تخترق أذني الشاب مازن جملة لم يخطط لسماعها، لكنها تغير حياته تغيرًا جذريًا، يجلس ليفكر طويلًا فيما سمع، يلغي كل مواعيده مع أصدقائه سواء للذهاب إلى النادي أو السينما أو غير ذلك، ينشغل عن دراسته وجامعته، يقوم بإلغاء رحلته مع زملائه إلى إحدى المدن الساحلية، يشعر بعدم الرغبة في النجاح والتفوق وتحقيق أحلام والديه، حتى الدواء الذي قرره له طبيبه الخاص لا يجد رغبة في تناوله، وبدأ ينتابه ميل إلى الوحدة والانطواء.
في حجرته المطلة على حديقة واسعة تحيط بالمنزل من جميع الأنحاء، تتجول عيناه لتفحص كل الأشياء بدقة، لكن بنظرة لم يعد بها إعجاب أو سرور، فهذا دولابه ينوء بالملابس من أرقى وأغلى الماركات العالمية، وعلى مكتبه يقف شامخًا جهاز الحاسوب وبجواره جهازان من أحدث الهواتف المحمولة، أما في الركن الأيمن فهناك شاشة تلفاز من الحجم الكبير، وهنا بجوار الباب يستقر حامل من عدة أرفف عليها العديد من الأحذية، فلكل طاقم من الملابس حذاء خاص، أما السرير الفخم فيتوسط الحجرة بجوار جهاز التكييف، ومن زوايا السقف الأربعة تطل مصابيح شفافة ناصعة البياض ومن الوسط تطل نجفة رائعة الشكل والألوان.
يرن الهاتفان عدة مرات لكنه لا ينظر إليهما، يطرق الخادم باب الغرفة مخبرًا إياه بموعد الغذاء لكنه يعلن عدم رغبته، ينظر إلى البحث الذي بدأه لكنه لا يستطيع أن يمسك بالقلم أو يبحث عبر شبكة المعلومات عما يساعده في إنجازه، حالة من الشرود والذهول تسيطر عليه وكأنه لا يشعر ولا يدرك ما حوله.
تعود أمام عينيه صور مما يرى في طريق ذهابه من حيه الراقي إلى جامعته الخاصة وكذلك عند عودته، ففي هذا الحي العشوائي الفقير الذي يمر عليه بسيارته الفخمة، يرى ما لا يصدقه عقل: شيخًا عجوزًا يبحث عن مخلفات الأطعمة في صناديق القمامة، سيدة تنام بين أطفالها على أحد الأرصفة بلا غطاء، أطفالًا يذهبون إلى مدارسهم بملابس ممزقة وأحذية بالية، متسولًا مقطوع الذراعين يبكي طالبًا العطف من المارة، سيارة النقل العام تنوء بالبشر من الداخل وعلى الأبواب حتى يكاد الناس يتساقطون منها، منزلًا يتجه نحو السقوط على من فيه، طوابير طويلة من الرجال والسيدات أمام المخبز وغير ذلك من المشاهد التي يقف أمامها متحيرًا.
يعيده من شروده طرق على باب حجرته مصحوبًا بصوت أمه، ينهض متكاسلًا ليفتح لها ثم يعود ملقيًا جسده على السرير، تنظر الأم ولا تكاد تصدق ما تراه، تشعر بالخوف على ابنها فتبادِر بالسؤال:
— ماذا أصابك يا مازن؟
تنتظر لحظات لكن لا تسمع ردًا، تعيد السؤال معبرة عن قلقها وحزنها لما ترى، لكنها تجد نفس التعامل، وقبل أن تسيطر عليها حالة الغضب تسأله مرة ثالثة بشكل مختلف: هل ينقصك شيء ما؟
لحظات من الصمت والنظرات المتبادلة يرد بعدها الشاب بصوت يملؤه الحسرة والحزن: نعم ينقصنا جميعًا شيء مهم، أتدرين ما هو؟
تمعن الأم النظر إليه ويزداد انتباهها بينما يذهب عقلها إلى الملابس والأطعمة والرحلات لكنها تسأل متعجلة الرد: ما هو يا قلب أمك؟ يأتي رد الابن مخالفًا لكل ما توقعته، يقول بصوت يملؤه الشجن: إن ما ينقصنا هو الإحساس بالفقراء والمحتاجين الذين يأكلون من القمامة، إن ما يفيض من مائدتنا يكفي كثيرًا من الأسرالتي قهرها المجتمع وسلب حقوقها، إنني عندما أنظر إلى وجوه الخدم وهم يعدون الموائد ألاحظ نظرات الكراهية تنصب نحونا.
تصمت الأم في دهشة لكنها تدرك صواب رأيه وصدق ما يقول، يواصل الشاب حديثه: لقد سمعت بلا قصد حديثك مع أبي وأدهشتني كلمتك له بأنه يتقاضى مائة ألف من الجنيهات شهريًا من وظيفته الرسمية ومع ذلك أراه بعيني يقهر الفقراء وينهر السائلين ويسيء معاملة الخدم، الآن عرفت ما هو سبب الأمراض المزمنة التي نعاني منها ولا تجدي معها الأدوية ولا الذهاب لأمهر وأشهر الأطباء، تظل الأم صامتة ولكنها تنخرط في البكاء عندما يخبرها بقراره في الهجرة بعيدًا عن هذا المجتمع المريض.
————
قصة: محمّد الشرقاوي