بينما يحاول الإعلام السعودي الترويج للاتفاق مكة بين تركيا والسعودية وباكستان بأنه وسيلة لردع إيران.
يري الإعلام الإماراتي أن اتفاقية الدفاع المشترك بين الدول الثلاثة والتي تنص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعتبر هجومًا على الثلاث جميعًا.
كما يهدف الاتفاق أيضًا إلى تعزيز جميع جوانب التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث. بأنه تحالف بلا هدف ولم يحدد العدو المشترك..
في الواقع هذه الاتفاقية ولدت كنتيجة لفشل حرب نتنياهو وترامب على إيران والتي تم خوضها لتحقيق هدف استراتيجي هام غير معلن وهو تنصيب إسرائيل كشرطي للخليج على أن تصبح الإمارات مقر وقاعدة متقدمة لمعادلة الأمن الجديدة المزمع فرضها بعد التخلص من النظام الإيراني.
ولكن صمود إيران العسكري غير قواعد اللعبة تماما واطاح بالنفود الأمريكي في الخليج واثبت هشاشة نموذج اسبرطة الإسرائيلي وأصبح بالتالي هناك فراغ أمني وفرصة ذهبية للرياض للتخلص من ثمن الوصاية الأمنية الأمريكية باهظة التكلفة والمفروض من سبعينيات القرن الماضي على أساس الحماية الأمريكية للنظام الملكي السعودي مقابل بيع النفط بالدولار..
ولكن هل اتفاقية مكة موجهة ضد إيران كما يروج بعض الأقلام السعودية؟
ورغم أن هذه الاتفاقية وقعت تحت غطاء دخان صواريخ الحوثي التي ضربت مدينة نجران ولكن ليس الهدف منها اليمن وإيران.
فلو كان الهدف من اتفاق مكة هو حصار إيران عسكريًا بالمعنى التقليدي، لكان اختيار باكستان شريكًا رئيسيًا فيه أمرًا شديد التناقض؛ فإسلام آباد لم تقطع خيطها مع طهران، بل لعبت دور الوسيط بين واشنطن وإيران حتى توقيع مذكرة إسلام آباد
كما أن هذه الاتفاقية تُبنى على اتفاقية ثنائية سابقة بين السعودية وباكستان تم توقعيها قبل الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، إلا أن ذلك لم يمنع إيران من مهاجمة قواعد أمريكية بالسعودية
ولم تدخل باكستان الحرب ضد إيران فقط عززت وجودها العسكري والدفاعي في السعودية.
وفي الوقت نفسه ظلت إسلام آباد الرئة التي تنفست عبرها طهران سياسيا واقتصاديا طوال شهور الحرب.
لذلك يمكن الاستنتاج
بأن اتفاقية مكة ماهي إلا دليل على فقدان الثقة الإقليمية بالولايات المتحدة بعد غرقها في مضيق هرمز وتآكل مكانتها كقوة فاعلة في العالم. وتعكس كذلك تلك الاتفاقية
تآكل مظلة الحماية الإسرائيلية مما ادي الي تعثر مشروع إسرائيل الكبري كـحليفة استراتيجية حصرية لدول الخليج بمعاونة الهند.
لذا فإن اتفاق مكة يقرأ جيدا الآن بقلق شديد في نيودلهي وتل أبيب
فتمرير الاتفاقية باستخدام شبكة واي فاي مكة المقدسة، جعلت الإشارة قوية والرسائل الجيوسياسية أكثر عمقا
فامتلاك الدول الثلاث قدرات ومواقع استراتيجية تمتد من شرق المتوسط إلى الخليج وبحر العرب ومضيق باب المندب والبحر الأحمر يمنح الاتفاق قوة للتأثير في أمن الممرات البحرية الحيوية للكيان
الإسرائيلي والهندي لا شك أنه آمر يضعهما تحت ضغط ويقطع التواصل التجاري الهندي الإسرائيلي..
ولكن ماذا عن البعد الاستراتيجي لتلك الاتفاقية.
تملك باكستان: 170 رأس نووي، وقوة صاروخية كبيرة، بالإضافة إلى مخزون كبير ومتزايد من المواد الانشطارية التي يمكن أن تدعم توسع الترسانة النووية.
وتسمح تلك الاتفاقية بوجود “مظلة نووية” باكستانية
قد تمنح مساحة استراتيجية أوسع لتركيا للقيام بتحركات عسكرية في سوريا دون خشية المواجهة
مع إسرائيل
فأحد أهداف أردوغان الوصول بنفوذه الي قرب حدود الجولان وهذا له ما بعده في ظل احتقان سياسي مستمر بين أنقرة ونتنياهو وصل الي حد قيام إسرائيل بقصف قواعد عسكرية في حماة وريف حمص ومطار تدمر في أبريل 2025 لمنع أنقرة من التمدد العسكري في العمق السوري.
الآن بعد تلك الاتفاقية فقط مجرد انضمام سوريا مستقبلا لاتفاق مكة يصبح نتنياهو تحت الحصار ويمكن بسهولة ان نري قوات باكستانية وتركية على الحدود الإسرائيلية مما يشكل ردع قوي أمام بلطجة نتنياهو في سوريا ولبنان والضفة وقطاع غزة.
للمظاهر أهمية بالغة في الجغرافيا السياسية
فتمرير الاتفاقية تحت ظلال المظلة الروحية لمكة
والصلاة المشتركة في الحرم المكي تبعث برسالة تعهد وميثاق أمام الله علي نصرة ورفع لواء الإسلام والبوصلة فلسطين
إنه يخلق تحالفًا سنيًا قويًا يبعد التطبيع ويحرق أسطورة الديانة الإبراهيمية. هذا صحيح.
ولكن هل كل شيء قابل للتغيير في لحظة؟
لاتفاقيات في الشرق الأوسط لا تصمد دائمًا أمام اختبار الواقع. فإذا تغيرت الحكومة المتطرفة في إسرائيل وجاء بديل أفضل من نتنياهو، فماذا سوف يحدث؟
يجب الا ننسي حتى سنوات قليلة مضت، كانت السعودية وتركيا على خلاف بسبب قضية خاشقجي.
لذلك
يُغيّر اتفاق مكة للدفاع المشترك المعادلة الإقليمية في الوقت الحالي، لكن نجاحه الحقيقي سيُقاس بمدى قدرته على الاستمرارية والفاعلية وقدرته على خوض حرب
لتعزيز الردع وفقا لرمزية استحضار قبلة العالم الإسلام كشاهد على توقيع تلك الاتفاقية، فالمقياس الحقيقي لأي شراكة دفاعية هو أفعالها، ومدى تحقيقها لأهدافها غير المعلنة.
فالاتفاقيات لا تصنع موازين القوة بل موازين القوى هي التي تمنح الاتفاقيات قيمتها. وفي الشرق الأوسط، لن يُختبر اتفاق مكة في قاعات التوقيع، وإنما في أول أزمة حقيقية تُجبر أطرافه على الاختيار بين الالتزام بما وقعوه وبين حسابات المصالح


