في الفترة الأخيرة هناك خطاب نسوي متخلف يقدّم العلاقة بين المرأة والدين وكأنها معركة لا بد أن تكسبها المرأة تكسبها، فالحجاب يُقدم باعتباره قيد والالتزام بضوابط الزينة تحكُّم وقوامة الرجل انتقاص من المرأة، وأي حديث عن واجباتها بيتم تفسيره على إنه محاولة للسيطرة عليها.
لكن السؤال: هل فعلا كل حكم شرعي لا يتفق مع رغباتنا يبقى ظلم؟ وهل الدفاع عن المرأة معناه إنها ترفض كل ما لا يعجبها باسم الحرية؟
أظن إن المشكلة ليست في المطالبة بحقوق المرأة، لكن في أن بعض الخطابات تحوُّل المطالبة بالحقوق إلى رفض لأحكام الدين، وكأن المرأة لن تكون حرة إلا لو تخلّصت من كل ما يطلبه منها.
طبعا لا يمكن إنكار أن هناك بعض المشايخ والمتحدثين باسم الدين يخلطون بين الأحكام الشرعية والعادات الاجتماعية، وبعضهم يستخدم الدين لتبرير التحكم في المرأة والتدخل في تفاصيل حياتها اللي الدين بالمناسبة أعطاها فيها خصوصية مطلقة مثل ذمتها المالية مثلا، لكن أيضًا وجود هذه النماذج لا يعني أنها تمثل الإسلام كله.
أين الأزمة.. الأزمة أن بعض الناس يتمسكون بهذه الأمثلة ويتعامل معها كأنها الصورة الوحيدة للدين، ويتجاهل العلماء الذين يشرحون الأحكام بأدلتها ويفرقون بين الثابت شرعا وما يقبل الاجتهاد والاختلاف، والأهم أن لو هناك من يستخدم الدين لتبرير تصرف خاطئ فهذا لا يجعل تصرفه صحيحًا، ولا يجعل الدين مسؤولا عن كل ما ينسبه إليه، وطبعا لا يجوز أن نواجه الخطأ إلا بعدما نعرفه، حتى نصححه لا أن نعمم الحكم على الدين كله.
الأخطر أن هناك بعض النساء يتأثرن بتجاربهم السيئة مع رجال استخدموا الدين بطريقة متشددة لدرجة أنهم يبدؤون برفض كل ما يرتبط بالدين حتى لو كان الحكم نفسه ثابتًا ولا علاقة له بالتصرف اللي ضايقهم.
فتتحول المسألة من رفض التسلط إلى رفض القوامة ومن الاعتراض على التشدد إلى الاعتراض على أحكام شرعية ومن الرغبة في استرداد الحقوق إلى اعتبار كل تكليف ديني محاولة لإلغاء الحرية، ومن ضرورة احترام الفوارق الطبيعية بين الذكر والأنثى إلى اعتبار ذلك عنصرية وتحيز ضد المرأة وعدم مساواة.
وهنا سؤال بريء: منذ متى أصبحت مخالفة الرجل معناها أننا لابد من مخالفة الدين؟ وهل لو أساء رجل استخدام حكم شرعي.. هل الحل أن نرفض الحكم نفسه؟
الرجل يا بنات ليس الدين، وخطأه ليس دليلًا على خطأ كل ما يؤمن به، والست ليست في حاجة لمعاندة الدين كي تثبت أن الرجل مخطئ، مثلما الرجل ليس من حقه استخدام الدين ليفرض سيطرته عليها.
المهم أنْ نعرف أنّ من الأخطاء أنّ الإنسان يقبل من الأحكام ما يناسبه ويرفض ما لم يناسبه، ويحاول اختلاق مبرر ديني لموقف هو أصلا فعله قبل ما يرى رأي الدين.
ودعون نتفق على أن القرآن الكريم والسنة النبوية هما المصدران الأساسيان للتشريع، ومن أصول الاستدلال المشهورة في الفقه الإسلامي.. وأيضًا الإجماع والقياس، أما العُرف فله اعتبار في بعض المسائل الفقهية بشروط، لكنه لا يجعل كل عادة منتشرة حكم شرعي.
وهذا معناه أنه لن تكون كل الأحكام مذكورة بنص مباشر في القرآن أو السنة، لأن العلماء يستنبطون أحكامًا لمسائل مختلفة وفق أصول وضوابط معروفة، وفي المقابل ليس كل رأي يقوله شيخ يكون حكمًا شرعيًا لمجرد إنه قاله… وعلينا الانتباه من الفرق بين الفتوى المعتمدة من أهلها، وبين “هرتلة” البعض..
لأجل ذلك عندما نسمع حكم ديني المفروض نبحث عن دليله، ونعرف هل هو محل اتفاق أم فيه خلاف معتبر، ونفرّق بين الحكم الشرعي والعادة الاجتماعية، فلا نقبل كل ما يُقال باسم الدين من غير علم، ولا نرفض حكم لمجرد إننا لا نريد الالتزام به، وأيضًا لا نرفض العادات الاجتماعية التي أصبحت عرفًا مستساغًا لدى الناس لمجرد أنها ضد رغباتنا، لأن هذا العرف يحكمه الشرع نفسه في بعض الأمور ويجعله مصدرًا للحكم عليها، وبالتالي لا يجوز للبنات رفضه.
وبالمثال يتضح المقال.. لو اتفقتِ مع صاحبتك للذهاب لمشوار خارج نطاق سكنك سواء خارج منطقتك أو قريتك او مدينتك، ستجدين أباكِ أو أخاكِ يوافقون قائلين (بس متتأخريش عن الساعة كذا)، فتقولي لماذا؟ فربما لا تجدين ردًا إلا (هو كده).. ساعتها، لا تستغربي ولا تجادلي، لأن هذا هو العرف..
مجتمعنا تعارف على أن البنت أو المرأة لا يجوز له أن تتأخر خارج بيتها عند حد معين، فخلاص مينفعش “ننطح” في عرف قائم وشبه مجمع عليه، ولا أريد القول إنه يعضده أشياء كثيرة جدا من جوه الدين نفسه، لأن هذه يمكن أن تكون نقطة خلاف عند كثيرات.
أعود بكم مرة أخرى لموضوع الأمور المختلَف فيها كأحكام شرعية، ومن الأمثلة الواضحة عليها -طبعا- محاولات تبرير خلع الحجاب أو تجاهل ضوابط اللباس والزينة باسم الحرية الشخصية.
الحجاب واجب في الفقه الإسلامي السائد، ولا معنى أن بعض الناس يستخدمون الدين بطريقة خاطئة بالقول: إننا نغير الحكم نفسه لنتجنب الاعتراض عليه، والزينة لها أحكام وتفاصيل، وليست كل صورة منها لها الحكم نفسه، لذلك لابد من فهم الضوابط الشرعية بدلًا من التعميم من غير علم.
وهناك فرق بين أن الإنسان يقع في تقصير ويعترف بيه، وبين أنه يحاول تغيير معنى الحكم ليبرر لنفسه عدم الالتزام بيه… ليس مطلوبًا من الإنسان أن يكون بلا أخطاء، لكن مطلوب منه أن يكون صادقًا مع نفسه ولا يحوّل رغبته الشخصية إلى مبرر ديني.
وأيضًا من الأفكار التي تظهر في بعض الخطابات النسوية أن العدل بين الرجل والمرأة لا يتحقق إلا لو كانت كل مسؤولياتهما وأدوارهما متطابقة، لكن اختلاف بعض الأحكام والمسؤوليات لا يعني بالضرورة اختلاف القيمة أو الكرامة.
يا جماعة… الإسلام كرّم الرجل والمرأة بوصفهم “إنسان”، وجعل لكل واحد منهم حقوق وواجبات، لكن هذا لا يعني أن كل الأحكام بينهما متطابقة، ولكل مسألة دليلها وضوابطها فلا يصح أن نحكم على جميع الأحكام بمعيار واحد من غير فهم.
أما القوامة فهي مسؤولية وليست سلطة مطلقة، ولا تبرر الإهانة أو الظلم أو التحكم في كل تفاصيل حياة المرأة، ولكن رفض التسلط لا يعني إنكار القوامة نفسها أو رفض كل مسؤولية شرعية للرجل، صدقوني المشكلة ليست في الاختلاف، لكن في إساءة فهمه، سواء من رجل يستخدمه لتبرير الظلم أو من خطاب نسوي يرفضه لمجرد أنه لا يتفق مع تصوره للمساواة.
وفي النهاية يا جماعة المرأة ليست في حاجة لرفض دينها لتثبت كرامتها، والرجل ليس من حقه استخدام الدين ليثبت سلطته، ومن حق المرأة أن تسأل وتفهم وتطالب بحقوقها، لكن لا يعني أبدا أن كل رغبة شخصية تتحول إلى حكم شرعي أو أن كل اختلاف مع الرجل يتحول إلى خلاف مع الدين.
المطلوب التفريق بين الدين وأخطاء من يتحدثون باسمه أو يلجأون إليه بلا فهم لتبرير أخطاءهم، وبين المطالبة بالحقوق ورفض الأحكام وبين الحرية وتحويل الأهواء إلى مبررات، فمش كل حكم او عادة ضد رغباتنا تبقى ظل، ومش كل رغبة عندنا حق لينا…
أرجوكم.. ارفعوا أيديكم عن الدين واتركوه لأصحابه من العلماء وتقربوا إلى الله بما يحب، وتحرروا من كثرة الجدال وتذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم شبه الحائم حول الحرام ويقترب منه حتى لو لم يفعله، بـ “راع يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه” أعاذنا الله وإياكم.


