مَا زِلْتُ تَحْتَ مَطَارِقِ الْأَكْدَارِ
سِنْدَانُ قَلْبِي يَكْتَوِي بِالنَّارِ
مَا زِلْتُ رَهْنًا لِلْبَلَاءِ وَفِي الْمَدَى
أَحْيَا الْأَسِيرَ بِقَبْضَةِ الْأَسْوَارِ
زِنْزَانَةُ الْقَهْرِ الْمُكَابِرِ عَالَمِي
وَجَرِيمَتِي هِيَ وَجْهَةُ الْأَشْعَارِ
مَا زَالَتِ الْأَحْدَاثُ تَضْرِبُ مُهْجَتِي
وَيَسِيرُ فَوْقَ الْجَمْرِ خَطْوُ مَسَارِي
مَا زَالَتِ الْأَشْوَاكُ فِي حَلْقِ الْمُنَى
وَهُمُومُنَا حَبْلٌ عَلَى الْجَرَّارِ
وَالْعَاصِفَاتُ تَثُورُ حَوْلَ حَيَاتِنَا
نَنْجُو مِنَ الْإِعْصَارِ لِلْإِعْصَارِ
وَسِهَامُ فَقْدِ أَحِبَّتِي تَنْتَابُنِي
أَقْوَاسُهَا مَشْدُودَةُ الْأَوْتَارِ
وَأَشَدُّ مَا أَلْقَاهُ مِنْهَا عِنْدَمَا
فِي الرُّوحِ تَقْصِدُ أَعْمَقَ الْأَغْوَارِ
وَالْيَوْمَ جُرِّعْتُ احْتِدَامَ فَجِيعَةٍ
وَدَهَى الرَّدَى بِالنَّابِ وَالْأَظْفَارِ
(حُبِّي أَبَا مَجْدٍ) وَأُرْسِلَ لِلثَّرَى
نَجْمُ الثُّرَيَّا سَاطِعُ الْأَنْوَارِ
الْيَوْمَ تُدْفَنُ زَهْرَةٌ فَوَّاحَةٌ
كَانَتْ تَجُودُ بِأَطْيَبِ الْأَعْطَارِ
الْيَوْمَ تُقْتَلَعُ الْمُصِيبَةُ دَوْحَةً
كَانَتْ فَرِيدَةَ عَالَمِ الْأَشْجَارِ
الْيَوْمَ تَفْتَقِدُ الْأَصَالَةُ حَارِسًا
مُتَحَفِّزَ الْيَقَظَاتِ فِي الْأَسْحَارِ
مُتَمَكِّنٌ فَطِنٌ رُؤَاهُ تَمَلَّكَتْ
عَيْنَ الصُّقُورِ وَخِبْرَةَ الصَّقَّارِ
الْيَوْمَ تَسْقُطُ رَايَةٌ خَفَّاقَةٌ
فَرَسُ الرِّهَانِ يَمُوتُ فِي الْمِضْمَارِ
*****
يَا فَيْضَ نَفْسِي بِالْأَسَى الْمَوَّارِ
وَالدَّمْعُ فِي عَيْنِي كَالْأَحْجَارِ
وَلَوِ الدُّمُوعُ تُعِيدُ يَوْمًا رَاحِلًا
لَجَرَتْ دُمُوعُ النَّاسِ كَالْأَنْهَارِ
يَا سَيِّدِي كَمْ كُنْتَ تُؤْنِسُ وَحْشَتِي
فِي كُلِّ حَالِكَةٍ بِالِاسْتِبْشَارِ
مُتَفَائِلًا وَلَكَ الْيَقِينُ عَبَاءَةٌ
أَعْطَاكَ رَبُّكَ ثَاقِبَ الْإِبْصَارِ
فَتَرَى بِنُورِ اللَّهِ دُونَ غِشَاوَةٍ
وَالْأَمْرُ مُحْتَجِبٌ وَرَاءَ سِتَارِ
مَا كُنْتَ تَحْتَرِفُ الْبُكَاءَ عَلَى الَّذِي
قَدْ ضَاعَ مِنْ جُهْدٍ وَمِنْ أَثْمَارِ
لَكِنْ تَجِدُّ لِكَيْ تُشَيِّدَ دَائِمًا
تَحْدُوكَ أَدْوَارٌ إِلَى أَدْوَارِ
لِجَلَائِلِ الْأَعْمَالِ تُنْدَبُ مُخْلِصًا
فَتَجُودُ تَأْبَى ضَيْعَةَ الْأَعْمَارِ
لَكَ هِمَّةٌ لَا تَسْتَكِينُ.. وَقُودُهَا
فَيْضُ التَّلَقِّي مِنْ عَطَاءِ الْبَارِي
يَا أَيُّهَا الْفَذُّ الْمُوَفَّقُ سَعْيُهُ
دَأَبًا كَسَعْيِ الشَّمْسِ وَالْأَقْمَارِ
قَدْ كُنْتَ فِي دُنْيَا الْمَعَارِفِ شُعْلَةً
مَوْصُولَةً بِبَرَامِجِ الْإِبْهَارِ
فَوَّاحَةً بِالضَّوْءِ حَيْثُ تُرِيدُهَا
غَايَاتُنَا بِسَمَاحَةِ الْأَنْصَارِ
يَا مَنْ لِدِينِ اللَّهِ كُنْتَ مُنَافِحًا
بِالْعِلْمِ تُلْجِمُ طُغْمَةَ الْفُجَّارِ
كَمْ ذَا قَذَفْتَ عَلَى الْمُكَابِرِ حُجَّةً
فَغَدَا ضَئِيلًا مُهْمَلَ الْمِقْدَارِ
بَعْدَ انْتِفَاخٍ بِالْخَوَاءِ أَتَتْ لَهُ
كَلِمَاتُكُمْ بِالْحَقِّ كَالْمِسْمَار
زَالَ انْتِفَاشُ بَاطِلٍ وَمُزَخْرَفٍ
وَبَدَا ائْتِلَاقُ الْحَقِّ لِلْأَنْظَارِ
أَطْفَأْتَ أَنْتَ لَهِيبَ غِرٍّ مُغْرِضٍ
فَسَعَى تَجَاسُرُهُ إِلَى الْإِدْبَارِ
*****
يَا خَالِدَ الْآرَاءِ وَالْأَفْكَارِ
يَا سَامِقَ الْقُدْرَاتِ وَالْأَوْطَارِ
قَدْ كُنْتُ أَعْجَبُ مِنْ مَدَاكَ مُجَامِلًا
مِنْ أَيْنَ كُنْتَ تَجِيءُ بِالْأَخْبَارِ
وَبِصَهْوَةِ الْبَرَكَاتِ عَزْمُكَ يَغْتَدِي
وَيَرُوحُ جَهْدًا مُنْشِئًا وَيُجَارِي
فِي سَائِرِ الْأَحْدَاثِ قَلْبُكَ حَاضِرٌ
يَا نَفْحَةً مِنْ عَالَمِ الْأَبْرَارِ
كَمْ كُنْتَ فِي جَبْرِ الْخَوَاطِرِ آيَةً
مَيْمُونَةَ اللَّمَسَاتِ وَالْآثَارِ
فِي الْعِلْمِ وَالْفِكْرِ الْبَدِيعِ مَكَانَةٌ
عُلْيَا بِلَا زَهْوٍ وَلَا اسْتِكْبَارِ
لِلْحَقِّ كُنْتَ دَلِيلَ مَنْ يَصْبُو لَهُ
وَلِمَنْ بَغَى فَكَسَيْفِهِ الْبَتَّارِ
وَاللَّهِ لَوْ سُطِّرَتْ أَلْفُ قَصِيدَةٍ
فِي فَضْلِكُمْ مَا جِئْتُ بِالْمِعْشَارِ
*****
يَا مَرْجِعِيَّةَ أَحْرُفِي وَمَنَارِي
كُنْتَ الشِّرَاعَ وَكُنْتَ أَنْتَ الصَّارِي
لِلْمُنْتَمِي فِي السَّاحِ مِنْ أُدَبَائِنَا
نُصْحًا وَتَشْجِيعًا بِكُلِّ مَدَارِ
تَقْسُو عَلَى الْمُتَحَقِّقِينَ مَحَبَّةً
وَتُشِيرُ صَوْبَ الْمَنْجَمِ الْمُتَوَارِي
كَيْ يَفْتَحُوا أَبْوَابَهُ بِبَرَاعَةٍ
شَوْقًا إِلَى مَا فِيهِ مِنْ أَسْرَارِ
وَتُشَجِّعُ الْمُتَلَمِّسِينَ دُرُوبَهُمْ
حَتَّى يَذُوقُوا لَذَّةَ الْإِكْبَارِ
وَالْآنَ تَرْحَلُ فَجْأَةً بِإِرَادَةٍ
عُلْوِيَّةٍ لِمُقَدِّرِ الْأَقْدَارِ
وَتَرَكْتَنَا فِي حِقْبَةٍ تَلْهُو بِنَا
وَالْكَأْسُ مُتْرَعَةٌ بِكُلِّ مَرَارِ
أَتُرَى يُعَزِّي النَّفْسَ فِيكَ تَذَكُّرِي
بَيْتًا يَفِيضُ بِحِكْمَةِ الْأَشْعَارِ
«جَاوَرْتُ أَعْدَائِي وَجَاوَرَ رَبَّهُ
شَتَّانَ بَيْنَ جِوَارِهِ وَجِوَارِي»


