تقرير تحليلى
في مشهد يعكس تعقيد المرحلة السياسية في ليبيا، تحولت مدينة مصراتة إلى ساحة جدل حاد حول مستقبل السلطة، بعد إعلان مكونات اجتماعية وسياسية رفضها القاطع لما يُعرف بـ«مبادرة مسعد بولس»، وسط تصاعد التوتر بين القوى المحلية وتزايد الضغوط الدولية لدفع مسار التسوية.
وجاء الرفض في ختام اجتماع موسع ضم نشطاء وأعيان وشخصيات عامة، أكدوا خلاله أن المبادرة تقوم على ترتيبات لتقاسم السلطة والثروة خارج إطار التوافق الوطني، محذرين من أنها قد تكرس ما وصفوه بـ«حكم العائلات» وتضعف السيادة الوطنية. وشدد البيان على أن أي جهة تنخرط في هذه التفاهمات لا تمثل إلا نفسها، مع التأكيد على حصر التمثيل الشرعي للمدينة في مجلسها البلدي والقوى المنبثقة عن ثورة 17 فبراير، إلى جانب رفض أي شراكة مع معسكر خليفة حفتر أو أبنائه.
الاجتماع لم يخلُ من الانقسام، إذ شهد نقاشات حادة بين الحاضرين، عكست تبايناً واضحاً داخل البيئة السياسية في غرب ليبيا، بين من يرى في المبادرة فرصة لكسر الجمود، ومن يعتبرها محاولة لفرض تسوية غير متوازنة. ورغم هذا التباين، حُسم الموقف ببيان رافض، ما يشير إلى غلبة تيار معارض داخل المدينة ذات الثقل العسكري والسياسي.
وفي سياق متصل، دعا عضو مجلس أعيان مصراتة، أنور صوان، إلى تحركات شعبية لمواجهة المبادرة، في مؤشر على تصاعد الرهان على الشارع كأداة ضغط في مواجهة أي ترتيبات سياسية لا تحظى بقبول واسع.
تزامن ذلك مع احتجاجات في طرابلس، حيث تجمع متظاهرون أمام مقر البعثة الأممية في جنزور، رافعين شعارات ترفض المبادرة التي يُعتقد أنها تقوم على تقاسم النفوذ بين معسكر الشرق ومعسكر الغرب، بما يشمل دوراً محورياً لـصدام حفتر ورئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة.
على مستوى مؤسسات الحكم، برز تصعيد لافت، حيث لوّح رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي بخيارات وصفها بـ«الصعبة» لمواجهة ما اعتبره تقييداً لصلاحياته، مشيراً إلى إمكانية اللجوء إلى أدوات قانونية أو دعم حراك شعبي منظم، في حال استمرار حالة الانسداد السياسي.
في المقابل، دعا نائب رئيس المجلس الرئاسي موسى الكوني إلى التركيز على مبادرات واقعية تحظى بقبول شعبي، مع التأكيد على ضرورة مراعاة التوازنات بين الأقاليم الثلاثة، بما فيها فزان، لضمان نجاح أي تسوية سياسية.
ورغم دفاع مسعد بولس عن مبادرته، باعتبارها محاولة لبناء أرضية مشتركة وإنهاء الانقسام، يرى مراقبون أن اتساع دائرة الرفض، خاصة في مدن محورية مثل مصراتة، يضعف فرص تمريرها بصيغتها الحالية، ويؤكد أن أي حل لا يستند إلى توافق داخلي حقيقي سيواجه صعوبات كبيرة على الأرض.
وتأتي هذه التطورات في إطار حراك سياسي ودبلوماسي نشط خلال عام 2026، في محاولة لإعادة تشكيل السلطة التنفيذية وإنهاء الانقسام بين الشرق والغرب، غير أن المشهد الحالي يعكس استمرار تعقيدات الأزمة الليبية، حيث تتداخل الحسابات المحلية مع الضغوط الدولية، ما يجعل الوصول إلى تسوية شاملة أمراً مرهوناً بمدى قدرة الأطراف على إنتاج توافق وطني حقيقي.






