الأربعاء أبريل 24, 2024
مقالات

عادل الشريف يكتب: «باب العمود» بين المساومة والمقاومة

«إنت كل شيية تأيط تأيط»، كانت هذه كلمة ابنتي قبل ثلاثة عقود ونصف وهي ابنة الثلاث سنوات لابن خالها المساوي لها في العمر تقريبا وتقصد بها الإنكار على بكائه المتكرر..

وبعد هذا العمر أخذتُ أردد هذه الكلمة لصاحبتي التي تنفجر عيونها بالدموع مع مشاهد الجزيرة فإذا خلت في خبائها منفردة بكتاب الشهر الذي تختاره لهن الدكتورة كفاح أبي هنود في مجموعتهن التثقيفية وجدتها أيضا بين فينة وأخرى يعلو نشيج بكائها..

دخلت مقتحما عزلتها هذه المرة أحذرها من كثرة بكائها فلم تمض على عملية إزالة المياه البيضاء من عينيها مع تغيير العدسة الظاهرة اكثر من ثلاثة أشهر بينما لم يمض وقت على عمليتي أنا الآخر أكثر من تسعة أيام، مدت لي يدها بالكتاب لأقنع بسبب بكائها، ورغم أني ممنوع من القراءة هذه الأيام إلا أن باب العمود اقتلعني من كل شيء، لله درك يا كفاح، تأبين إلا ان تُلحقي بقية مجموعتك بالشهيدة (عُلا الطويل) فإن لم تسل سحّات دمائهن في أرض العزة كما الطويل فلتسل سحّات الدمعات لتصنع وجدانا جديدا لنسوة الحضارة الإسلامية في عهدهن الجديد.

تعال يا باب العمود.. كتاب هو.. لا ليس كتابا، قالوا عن أعظم كتب سيبويه (الكتاب) لتألق مادته اللغوية المُحصّنة للغة القرآن.. لكن باب العمود غير.. إنها رسائل عاشق، لا ليست كذلك، لقد قرأت «قواعد العشق الأربعين» لكن العشق فيه ظل مُتهما بغيبوبة العاشقيْن «التبريزي» و«الرومي» فبينما تُزهق أرواح خمسين ألف مسلم في بيت المقدس كان «التبريزي» و«الرومي» يشرفان على صناعة التنورة لتشمل كل الألوان فإذا دار بها الدرويش في رقصتها أذابت الألوان كلها ليذوب العالم كله في لون واحد وفكر واحد، لكنك تجد نفسك في واقع أمرك بعيدا عن الدراويش في عالم محشود بالغطرسة والطغيان والنفاق والفساد يقول عنه خالقه (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين..)،

فحتى أنت يا «إيلي شافاق» لما كتبت قواعد العشق لم تصلي حتى إلى مقدمات عتبة باب العمود.. إذن أقول إنه رسائل بين عاشق ومعشوقته فلِمَ لا تصنفه في هذا السياق يا رجل وتستريح.. تبا لي إن فعلت ذلك فـ«مجنون ليلى» كان عاشقا فهل يليق القياس؟،

رغم أنني تعلمت من حادثة له مع كلب ليلى حتمية خشوع الصلاة والانذهال فيها عن ماعدا الله، فقد كان يتتبع كلب ليلى لعله يصل إلى مكان إخفائها حيث خبأها ابوها عنه وبينما هو متتبع للكلب مر بجماعة تصلي في الخلاء أمام متاجرهم في السوق فلم يلحظهم، فرآه صاحب له غداة اليوم التالي فقال مررت علينا يا رجل ونحن نصلي فلم لم تصل معنا، فقال المجنون عجيب أمركم كنت خلف كلب ليلى مذهولا عما سواه وأنتم في صلاتكم بين يدي الله لم تصلوا بخشوعكم إلى خشوعي بين يدي كلب فتبا لصلاتكم.. ورغم ذلك فقصة كل مجانين العشق لا تصل إلى نعل عاشقيّ قصة باب العمود.

نعم إن بطل قصة باب العمود واحد من هؤلاء الذين سرعان ما مر شريط الأخبار يوما أمامك عن قائم بعملية طعن أو دهس عند باب العمود وهو أحد بوابات المسجد الأقصى، لكنه يا حبيبي عاشق تُساعي الأبعاد، فهو عاشق ربه ودين ربه ومقدسات ربه وقرآن ربه إنه عاشق أمته وعاشق فريد لـ«بهية» زوجته.. وكتاب باب العمود هو رسائله لزوجته يحدثها فيه عن خلجات نفسه وخلجات نفسها فهو ترمومتر الحياة كلها.. بالنسبة لها.. إنه يفسرها ويعرف تطور حالات أفكارها وهو صامت في المحكمة الصهيونية وهي صامتة لكنه يتكلم في رسائله لها ويصف لها تفاصيل حالها حتى وهي الصامتة.

في الكتاب ستعرف أنه أدرك رسالته حيث القليل من يدرك، وعلم الفارق الضخم بين المساوم والمقاوم، بين مهرولي أوسلو وكامب ديفيد ووادي عربة وبين من يعشق الحرية مقترنة بالعزة والكرامة وأن سبيلها واحد لا يسلكه إلا العابد الصادق للإله الواحد.. وأنت عبد صادق لربك ستكون أغلى أحرار الأرض وساعتها سترى صف المقاومة صفا من نور يتلألأ وسترى صف المساومة صفا من الخنازير الكئيبة الخائنة المنبطحة مهزومة قبل ان تولد لا قبل أن يؤذن مؤذن المعاركة.

ولذلك ووفق هذا التكوين النادر والنادر جدا سترى طرحا جديدا لقضية توحيد الله لم يخطر على بال بن حنبل وبن تيمية وبن عبد الوهاب، ولكن ربما اقترب منه جدا قطب الظلال.. فما دام لا إله إلا أنت، فكل شيء ينبغي أن يكون على هذا النسق، كل شيء غير كل شيء.. فلا صلاة تشبه صلاة الحر المقاوم.. ولا عشق للقدس يشبه عشقه.. ولا هناك يشبه هناك.. ولا صبر يشبه صبر هناك. ولا جوع يشبه جوع هناك.. ولا موت حتى يشبه الموت هناك..

لقد كان النبي يتمنى لو ترك جثمان حمزة للغربان والعقران لتكتمل عنفوانية المهر الذي يقدمه لحبيبه ومعشوقه الأول والآخر والظاهر والباطن، فلذلك فلا صرخة تشبه الصرخة هناك، ولا دمعات حزن وأسى كدمعات غزة وهي تتملى وجوه العاجزين والجبناء والمخذّلين والمتآمرين والحاقدين وأولهم عباس اللعين وصحبه المأجورين.

هناك في غزة كعبة وحج وطواف وسعي.. هناك ستجد هاجر الملهوفة فسعيها ملهوف، وانتظار الفرج هناك غير مألوف.. هناك الطواف متبتل وخاشع ودامع.. هناك الله حقا وصدقا ويقينا بلا ترهل في التصورات، ولا انحراف في الاعتقاد، ولا كسل ولا تثاؤب هناك حين ذكر ربك فالتكبير هناك مقترن بقرينة التحرك نحو الساحات واحتمال اللارجوع أضعاف أضعاف احتمال الرجوع.. هناك يا صاح الله الذي لإله إلا الله.

غزة منصة محاضرة كونية والكل أمامها تلميذ يحبو والمحاضر كما رأيتموه قد يكون حافيا أو ينتعل نعلا رخيصا لكنك تستشعر شرف أن يلقي السلام عليك.. السلام؟ السلام الحق.. وليس سلام تحمل راياته الثعابين حتى إذا قنع الحمام ورفع غصن الزيتون في منقاره كما يريد عباس من المقاومة فساعتها ليس إلا ان تلتهم الثعابين بيض الحمام لتنعدم الأفراخ والمستقبل والحياة.. كل ذلك يفقهه هذا العاشق والنفس أبية.. هذا العاشق وللتراب تحت نعاله نور ومعنى.. لا تبكِ أنتِ يا سيدتي هذه المرة.. فهذا دوري أنا رغم تحذير الطبيب.

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قناة جريدة الأمة على يوتيوب