توجد مشكلة واضحة في علاقة قطاعات واسعة من المجتمعات العربية بالفلسفة والعلوم الاجتماعية.
المشكلة ليست في غياب الجامعات أو الكتب أو الباحثين، فهناك جامعات ومراكز بحث ومؤلفات ودراسات في مختلف المجالات. المشكلة تتعلق بموقع التفكير النقدي داخل المجتمع، وبالحدود التي يرسمها المجتمع أمام الأسئلة التي يمكن طرحها والأفكار التي يمكن مناقشتها.
في كثير من البيئات العربية، ما زال هناك فرق بين المعرفة التي ينظر إليها باعتبارها مفيدة، والمعرفة التي ينظر إليها باعتبارها مزعجة.
يمكن قبول دراسة الطب والهندسة والاقتصاد والتكنولوجيا بسهولة لان نتائجها واضحة ومباشرة،
بينما تصبح الفلسفة وعلم الاجتماع والعلوم السياسية والأنثروبولوجيا أكثر حساسية، لأنها تدخل مباشرة في قضايا الدين والسلطة والعائلة والقبيلة والطبقة والعادات والتقاليد.
والتعليم في كثير من البلدان العربية ما زال يعتمد بدرجات مختلفة على التلقين والحفظ.
الطالب يتعلم ان هناك إجابة صحيحة يجب ان يحفظها، وهناك إجابة خاطئة يجب ان يتجنبها.
ومع مرور السنوات، يتعود على التعامل مع المعرفة باعتبارها مجموعة من المعلومات الجاهزة، وليس باعتبارها عملية مستمرة من السؤال والبحث والنقد.
هذا النوع من التعليم يضعف القدرة على التفكير المستقل.
صعوبة مواجهة الفلسفة
الطالب الذي اعتاد ان يحصل على الإجابة من المعلم او الكتاب قد يجد صعوبة عندما يواجه الفلسفة، لان الفلسفة لا تقدم له دائما إجابة واحدة.
هي تطلب منه ان يفهم السؤال، وان يعرف الحجج المختلفة، وان يميز بين الرأي والحجة، وان يسأل عن الافتراضات التي تقوم عليها الأفكار.
وهذا مختلف تماما عن التعليم القائم على الحفظ.
المشكلة ليست في الحفظ نفسه، فالذاكرة جزء أساسي من التعلم، ولكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الحفظ هو الهدف النهائي للتعليم.
يمكن لطالب ان يحفظ عشرات التعريفات في الفلسفة دون ان يتعلم كيف يفكر فلسفيا.
ويمكن لطالب في العلوم السياسية أن يحفظ أسماء النظريات والمفكرين دون ان يستطيع تحليل نظام سياسي موجود امامه.
ويمكن لطالب في علم الاجتماع ان يعرف مفهوم الطبقة او السلطة او التضامن الاجتماعي دون ان يستخدم هذه المفاهيم في فهم المجتمع الذي يعيش فيه.
بهذا المعنى، تصبح الجامعة امتدادا للمدرسة بدلا من أن تكون مرحلة للبحث والنقد.
لماذا تثير الفلسفة القلق؟
الفلسفة تطرح أسئلة حول المعرفة والأخلاق والوجود والسلطة والحقيقة. بعض هذه الأسئلة يتعارض مع الطريقة التي تعود عليها المجتمع في التعامل مع الأفكار.
عندما يسأل شخص: ما مصدر هذه الفكرة؟ ولماذا نؤمن بها؟ وهل يمكن نقدها؟ وما الدليل عليها؟ فإنه لا يهاجم بالضرورة الدين او المجتمع او التقاليد. هو يمارس عملية عقلية أساسية.
لكن في بعض البيئات، يتحول السؤال نفسه الى مشكلة.
يتم التعامل مع بعض الأسئلة باعتبارها قلة ادب، او تمردا، او تشكيكا، او محاولة لتقليد الغرب. وهنا يتحول النقاش من مضمون السؤال الى اتهام الشخص الذي طرحه.
هذه الطريقة في التعامل مع الأسئلة تمنع تطور النقاش العام.
فبدلا من ان نسأل هل الفكرة صحيحة ام خاطئة، نسأل من الذي قالها؟ وما خلفيته؟ والى أي جماعة ينتمي؟ وهل هو متدين ام غير متدين؟ وهل هو عربي ام غربي؟
وهكذا يتحول النقاش من الحجة الى هوية صاحب الحجة.
المشكلة ليست في الفلسفة وحدها من الخطأ اختزال المشكلة في موقف المجتمعات العربية من الفلسفة فقط. المشكلة أوسع من ذلك، وتشمل العلوم الاجتماعية بصورة عامة.
علم الاجتماع يدرس المجتمع كما هو، وليس كما نحب ان نراه.
وهذا يعني دراسة الطبقات الاجتماعية، والعائلة، والسلطة، والقبيلة، والدين، والتعليم، والفقر، والهجرة، والعنف، والتمييز، والحركات الاجتماعية، وتوزيع الموارد.
هذه الموضوعات يمكن ان تكون حساسة لأنها تكشف أسبابا لا يرغب المجتمع دائما في الاعتراف بها.
إذا كان الفقر موجودا، فمن السهل ان نقول ان السبب هو كسل الفقراء.
لكن علم الاجتماع يسأل أسئلة أخرى: كيف توزع الثروة؟ كيف تعمل سوق العمل؟ ما مستوى التعليم؟ كيف تؤثر السياسات الحكومية؟ ما علاقة الفقر بالمكان والطبقة والفرص؟
وإذا كانت هناك صراعات قبلية، فمن السهل تحميل الافراد المسؤولية.
لكن الباحث يسأل:
كيف تشكلت العلاقات القبلية؟ لماذا تضعف مؤسسات الدولة؟ كيف يتم توزيع السلطة؟ ما علاقة الموارد بالصراع؟ وما دور التاريخ السياسي؟ هذه الأسئلة تجعل العلوم الاجتماعية مختلفة عن الخطاب العام.
الخوف من دراسة المجتمع الذي لا يريد مراجعة نفسه لن يكون مرتاحا للباحث الاجتماعي.
الباحث لا يكتفي بوصف المشكلة، بل يحاول معرفة أسبابها.
وعندما يصل إلى الأسباب، قد يجد ان المسؤولية ليست في فرد واحد، وانما في مؤسسة او نظام اجتماعي او ثقافة سائدة او سياسة عامة.
لأن الاعتراف بالمشكلة شيء، والاعتراف بسبب المشكلة شيء اخر.
دراسة القضايا
يمكن للجميع ان يتحدثوا عن الفساد، لكن دراسة الفساد تحتاج الى البحث في مؤسسات الدولة والقوانين والرقابة والرواتب والحوافز وشبكات المصالح وطريقة توزيع الموارد.
يمكن للجميع ان يتحدثوا عن ضعف التعليم، لكن دراسة التعليم تحتاج الى البحث في المناهج وتدريب المعلمين والتمويل وسياسات القبول والبيئة الاجتماعية.
يمكن للجميع ان يتحدثوا عن التطرف، لكن فهم التطرف يحتاج الى دراسة الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتعليمية التي تساعد على انتشاره.
لهذا السبب تحتاج المجتمعات الى العلوم الاجتماعية، حتى عندما لا تكون مرتاحة لبعض نتائجها.
السلطة وعلاقتها بالمعرفة هناك جانب سياسي لا يمكن تجاهله. السلطة السياسية في أي مجتمع لا تتعامل دائما بالطريقة نفسها مع جميع أنواع المعرفة.
المعرفة التقنية قد تكون مفيدة للإدارة، بينما المعرفة النقدية قد تطرح أسئلة حول طريقة عمل السلطة نفسها.
علم السياسة يسأل عن توزيع السلطة، ومصادر الشرعية، وطبيعة المؤسسات، والعلاقة بين الدولة والمجتمع، ودور الأحزاب، والانتخابات، والاعلام، والجيش، والقانون.
هذه ليست أسئلة محايدة بالنسبة للسلطة.
وعندما تصبح الجامعة مساحة حقيقية لهذه الأسئلة، فإنها يمكن ان تنتج مواطنا أكثر قدرة على فهم النظام السياسي الذي يعيش داخله.
لهذا فان حرية البحث العلمي ليست مسألة جامعية فقط. هي جزء من طبيعة المجتمع السياسي.
الخوف من البحث في السياسة
المجتمع الذي يسمح بالبحث في الكيمياء لكنه يخاف من البحث في السياسة يضع حدودا واضحة لما يريد ان يعرفه وما لا يريد ان يعرفه.
المجتمع قد يمارس الرقابة أيضا ليس من الصحيح تحميل الدولة وحدها مسؤولية الخوف من التفكير النقدي. المجتمع نفسه يمكن ان يمارس الرقابة.
في بعض البيئات، يخاف الفرد من رد فعل اسرته أو مجتمعه أكثر مما يخاف من القانون. وقد يتجنب الحديث في موضوع معين حتى لا يدخل في خلاف مع الجماعة.
هذا النوع من الرقابة الاجتماعية يجعل الفرد يراقب كلامه باستمرار.
وبمرور الوقت، لا يحتاج المجتمع الى منع السؤال بشكل مباشر، لان الفرد يتعلم مسبقا ما الذي يمكن قوله وما الذي يجب الصمت عنه.
وهذا يفسر لماذا يمكن ان توجد حرية قانونية محدودة او واسعة، بينما يبقى النقاش الاجتماعي ضيقا.
مشكلة النظرة الى العلوم الإنسانية هناك أيضا مشكلة تتعلق بالنظرة الاجتماعية الى العلوم الإنسانية.
في كثير من الاسر، يفضل الاهل ان يدرس ابنهم تخصصا يعتقدون انه يضمن وظيفة ودخلا مستقرا.
الطب والهندسة وتكنولوجيا المعلومات وبعض التخصصات الاقتصادية تحظى عادة باهتمام اكبر، بينما ينظر الى الفلسفة وعلم الاجتماع والتاريخ وبعض فروع العلوم الإنسانية باعتبارها تخصصات اقل فائدة.
هذه النظرة مفهومة من الناحية الاقتصادية، خصوصا في مجتمعات تعاني من البطالة وضعف سوق العمل.
لكن المشكلة تظهر عندما تتحول القيمة الاقتصادية المباشرة الى المعيار الوحيد للحكم على المعرفة.
الدولة التي لا تنتج باحثين في الاجتماع والسياسة والتاريخ والاقتصاد والانثروبولوجيا ستجد صعوبة في فهم نفسها.
لا يمكن بناء سياسات عامة ناجحة دون معرفة المجتمع الذي تطبق عليه هذه السياسات.
ولا يمكن اصلاح التعليم دون دراسات تربوية واجتماعية.
ولا يمكن فهم النزاعات دون معرفة جذورها.
ولا يمكن بناء دولة حديثة دون دراسة العلاقة بين الدولة والمجتمع.
الشهادة الجامعية
الشهادة لا تعني التفكير في المشاكل التي تحتاج الى مراجعة أيضا الاعتقاد بأن التعليم الجامعي يؤدي تلقائيا الى التفكير النقدي.
هناك اشخاص يحملون شهادات جامعية كثيرة، لكنهم يتعاملون مع الأفكار بطريقة مغلقة. قد يكون الشخص حاصلا على شهادة عليا، لكنه لا يقبل نقد رأيه السياسي او الديني او الاجتماعي.
وهنا يجب التمييز بين التعليم والتفكير.
التعليم يمنح الانسان معرفة ومهارات، لكن التفكير النقدي يحتاج الى ممارسة مستمرة.
قد يعرف الانسان معلومات كثيرة، لكنه لا يعرف كيف يربط بينها.
وقد يقرأ عشرات الكتب، لكنه لا يستطيع مناقشة فكرة واحدة بطريقة منظمة.
وقد يحفظ اقوال المفكرين، لكنه لا يفهم السياق الذي ظهرت فيه هذه الاقوال.
لذلك لا يمكن قياس الثقافة بعدد الكتب التي قرأها الشخص او بعدد الشهادات التي يحملها فقط. الثقافة تظهر أيضا في طريقة السؤال، وطريقة النقاش، والقدرة على الاعتراف بالخطأ، والاستعداد لتغيير الموقف عندما تظهر حجة اقوى.
كيف نغير هذه العلاقة؟
المطلوب ليس تحويل جميع الناس الى فلاسفة او باحثين اجتماعيين. المطلوب هو جعل التفكير النقدي جزءا طبيعيا من التعليم والحياة العامة.
يبدأ ذلك من المدرسة. يجب ان يتعلم الطالب كيف يبحث، وكيف يميز بين المعلومة والرأي، وكيف يتحقق من المصادر، وكيف يقدم حجة، وكيف يختلف مع زميله دون ان يحوله الى خصم.
ثم تأتي الجامعة.
الجامعة الحقيقية ليست مكانا للحصول على الشهادة فقط. هي مساحة للبحث والنقاش والاختلاف. والأستاذ الجامعي الذي يمنع الطالب من نقد أفكاره لا يقوم بدوره التعليمي بصورة صحيحة.
كما تحتاج الجامعات العربية الى دعم البحث الاجتماعي الميداني. لا يكفي استيراد النظريات من الجامعات الغربية ثم تطبيقها على المجتمعات العربية دون دراسة خصوصية هذه المجتمعات.
هناك حاجة الى دراسات عربية وافريقية جادة حول القبيلة والدولة، والدين والسياسة، والهجرة، والحروب، والتعليم، والفقر، والاسرة، والتحولات الديموغرافية، والاقتصاد غير الرسمي، والاعلام، والشباب.
المجتمع الذي لا ينتج معرفة عن نفسه سيظل يعتمد على الآخرين في تفسيره.
الخوف من الفلسفة والعلوم الاجتماعية
الخوف من الفلسفة والعلوم الاجتماعية ليس ظاهرة واحدة لها سبب واحد. هو نتيجة تداخل التعليم التقليدي، وضعف ثقافة السؤال، والرقابة الاجتماعية، والحساسيات الدينية والسياسية، وضعف البحث العلمي، والنظرة العملية الضيقة الى التعليم.
لكن استمرار هذا الوضع له نتائج واضحة.
عندما يضعف التفكير النقدي، تنتشر الإجابات السهلة. وعندما تغيب العلوم الاجتماعية، يتم تفسير المشكلات الاجتماعية بطريقة أخلاقية سطحية. وعندما تضعف الفلسفة، يصبح من السهل التعامل مع الأفكار الموروثة باعتبارها حقائق نهائية.
المجتمع الذي يريد ان يتقدم يحتاج الى معرفة نفسه قبل ان يتحدث عن تطويرها.
ويحتاج الى جامعات تسمح بالاختلاف، ومدارس تعلم السؤال، وباحثين يستطيعون دراسة المجتمع دون خوف، ومثقفين قادرين على نقد أفكارهم قبل نقد الآخرين.
الفلسفة لا تهدف الى هدم المجتمع، والعلوم الاجتماعية لا تهدف الى مهاجمة الثقافة. وظيفتهما الأساسية هي الفهم والنقد.
وَمن دون فهم، يصبح الإصلاح مجرد شعارات.
ومِن دون نقد، يتحول التعليم الى حفظ.
ومن دون سؤال، تبقى كثير من الأفكار والممارسات موجودة فقط لان أحدا لم يسأل يوما: لماذا؟.







