدولية، والقانون الدولي…إلخ) في توجهات الناخب الأمريكي عند انتخاب الرئيس.

ويبدو أن الأدبيات السياسية العربية تولي الشأن الدولي وزناً أكبر من الواقع في تحديد الرئيس الأوفر حظاً في الانتخابات من ناحية، وعند تحليلها لسياسات الرئيس في العام الذي تجري فيه الانتخابات من ناحية ثانية، وهو أمر يستوجب التنبه له عند التخطيط لإدارة العلاقات مع الولايات المتحدة، ناهيك عن ضرورة إدراك الفروق في وزن الشأن الخارجي بين الديموقراطيين والجمهوريين كما سنوضح لاحقاً، إلى جانب أهمية تلمس القيود التي يفرضها الدستور الأمريكي على الرئيس في إدارته للشأن الخارجي، وهو ما تجسَّد في الأدبيات السياسية الأمريكية في منظورَين هما منظور ألكسندر هاميلتون Alexander Hamilton الذي يقوم على أن الرئيس هو المقرر الرئيسي للسياسة الخارجية، ومنظور جايمس ماديسون James Madison الذي يجعل من الكونجرس Congress صاحب القول الفصل في السياسة الخارجية.

وسنسعى في هذه الدراسة إلى مناقشة وزن الشأن الخارجي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية في تحديد الفائز في الانتخابات، مع تطبيق ما نذكره بشكل كاف على موضوع «طوفان الأقصى».

أولاً: مؤشرات نماذج التنبؤ بالانتخابات الرئاسية الأمريكية:

عند استعراض قدر وافر من نماذج التنبؤ بالانتخابات الرئاسية الأمريكية (مثل نموذج ري فير Ray Fair، أو نموذج آلان ليكتمان Alan lichtman، أو نموذج إبراموفيتش وكامبل أو نموذج وينك Abramowitz and Campbell/ Wink models، أو نموذج كريستوفر وليزين وروبرت إريكسون Christopher Wlezien and Robert Erikson، أو مايكل لويس-بيك وتشارلز تين Michael Lewis-Beck and Charles Tien…إلخ)، يتبين لنا أن هناك توافقاً واضحاً بين هذه النماذج عند تحديد المؤشرات الأكبر وزناً في توجهات الناخب الأمريكي على النحو التالي: في «جميع» النماذج التي اطلعنا عليها، يتبين أن المتغير الأكثر وزناً في تحديد سلوك الناخب الأمريكي في الانتخابات الرئاسية هو المتغير الاقتصادي الداخلي (وتتمثل مؤشراته الفرعية في معدل الدخل، والضريبة، والأسعار، والتضخم، والفروق الطبقية،..إلخ)، ولا يولي الناخب أهمية كبيرة للوضع الاقتصادي في الفترات القصيرة السابقة على الانتخابات، بل يَنْصبّ على توقعاته المستقبلية لما ستسير عليه الأوضاع الاقتصادية، ولعل ذلك ليس مفصولاً عن النزعة البراجماتية المسيطرة في الثقافة الأمريكية، فالبراجماتية (التي تقوم على أن الفكرة صالحة بمقدار النفع المترتب عليها) تمثل سنام منظومة القيم الأمريكية، وليس موضوع حقوق الإنسان والعدالة والحرية، التي يجري الترويج لها في أدبيات الدعاية للسياسة الخارجية الأمريكية بشكل كبير.

ولعل الخلط بين نظريات العلاقات الدولية (فهم الاتجاهات الاعظم Mega-trends لسلوك مختلف وحدات النظام الدولي، كالدولة وما دون الدولة وما فوق الدولة، ونظريات السياسة الخارجية (أسس اختيار بدائل القرار العملي لدولة معينة)، هو الأمر الذي يستدعي التنبه له خصوصاً في الأدبيات الأمريكية التي تكرس فكرة أن تكون وحدة تحليل السياسة الخارجية هي «الأفعال» لا «الأقوال»، أي أن تحليل السياسة الخارجية للولايات المتحدة يجب أن ينصب على «أفعالها» لا «أدبياتها». وهو ما يعني في حالتنا هذه، ليس تحليل ما يقوله الرئيس الأمريكي في قضية طوفان الأقصى بل ما يفعله.

1- دلت الدراسات العلمية أنه منذ 2010 إلى مطلع 2024، تراوح وزن الشأن الخارجي بين %1-%10 فقط في تحديد اتجاهات التصويت عند الناخب الأمريكي، لكن الملفت للنظر أن وزن هذا المتغير يتزايد في اتجاهه العام نظراً لتماهي المتغيرات الخارجية بالداخلية بفعل آليات العولمة، لكن هذا المتغير ما زال قاصراً عن أن يحتل مركز المتغير الحاكم في تحديد سلوك الناخب، فهو دائماً يأتي في المرتبة الأقل من حيث أهمية تحديد قرار الناخب الأمريكي، بعد عدد غير قليل من الموضوعات الداخلية الأخرى، مثل الوضع الاقتصادي، والجريمة، والبيئة، والحقوق المدنية، وحجم الإدارة الحكومية، والإجهاض، والعنصرية…إلخ،

لكن الضرورة تقتضي التنبه إلى تزايد وزن هذا المؤشر بشكل خطي في العقدين الماضيين، وهو ما أكده الديبلوماسيون الأمريكيون أنفسهم.

والملاحظ أن معركة طوفان الأقصى فرضت نفسها على المناقشات والمواقف داخل المجتمع الأمريكي، وأثّرت على توجهات الطيف السياسي داخل الحزبين الأكثر أهمية كما سنوضح لاحقاً، وهو ما يعزز من أثر التكنولوجيا في «عولمة الخبر وتداعياته»، وجعلته شأناً داخلياً بقدر أكبر مما كان عليه الحال سابقاً، ناهيك عن تزايد وشائج الترابط العضوي بين وحدات المجتمع الدولي.

2- إن قرار الناخب الأمريكي هو نتيجة لصورة تراكمية عن المرشحين وليس نتيجة ظرفية للحظة الانتخاب، أي أن الفكرة السائدة عن المرشح هي الأساس في قرار الناخب، وليس المناظرات والدعاية لحظة الانتخابات، فهذه لم يكن لها طبقاً للدراسات الكمية إلا تأثير هامشي على خيارات الناخب الأمريكي بين المتنافسين على الرئاسة.

3- إن الاعتماد على استطلاعات الرأي في تحديد الفائز لا يدل على نتائج يُطمَأن إليها في التنبؤ، فعند رصد هذه المسألة خلال الانتخابات الرئاسية منذ سنة 1948 (أي بعد الحرب العالمية) إلى سنة 2020، ومقارنة نتائج استطلاعات الرأي ونتائج الانتخابات طيلة هذه الفترة، أظهرت أن الاستطلاعات كانت صحيحة بنسبة تراوح بين 58-60%.

4- تأثير المرشحين المستقلين محدود للغاية في التأثير على النتائج، فمنذ 1832 إلى الآن كان معدل حصول المرشحين المستقلين في 13 انتخابات رئاسية شارك فيها مرشح مستقل هو 5% من الأصوات، مع ملاحظة أن المستقلين يجذبون أصواتهم من الطرفين المتنافسين، مما يجعل تأثيرهم على النتيجة النهائية محدوداً. وتشهد الانتخابات الرئاسية هذا العام وجود مرشحين مستقلين أبرزهم روبرت كينيدي Robert Kennedy، والذي يعد الأكثر انحيازاً لـ«إسرائيل».

5- إن الحملات الانتخابية قد تُقلِّص الفارق بين المتنافسين لكنها لا تقلب النتائج (أي لا تجعل المتقدم يخسر تقدمه لكنها تقلص الفارق بينه وبين ما يليه في المرتبة).

6- تشير المعطيات الكمية إلى أن 22 رئيساً ترشحوا للانتخاب لدورة ثانية، فشل منهم 10 (7 جمهوريين و3 ديموقراطيين)، ونجح 12 (6 لكل حزب من الحزبين)، أي أن نسبة احتمالات فوز الرئيس (جو بايدن Joe Biden) هي 55% طبقاً لهذه القاعدة.

7- شكَّلت الكلية الانتخابية electoral college موضع نقاش كبير في آليات الانتخابات الرئاسية، فالرئيس الأمريكي لا ينتخب مباشرة من الشعب بل من الكلية الانتخابية، ومن بين 58 جولة من الانتخابات الرئاسية في تاريخ الولايات المتحدة فاز 5 رؤساء عبر الكلية الانتخابية، على الرغم من عدم فوزهم في مجموع الأصوات التي حصلوا عليها شعبياً، وهو ما يعني أن نسبة احتمال تغيير الكلية الانتخابية للنتائج هو 6%.

8- ومن الملاحظات التي يجب التنبه لها في الانتخابات الرئاسية الأمريكية أنه منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية بدأ الفارق الكمي في الأصوات في الانتخابات بين المرشحين يتضاءل منذ 1945 الى 2020، كما يتضح في جدول رقم 1.

تراجع الفروق بين المتنافسين في الانتخابات الرئاسية الأمريكية منذ 1945 إلى 2020

 

ويترتب على انحسار الفارق بين الفائز والخاسر جَعْلَ الحراك البسيط في توجهات نسبة محدودة من الرأي العام أمراً قد يغير النتائج كلياً، وهو ما يعطي الشرائح الصغيرة في المجتمع وزناً أكبر، ومن هنا تبدو أهمية تداعيات طوفان الأقصى التي أثّرت على مواقف شرائح معينة في المجتمع الأمريكي، كما سنوضح لاحقاً.

ثانياً: نموذج ليكتمان/ بوروك Lichtman/Borok Model للتنبؤ بالانتخابات الرئاسية:

يعد نموذج أستاذ التاريخ الأمريكي آلان ليكتمان Allan Lichtman، والجيوفيزيائي الروسي فلاديمير كيليس بوروك Vladimir Keilis-Borok، والذي تمّ نشره سنة 1982، النموذج الأبرز في الدراسات المستقبلية المعنية بالانتخابات الرئاسية الأمريكية، فقد نجح هذا النموذج في التنبؤ الصحيح في تسع انتخابات رئاسية منذ 1984 إلى الآن، أما المرة التي أخطأ فيها فكانت أقرب لنصف الخطأ، لأنه كان صحيحاً في التنبؤ بالانتخاب الشعبي لكن التصويت في «الكلية الانتخابية» أفسد النتيجة (وهي المنافسة بين ألبرت أرنولد غور الابن Albert Arnold Gore Jr المعروف بـ«آل غور Al Gore»، وجورج بوش الابن George W. Bush، حيث كان آل غور فائزاً طبقاً للانتخاب العام الشعبي لكن الكلية الانتخابية غيّرت النتيجة، وهو الأمر الذي تكرر سنة 2016 عندما فاز دونالد ترامب Donald Trump بالكلية الانتخابية مقابل فوز هيلاري كلينتون Hillary Clinton بالانتخاب الشعبي، وهو ما تنبأ به نموذج ليكتمان).

ويتألف النموذج من 13 مؤشراً تتم الإجابة عليها بنعم أو لا، ويعتمد الفوز على وجود 5 مؤشرات أو أقل ليست في صالح الحزب الحاكم (حزب الرئيس)،

 

وهذه المؤشرات هي:

1- بعد انتخابات التجديد النصفي لمجلس النواب، يشغل الحزب الحاكم مقاعد في مجلس النواب الأمريكي أكثر مما حصل بعد انتخابات التجديد النصفي السابقة.

2- لا توجد منافسة حادة داخل الحزب الحاكم.

3- مرشح الحزب الحاكم هو الرئيس الحالي.

4- لا يوجد طرف ثالث مهم أو حملة مستقلة.

5- الاقتصاد ليس في حالة ركود خلال الحملة الانتخابية.

6- النمو الاقتصادي الفعلي للفرد خلال فترة التنافس يساوي أو يتجاوز متوسط النمو خلال الفترتين السابقتين.

7- تؤثر الإدارة الحالية على التغييرات الرئيسية في السياسة الوطنية.

8- لا توجد اضطرابات اجتماعية مستمرة خلال الفترة الراهنة.

9- الإدارة الحالية غير ملوثة بفضائح كبرى.

10- لا تعاني الإدارة الحالية من فشل كبير في الشؤون الخارجية أو العسكرية.

11- تحقيق الإدارة الحالية نجاحاً كبيراً في الشؤون الخارجية أو العسكرية.

12- مرشح الحزب الحالي يتمتع بشخصية كاريزمية أو بطل قومي.

13- مرشح الحزب المعارض ليس كاريزمياً أو بطلاً قومياً.

وعند التمعن في مؤشرات النموذج، يتبين لنا أن المؤشرات الـ 13 موزعة على النحو التالي:

5 مؤشرات لها صلة بمؤسسات الدولة.

2 مؤشر اقتصادي.

2 مؤشر اجتماعي.

2 مؤشر في السياسة الخارجية.

2 مؤشر شخصي فردي، مع أن النموذج لا يولي المناظرات بين المرشحين أهمية في تحديد النتائج بمقدار تركيزه على المؤهلات العامة للمترشح.

ولعل البيانات السابقة تشير إلى أن نصيب المتغيرات الخارجية هي 2 من 13، أي بنسبة 15.3%، مع الإشارة إلى أن ذلك يستدعي الأخذ في الاعتبار تباين حدة الأزمات الخارجية من فترة لأخرى، فطبيعة الأزمة الخارجية وأثرها على الشأن الداخلي يستوجب التمييز بين حدة وخطورة الأزمة الدولية أو الشأن الخارجي وبين درجة انعكاسها على الشأن الداخلي، فقد تكون هناك أزمة حادة في مكان ما، لكن انعكاسها على الشأن الداخلي ليس كبيراً (فمثلاً كان تأثير الحرب العربية الإسرائيلية في سنتَي 1967 و1973 على السوق النفطية الأمريكية أكبر كثيراً من فترة طوفان الأقصى).

وعلى الرغم من ترجيح نموذج ليكتمان فوز بايدن في الانتخابات هذه السنة، فإن بعض العوامل قد تؤثر على النتيجة مثل: العمر (مع أن الفارق بين المرشحين ليس كبيراً (78 عاماً لترامب و82 لبايدن)، ثم ترويج الاتهام له بأنه يعاني من ضعف الذاكرة، إضافة إلى الفشل في كبح الهجرة، كما أن 38% يعتقدون أن الوضع الاقتصادي في إدارة بايدن جيد مقابل 65% يقولون إن فترة ترامب كانت أفضل…إلخ. لكن كل هذه العوامل هي عوامل محلية لا خارجية.

والملاحظة التي تستحق التأمل هنا هي أن تقييم «خبراء» الاقتصاد لفترة بايدن هو تقييم إيجابي خلافاً لتقييم الرأي العام الأمريكي حسب الاستطلاعات، ونعتقد أن الأمر مرتبط بكيفية تقييم الأداء الاقتصادي، فأغلب خبراء الاقتصاد يركزون على إجمالي النمو الاقتصادي والبطالة والتضخم…إلخ من موضوعات الاقتصاد الكلي، بينما ينظر المجتمع لموضوعات الاقتصاد الجزئي إلى جانب قضايا اجتماعية أخرى مثل الإجهاض أو العنصرية أو الجريمة أو بيع السلاح الفردي…إلخ.

ثالثاً: طوفان الأقصى والانتخابات الرئاسية الأمريكية:

تتأكد سلبية المجتمع الأمريكي تجاه القضايا الخارجية من مؤشر مدى متابعة هذه القضايا، وفي حالة طوفان الأقصى تبين أن 26% من الأمريكيين يتابعون بشكل كبير أخبار الحرب في غزة، بينما 37% يتابعونها بشكل بسيط ومتفرق، و36% لا يتابعونها، على الرغم من أن المعدل اليومي للضحايا المدنيين في حرب غزة الحالية هو الأعلى في تاريخ الحروب، وعلى الرغم من أن عشرات المنظمات الدولية ذات الطابع الإنساني تنشر بياناتها تباعاً حول الأوضاع الإنسانية الرهيبة في قطاع غزة، وعلى الرغم من أن معدل المظاهرات بخصوص حرب غزة يصل إلى 639 مظاهرة أسبوعياً (منها 602 تأييداً للفلسطينيين، و37 لتأييد «إسرائيل»).

أشرنا في تحليلنا لنموذج ليكتمان إلى أن وزن المؤشر الخارجي هو نحو 15% في تقرير توجهات الناخب الأمريكي، وهو أمر مقارب لوزن الشأن الخارجي في النماذج الأخرى التي أشرنا إليها أعلاه، وتدل المناقشات في مختلف الانتخابات الأمريكية (التمهيدية أو التشريعية أو الرئاسية) أن الجمهوريين أكثر عناية بالشأن الخارجي من الديموقراطيين.

وفي استطلاع للرأي العام الأمريكي حول القضايا السياسة الخارجية، ومقارنة موقف الرأي العام الأمريكي بين 2023 و2024، تبين أن الشأن الاقتصادي المحلي حظي بالأولوية لدى 76% سنة 2024، و75% سنة 2023، بينما حظيت قضايا السياسة الخارجية “مجتمعة” باهتمام نسبي من 38% (سنة 2024) مقابل 18% (سنة 2023)، ولكن عند النظر في القضايا الدولية كل على انفراد تبين أن الشرق الأوسط (حرب غزة) حظيت باهتمام 5% يفوق ما حظيت به قضية أوكرانيا وبفارق 1%.

ولعل ذلك ما يفسر أن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي The Institute for National Security Studies نوَّه في استنتاجاته المرتكزة على استطلاعات الرأي الأمريكية إلى تأثير طوفان الأقصى في عدد من الشرائح وخصوصاً داخل الحزب الديموقراطي من ناحية، وأن هذا التأثير يشير إلى تزايد واضح مع تطور الأحداث في غزة من ناحية ثانية، ودعا الحكومة الإسرائيلية للتنبه لانعكاسات ذلك في الواقع الداخلي الأمريكي.

من جانب آخر، لا بدّ من التمعن في توجهات المجتمع الأمريكي من طوفان الأقصى، فقد دلّ استطلاع للرأي العام الأمريكي على نتائج تشير لبعض ملامح التغير في المجتمع الأمريكي تجاه «إسرائيل»، وهو ما يتضح في جدول رقم 2.

جدول رقم 2:

موقف المجتمع الأمريكي من «إسرائيل» وحركة حماس بعد عملية طوفان الأقصى (19-12-2023)

 

وعند تحليل استطلاعات الرأي الأمريكية الخاصة بالموقف من طوفان الأقصى، وأثر ذلك على الانتخابات الرئاسية تبين لنا ما يلي:

1- الموقف المجتمعي والحزبي من إدارة بايدن للأزمة في غزة: ما يستحق التأمل هو أن المقارنة بين التوجهات قبل الطوفان وبعده يشير إلى أن نسبة التأييد لـ«إسرائيل» في المجتمع الأمريكي تراجعت بمعدل 7% مقابل ارتفاع التعاطف مع الفلسطينيين بنسبة 3%، والملفت للنظر أن نسبة تحميل المسؤولية عن ما يجري على الإسرائيليين هي أعلى بأكثر من الضعف عند الديموقراطيين قياساً للجمهوريين (50% مقابل 21%)، كما أن الموقف من إدارة بايدن للأزمة يشير إلى انقسام واضح في المجتمع الأمريكي، فنسبة الشباب المؤيدين هي 35% والمعارضين 41%، وعند النظر في مواقف الأحزاب يتبين أن الجمهوريين يرون أن إدارة بايدن للأزمة في غزة غير صحيحة (51% معارضون مقابل 28% مؤيدون) بينما الحزب الديموقراطي (44% مؤيدون مقابل 33% معارضون)، ويوافق 30% من الأمريكيين بغض النظر عن الانتماء الحزبي على إدارة بايدن لموضوع الحرب في غزة.

2- موقف يهود الولايات المتحدة: يبدو أن مواقف يهود «إسرائيل» تتباين بنسبة معينة عن مواقف يهود الولايات المتحدة في الموقف من المرشحين، إذا أبدى 44% من يهود «إسرائيل» تأييداً لعودة ترامب للرئاسة، بينما ساند 30% بايدن، ولم يحدد 26% موقفه حتى الآن.

ما سبق يشير إلى عدد من الملاحظات:

1- يجب التنبه إلى أن الاهتمام بالشأن الخارجي يجب أن يتم فهمه بقدر من الحذر، فعلى سبيل المثال يشير استطلاع للرأي العام الأمريكي حول الشأن الخارجي أن نسبة 20% تهتم بالشأن الخارجي من زاوية محددة وهي «لقلق من مزيد من الانغماس الأمريكي في الشؤون الدولية الخارجية»، وبالتالي النزوع نحو إضعاف النزعة التدخلية في الشأن الدولي، وهو الأمر الأكثر وضوحاً في توجهات الجمهوريين (45%) مقابل (33%) في توجهات الديموقراطيين. وعند النظر في طبيعة التدخل الأمريكي رأى 70% أن التدخل التعددي (بمشاركة دول أخرى) هو الأفضل، وهو ما قد يدفع باتجاه سعي الولايات المتحدة أن تتدخل في تداعيات طوفان الأقصى مع أطراف أخرى، وهو أمر يتعزز برغبة 16% فقط من الأمريكيين الذين يطالبون بزيادة الانتشار العسكري الأمريكي في الخارج، أي أن الأمريكيين يروا في طوفان الأقصى مشكلة دولية قد تجر الولايات المتحدة للتدخل الواسع وهو ما لا يريدونه.

2- من الضروري إدراك أن البراجماتية الأمريكية كما أشرنا سابقاً تعني أن الاهتمام بالشرق الأوسط أو غيره مرتبط بوزن المنافع التي تعود على الولايات المتحدة من الموضوع الخارجي، وهنا تتباين مواقف القوى الحقوقية والأفراد والشركات وجماعات الضغط واتجاهات الأحزاب…إلخ، فعلى سبيل المثال من الملاحظ مثلاً أن موقف الرأي العام الأمريكي في كل توجهاته (جمهوريون، وديموقراطيون، ومستقلون) يميل نحو مزيد من النظرة العدائية للصين، وتزداد هذه النظرة بشكل خطي، لكن دراسة لغرفة التجارة الأمريكية تكشف أن 50% من الشركات الأمريكية تعد الصين إحدى 3 أولويات لها في مجال الاستثمار، وقال 77% من هذه الشركات إنها لا تفكر في نقل نشاطها الاقتصادي من الصين، وهو ما يعني أن اعتناء الأمريكي بالشأن الخارجي مرتبط بدرجة انتفاعه أو ضرره، وليس طبقاً لمنظومة قيم مطلقة. وعليه فإن الاهتمام بموضوع طوفان الأقصى مرتبط بانعكاسات هذا الطوفان على شبكة المصالح الأمريكية، فلو شعرت الشركات الأمريكية أن المقاطعة لمنتجاتها تزداد فإن ذلك سينعكس على توجهات الحكومة والناخبين، أو أن مشتريات السلاح العربية تتناقص من الشركات الأمريكية، أو أن ما يجري يؤثر على الاقتصاد الأمريكي أو يزيد من نسب الاضطراب الاجتماعي…إلخ، فإن الناخب الأمريكي سيولي ذلك اهتماماً نسبياً في توجهات المرشحين للرئاسة.

3- لعل النظرة المتفحصة لانعكاسات طوفان الأقصى على الناخب الأمريكي تظهر في الجوانب التالية:

• مدى اتساع المواجهة والتحول في طوفان الأقصى إلى حروب إقليمية قد يقود إلى مزيد من نشر القوات الأمريكية في المنطقة، وهو ما سيجعل الناخب الأمريكي أكثر اهتماماً بتداعيات الطوفان.

• إن الاضطراب الاجتماعي نتيجة المظاهرات والمظاهرات المضادة (حول تداعيات الطوفان) يعزز الاهتمام الشعبي، ولعل احتلال الولايات المتحدة المرتبة الثانية عالمياً في عدد المظاهرات ضدّ «إسرائيل» خلال معركة طوفان الأقصى سيترك أثراً نسبياً على الناخب واختياراته.

ويرى بعض الكتاب الأمريكيين أن تداعيات طوفان الأقصى تشكل اختباراً لفرضية أن الشأن الخارجي يمثل عاملاً هامشياً في الانتخابات الرئاسية الأمريكية نظراً لحدة الأزمة والهواجس الدولية المصاحبة لها، خصوصاً أن شرائح الشباب وأصحاب التوجهات التقدمية أصبحوا أكثر ميلاً لانتقاد السياسات المساندة لـ«إسرائيل»، لكن حجم هذه الشريحة ما زال دون الوزن التأثيري المطلوب.

• يعتقد بعض الباحثين أن طوفان الأقصى سيؤثر على شريحة أخرى في المجتمع الأمريكي، وهي شريحة «المسلمين الأمريكيين» وشريحة العرب الأمريكيين، مع ضرورة الإشارة إلى أن هذه الشريحة صوّتت لصالح بايدن في سنة 2020 بنسبة عالية جداً وصلت إلى 83%، لكن هذه النسبة ليست ذات دلالة إحصائية عند النظر إلى وزن المجتمع الإسلامي الأمريكي والذي لا يتجاوز تعداده 1% من إجمالي عدد السكان، وهو ما يجعل وزنهم الانتخابي دون مستوى التأثير الكبير. أما اليهود والذين يشكلون 5% من سكان الولايات المتحدة، فقد صوَّتوا لصالح بايدن سنة 2020 بنسبة تصل إلى 75%، وهو ما يزيد من محدودية دور الصوت الإسلامي نسبياً حتى لو اتجه أكثره لعدم انتخاب بايدن.

• يرى بعض الباحثين أن ما سيتأثر في التوجهات الأمريكية لن يمس المصالح الاستراتيجية الأمريكية، مثل: استمرار التوازن الإقليمي، وكبح انتقال العنف السياسي إلى الأراضي الأمريكية أو إلى أعالي البحار، واستمرار استقرار المعابر البحرية للتجارة والنفط ومنع انتشار السلاح النووي.

خلاصة:

عند النظر في سياسات المرشح الديموقراطي (بايدن) أو الجمهوري (ترامب)، فإن كليهما لا يخفي اعتباره لـ«إسرائيل» ذخراً استراتيجياً، لكن المعيار الذي يعتمد عليه الناخب الأمريكي في تفضيل أي منهما هو معيار محلي براجماتي صرف، أي أن الموقف من «إسرائيل» لن يكون عاملاً مركزياً في الانتخابات لتحديد الفائز، خصوصاً أن موقف بايدن مقارنة بموقف ترامب هو موقف أكثر «تمويهاً» في دعم «إسرائيل»، والذي اتضح في استخدام الولايات المتحدة حقّ النقض (الفيتو Veto) في مجلس الأمن ثلاث مرات خلال الأزمة لمنع وقف إطلاق النار (في 18/10/2023، و8/12/2023، و20/2/2024)، ثم الامتناع عن التصويت على قرار يطالب بزيادة إدخال المساعدات في 21/12/2023، ناهيك عن وقف مساعداته لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى (الأونروا)، إضافة لتحويل الذخائر التي كانت موجهة لأوكرانيا إلى الجيش الإسرائيلي، والدعم المالي لها بأكثر من 14 مليار دولار من ناحية، ناهيك عن إرسال بعض قطعها الحربية للتصدي لهجمات أنصار الله من اليمن.

ويحاول بايدن من ناحية أخرى جذب أصوات المسلمين في الولايات المتحدة من خلال فتح الميناء المؤقت لإيصال المساعدات أو إنزالها جواً لسكان غزة، فهو يستخدم الفيتو ضدّ وقف إطلاق النار من ناحية، ويحاول الظهور بمظهر إنساني من خلال بناء الرصيف البحري أو إنزال المساعدات أو التأكيد على أن خطة اجتياح رفح التي يكررها نتنياهو يجب أن «تتضمن أمن المدنيين»، بينما ذهب ترامب في تصريحات حديثة له أن على «إسرائيل» أن “تكمل المهمة” أي القضاء على المقاومة.

وقد يكون اتساع نطاق الحرب وانغماس الولايات المتحدة فيها عاملاً مساعداً لبايدن، إذ أن أغلب الرؤساء الذين ترشحوا مرة ثانية خلال الحروب فازوا بها، لكن ذلك يبقى في نطاق محدودية الشأن الخارجي.

والملاحظ أن الانقسام داخل الديموقراطيين في موضوع الحرب في غزة أكثر وضوحاً منه في صفوف الجمهوريين الذين يبدون أكثر تناغماً في موقفهم من هذه الحرب، فالجناح اليساري في الحزب الديموقراطي وبعض التيارات اليهودية مثل «الصوت اليهودي للسلام Jewish Voice for Peace، وحركة «إنْ لم يكن الآن IfNotNow» تشكل قوة قد تؤثر على شعبية بايدن في الانتخابات.

ولعل متغير العمر للناخب يمثل أحد الأبعاد ذات الدلالة، فالملاحظ أن هناك علاقة واضحة بين العمر ودرجة التأييد لـ«إسرائيل»، وهو ما اتضح في معركة طوفان الأقصى، فكلما تقدم الفرد في العمر كان تأييده لـ«إسرائيل» أعلى والعكس صحيح، وهو ما يفسر عدم اتساق الأمريكيين من عمر 30 عاماً فما دون مع مواقف بايدن من الحرب في غزة، كما أن السود من الأمريكيين أصبحوا أكثر نقداً لـ«إسرائيل»، وهو تيار تنامى بهدوء منذ حرب 1967، ويعمل على المقارنة بين الاضطهاد والعنف في المجتمع الأمريكي تجاه السود وبين العنف الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين.

وعليه، فقد أثرت معركة طوفان الأقصى في مواقف شرائح معينة (المسلمون، والسود، وجماعات يهودية، والشباب، ويسار الحزب الديموقراطي)، لكن الفارق بين المرشحين ضئيل للغاية في آخر الاستطلاعات (49% لبايدن، و47% لترامب)، وهو ما سيجعل التحول في أي شريحة صغيرة أمراً قد يقلب النتائج، وهو ما يمكن أن يكون عليه الحال بخصوص شريحة “غير المقررين” توجهاتهم الانتخابية حتى الآن، والذين يشكلون نحو 17% من الناخبين، وكلما كان الفارق أقل كلما كانت الجماعات الصغيرة أو جماعات الضغط أكثر قدرة في التأثير على النتائج.

من جانب آخر، إذا كانت بعض الشرائح في المجتمع الأمريكي قد تراجعت عن تأييد بايدن بسبب موقفه من «إسرائيل»، فإن موقف ترامب من الحرب الأوكرانية الروسية قد يفقده قدراً من تأييد الناخب الأمريكي نظراً لمعارضته مساندة أوكرانيا، إلى جانب مديحه للرئيس الروسي فلاديمير بوتين Vladimir Putin.

أما بخصوص أصوات اليهود فإن كلاً من المرشحين (بايدن وترامب) لا يحبذا بقاء نتنياهو في السلطة، وهو ما يؤثر بقدر بسيط على التصويت لأي منهما من قبل اليهود الأمريكيين المساندين لنتنياهو.

لكن الظرف العام في الولايات المتحدة وشخصية ترامب قد تنطوي على احتمال وقوع «اضطرابات اجتماعية» حادة خلال أو بعد الانتخابات، مما يعزز من انكفاء الولايات المتحدة نحو أوضاعها الداخلية، وتتمثل هذه الأوضاع في مؤشرات نوجزها في الآتي:

1- رعونة ونرجسية ترامب خصوصاً إذا خسر الانتخابات، وهو الأمر الذي لم تستبعده وزارة الأمن الوطني الأمريكية.

2- تنامي مظاهر التطرف السياسي والاستقطاب وتزايد الحساسيات بين الثقافات الفرعية في المجتمع الأمريكي.

3- اتساع قاعدة انتشار السلاح الفردي، إذ يبلغ التسلح الفردي في الولايات المتحدة ما يعادل 40% من مجموع السلاح الفردي في العالم كله، ففي الولايات المتحدة 393 مليون قطعة سلاح فردي.

4- انتشار أطياف متعددة من المليشيات المسلحة.

5- تآكل الثقة في المجتمع الليبرالي.

6- اعتبار ثقافة القوة ركيزة مهمة في الثقافة الأمريكية.

7- انتشار نظرية المؤامرة بين العديد من شرائح المجتمع الأمريكي.

إن مسار وتداعيات معركة طوفان الأقصى ما تزال غير واضحة، لكن المؤكد أن تأثيرها على النتائج الانتخابية سيبقى هامشياً، لكنها ستكون أكثر دلالة في نتائجها إذا تأكدت نظرية التراجع الأمريكي العنيف الذي تتزايد مؤشراته في الأدبيات السياسية الأمريكية.

(نقلا عن مركز الزيتونة)

Please follow and like us:
د. وليد عبد الحي
أستاذ علوم سياسية، الأردن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قناة جريدة الأمة على يوتيوب