ثالثاً: القوانين الخمس للمشاركة السياسية…
من أهم الأخطاء الكبيرة التي يقع فيها الكثير من السياسيين عندما يعتبرون أن المشاركة السياسية بمثابة وصفة سحرية تؤدي تلقائيا إلى الإصلاح، أو التعامل معها كقيمة مطلقة تصلح في كل زمان ومكان وبالدرجة نفسها.. فقد كشفت التجارب السياسية القديمة والحديثة أن الوسيلة الواحدة قد تؤدي إلى نتائج متناقضة باختلاف البيئة السياسية والاجتماعية والثقافية التي تعمل داخلها.. فقد تكون الانتخابات في مجتمع معين أداة حقيقية للتداول على السلطة، بينما تتحول في مجتمع آخر إلى مجرد آلية لإعادة إنتاج التوازنات القائمة، أو إلى وسيلة تمنح الشرعية الانتخابية لمؤسسات دون أن تمتلك القرار الحقيقي.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق الدعوة إلى المشاركة ليس بالضرورة هو: «هل نشارك أو لا؟»، وإنما السؤال الأساس هو: «هل تتوفر الشروط التي تجعل المشاركة قادرة على تحقيق أهدافها؟».
وكي تحقق هذه المشاركة أهدافها لابد من التعرف على خمس قوانين مجتمعة، وهي كالآتي:
القانون الأول: المشاركة السياسية لن تصلح الدولة إذا لم تغير المجتمع.
وأول هذه الشروط أن تدرك القوى السياسية أن المجتمع يسبق الدولة في عملية الإصلاح، وأن الدولة ليست نقطة البداية، وإنما هي في كثير من الأحيان نتيجة لموازين القوى داخل المجتمع نفسه.
فلقد اعتادت الأحزاب السياسية في الوطن العربي أن تجعل الدولة نقطة بدايتها، ومركز مشروعها السياسي، وأن تتعامل مع الانتخابات باعتبارها أقصر طريق يؤدي إلى الإصلاح.. غير أن التجارب المتراكمة أثبتت أن الوصول إلى المؤسسات لا يعني بالضرورة الوصول إلى مراكز القرار، كما أن الوصول إلى الحكومة لا يعني امتلاك القدرة على إعادة تشكيل الدولة أو تغيير اختياراتها الكبرى أو التأثير في بنيتها. والذي تأكد مع توالي الإخفاقات أن الدولة ليست بداية الإصلاح، وإنما نتيجة له.. لأن المجتمع هو، في نهاية المطاف، المصدر الأعمق لاستقرار الدولة واتجاهها، وإن كانت الدولة بدورها تمتلك قدرة كبيرة على إعادة تشكيل المجتمع والتأثير في بنيته وثقافته..
لهذا أخطأت كثير من الأحزاب السياسية وبعض التنظيمات الإسلامية (التي غيرت منهجها وأولوياتها ووجهتها) حين اعتقدت أن إصلاح الدولة يمكن أن يسبق إصلاح المجتمع، أو الاعتقاد بأن إصلاح الدولة هو المدخل الرئيسي لإصلاح المجتمع.. بينما كان الأجدر أن تعمل على المسارين معا.
فالمشاركة التي تنطلق من الدولة وحدها، وتتجاهل المجتمع، تجد نفسها بعد سنوات أمام مفارقة عجيبة: مؤسسات منتخبة ذات صلاحيات محدودة، وأحزاب تتحمل المسؤولية أمام المواطنين دون أن تمتلك ما يكفي من السلطة أمام الدولة، وحكومات تُحاسب على نتائج اقتصادية واجتماعية لا تملك جميع أدوات صناعتها.
وفي هذا الإطار نبه الدكتور فريد الأنصاري رحمه الله إلى أن الخلل يبدأ عندما تتحول السياسة من وسيلة إلى غاية، ويصبح التوسع السياسي على حساب البناء المجتمعي والتربوي، لأن إقامة الدين والإصلاح لا ينحصران في الوصول إلى السلطة..
أما الدكتور العلامة أحمد الريسوني حفظه الله وفي كتابه “الأمة هي الأصل”، وكذا في مقالته “الأمة والدولة بين الوضع السوي والوضع المقلوب”، دافع عن أطروحة واضحة مفادها أن الأمة هي الأصل، والدولة فرع، كما انتقد تضخم دور الدولة في الفكر السياسي الحديث على حساب المجتمع والأمة، ويرى أن الإصلاح يبدأ من الأمة ودورها، لا من تضخيم الدولة وحدها.
وهذا ما استقر عليه أكثر مفكري علم الاجتماع السياسي الذين اعتبروا أن بناء مؤسسات قوية ومستقرة يرتبط بوجود مجتمع منظم وقادر على إنتاج نخب مستقلة، وأن العلاقة بين الدولة والمجتمع علاقة تفاعلية، وليست أحادية الاتجاه..
لذلك فالمشاركة السياسية التي تجعل المجتمع شريكاً أصيلاً في مشروع الإصلاح، لا تنظر إلى الانتخابات باعتبارها نقطة الوصول، وإنما باعتبارها محطة صغيرة وعابرة من محطات أكبر في مسار أطول وأعمق.
فالانتخابات قد تمنح الحزب عدداً من المقاعد، لكنها لا تمنحه تلقائياً مجتمعاً واعياً، ولا إعلاماً مستقلاً، ولا جامعة منتجة للفكر، ولا نقابات قوية، ولا جمعيات مؤثرة، ولا نخباً قادرة على الدفاع عن مشروعه خارج المؤسسات.
ولعل هذا ما يفسر إصرار مالك بن نبي على أن مشكلات العالم الإسلامي هي في جوهرها مشكلات حضارة قبل أن تكون مشكلات سلطة أو إدارة، وأن النهضة لا تبدأ بالدخول إلى أجهزة الدولة، وإنما ببناء الإنسان، وإصلاح عالم الأفكار، وإعادة تشكيل الثقافة التي تنتج السلوك والمؤسسات. ولذلك كان يرى أن التركيز على تغيير البنية السياسية وحدها لا يكفي إذا ظل المجتمع يحمل الأفكار نفسها التي أنتجت التخلف، لأن الدولة ليست سوى إحدى ثمار الواقع الحضاري للمجتمع، وليست صانعة لهذا الواقع بمفردها.
كما أكد ذلك عدد من كبار مفكري علم الاجتماع السياسي الغربي.. فقد رأى ألكسيس دو توكفيل (1)، منذ القرن التاسع عشر، أن الجمعيات المدنية هي “المدارس الحرة الكبرى” التي يتعلم فيها المواطنون فن العمل الجماعي، وأن الديمقراطية لا تقوم على المؤسسات الرسمية وحدها، بل على المجتمع المنظم القادر على التعاون والمبادرة. ثم جاء روبرت بوتنام (2) بعد أكثر من قرن ليؤكد، من خلال مفهوم “رأس المال الاجتماعي”، أن قوة الديمقراطية ترتبط أساسًا بقوةِ شبكاتِ الثقة والتعاون والمشاركة المدنية، وأن تراجع هذه الشبكات يؤدي إلى إضعاف الديمقراطية نفسها، مهما بدت المؤسسات السياسية قوية، ومن أشهر أفكاره أن تراجع التصويت (العزوف) ليس هو المشكلة الأساسية – في نظره – وإنما تراجع المشاركة المدنية التي تمنح الديمقراطية حياتها.
ومن هنا فإن المشاركة السياسية، من منظور حضاري، لا تكون مشروعًا لتغيير الحكومات أو لإصلاح بنية الدولة الفاسدة والمستبدة فحسب، وإنما مشروعًا لتغيير البيئة الاجتماعية والثقافية التي تُنتج الحكومات وتحدد سقف وقدرة هذه الحكومة على الإصلاح.
القانون الثاني: كلما كانت القوة المجتمعية قوية، كلما كانت المشاركة السياسية أقوى.
وهنا تتجلى حقيقة ذات أبعاد سياسية واجتماعية وثقافية، حقيقة كثيراً ما يغفل عنها الفاعلون السياسيون، تتجلى في كون الحزب السياسي لا يدخل الانتخابات وحده، وإنما يدخلها ومعه مستوى معتبر من وعي المجتمع.. ثقافته.. نقاباته.. إعلامه.. جامعاته.. مثقفوه.. علماؤه وجمعياته.. فإذا كانت هذه الجهات والمجالات ضعيفة في مجموعها، فلن يستطيع لا البرلمان ولا الحكومة وحدهما تعويضها أو ملء الفراغ الذي تتسبب فيه.
فإذا كان المجتمع بجميع مكوناته ضعيف التنظيم، محدود الوعي، قليل المبادرة، فإن نتائج الانتخابات، مهما كانت إيجابية، ستظل محدودة الأثر، لأن هذه النتائج انعكاس لوعي وواقع المجتمع، ولأن المؤسسات المنتخبة لن تجد وراءها القوة المجتمعية الكافية لحماية الإصلاح أو فرض استمراره.
ومن هنا يمكن القول إن نجاح المشاركة لا يقاس بعدد المقاعد التي تحققها، وإنما بقدرتها على بناء القوة المجتمعية التي تحمي تلك المقاعد حتى لا تحول إلى مجرد مواقع إدارية داخل نظام سياسي لا تتغير موازين القوة داخله.
ولهذا فإن المشاركة التي تنتهي عند البرلمان والحكومة، تنتهي عملياً بانتهاء ولاية البرلمان والحكومة.. أما المشاركة التي تبدأ من المجتمع، فإن أثرها يستمر حتى بعد خروج أصحابها من المؤسسات.
وقد أثبتت تجارب كثيرة أن الأحزاب التي جعلت همها الأول هو التوسع الانتخابي، دون الاستثمار في بناء الإنسان، وتكوين النخب، وإنتاج الفكر، وترسيخ الثقافة الديمقراطية، كانت أكثر عرضة للاستنزاف السياسي، لأنها بنت قوتها فوق نتائج انتخابية هشة ومتقلبة، ويغلب عليها العزوف ويلفها الغموض وتنقصها النزاهة، ولم تبن قوتها فوق أرضية صلبة ومجتمع قوي وواع وقادر على الدفاع عنها وعن مشروعها (ويمكن أن نلاحظ كيف وقف الشعب التركي في وجه الانقلاب العسكري من أجل حماية الشرعية والديمقراطية، ودور القوة المجتمعية في إفشاله).
لابد من التوقف عن اختزال السياسة في ذلك السباق المحموم نحو المقاعد (دون إنكار أهمية الفوز في الانتخابات)، لأن السياسة عملية تراكم تاريخي.. والتراكم لا يقاس بعدد الحكومات التي شارك فيها حزب ما، بل بما تركه في المجتمع من مؤسسات، وأفكار، وكفاءات، وثقافة، ووعي، واستقلالية.
ولذلك فإن المشاركة السياسية الناجحة هي التي تراكم القوة، قوة التأثير، قوة الإصلاح، قوة الاقتراح والقوة المجتمعية… قبل أن تراكم المقاعد، لأن المقاعد قد تأتي بها الانتخابات، أما القوة فلا يمنحها إلا المجتمع.
ومن هنا أيضاً ينبغي إعادة النظر في الطريقة التي نقيس بها نجاح المشاركة.. فمن الخطأ أن نحصر هذا القياس في عدد النواب أو الوزراء أو رؤساء الجماعات، لأن هذه كلها مؤشرات جزئية قد تعكس نجاحاً انتخابياً، لكنها لا تعكس بالضرورة نجاحاً سياسياً.
أما المؤشرات الأعمق والأهم هي تلك التي تقيس أثر المشاركة في المجتمع نفسه، هل ارتفع مستوى الوعي السياسي؟ هل أصبحت النخب أكثر استقلالاً؟ هل تقوت مؤسسات المجتمع المدني؟ هل اتسعت دائرة المبادرة الحرة؟ هل أصبحت الثقافة الديمقراطية أكثر رسوخاً؟ هل ازداد استعداد المواطنين للدفاع عن حقوقهم؟ وهل أصبح المجتمع أكثر قدرة على التأثير في الدولة؟
إن هذه الأسئلة، في تقديري، أهم بكثير من السؤال المتعلق بعدد المقاعد، لأنها مؤشرات تقيس ما يبقى بعد انتهاء الانتخابات، لا ما يحدث أثناءها فقط.. فالانتخابات يوم واحد، أما بناء المجتمع فهو مشروع أجيال.
فكلما كانت القوة المجتمعية أوسع وأعمق، إلا وكانت المشاركة السياسية أقدر على تحويل الفوز الانتخابي إلى إصلاح مستدام، وكلما ضعفت هذه القوة إلا وبقيت الانتخابات عاجزة عن تجاوز حدود المؤسسات، وأكثر عجزا عن تغيير موازين القوة داخل المجتمع والدولة..
ومن هنا، فإن المشاركة الانتخابية التي تستهلك طاقتها كلها في الوصول إلى المؤسسات، وتغفل بناء القوة المجتمعية، قد تحقق نجاحاً انتخابياً مؤقتاً، لكنها ستظل عاجزة عن إحداث تحول سياسي عميق. أما المشاركة السياسية التي تجعل من الانتخابات إحدى وسائل مشروع مجتمعي واسع، فإنها حتى لو خسرت بعض المقاعد، فإنها في الغالب قد ربحت المستقبل، لأنها ساهمت في بناء المجتمع الذي سيصبح، مع مرور الزمن، أكثر قدرة على فرض الإصلاح، وأكثر استعداداً لحماية الحرية، وأقل قابلية للخضوع للاستبداد والتعايش مع الفساد.
يتبع: ثلاث قوانين أخرى
(1) أليكسيس دو توكفيل، ولد سنة 1805 بفرنسا، قاضي ومفكر سياسي ومؤرخ، انتقل إلى أمريكا سنة 1831، أهم كتبه الديمقراطية في أمريكا، النظام القديم والثورة الفرنسية..
(2) روبرت بوتنام، عالم سياسة امريكي أستاذ بجامعة هارفرد، من أهم الباحثين في رأس المال الاجتماعي، أهم كتبه جعل الديمقراطية تعمل.







