صدرت عن دار نفرتيتي للنشر والتوزيع الترجمة العربية لكتاب “الإمبراطورية الأخيرة” للمؤرخ الأوكراني الأمريكي سيرجي بلوخي، بترجمة الدكتور نبيل رشوان.
يتناول الكتاب الأيام الأخيرة من عمر الاتحاد السوفيتي، اعتمادا على الأرشيفات والوثائق الأمريكية التي رفعت عنها السرية، خاصة أرشيفات الرئيس جورج بوش الأب.
يقع الكتاب في نحو 358 صفحة، ويصنف ضمن كتب التاريخ السياسي والعلاقات الدولية ودراسات الحرب الباردة.
العنوان الأصلي للكتاب هو The Last Empire: The Final Days of the Soviet Union، وقد نشر بالإنجليزية عام 2014.
مقدمة
يمثل انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 أحد أهم التحولات في التاريخ الحديث، غير أن كثيرا من الروايات التي قدمت حول هذا الحدث جاءت مبسطة أو منحازة.
يقدم سيرجي بلوخي في هذا الكتاب سردا مختلفا، مدعوما بالوثائق، يرى أن الولايات المتحدة لم تكن تسعى إلى تفكيك الاتحاد السوفيتي، بل كانت تخشى انهياره المفاجئ.
هذه المفارقة التاريخية تجعل الكتاب جديرا بالقراءة، خصوصا في زمن تعود فيه المنافسة بين روسيا والغرب إلى الواجهة.
كما يمنح الكتاب القارئ العربي فرصة لفهم جذور الأزمة الأوكرانية التي اندلعت عام 2014، والتي لا تزال تداعياتها مستمرة حتى اليوم.
تلخيص الكتاب في بضعة أسطر
يروي الكتاب قصة الأشهر الستة الأخيرة من عمر الاتحاد السوفيتي، من قمة موسكو في يوليو 1991 إلى إنزال العلم الأحمر فوق الكرملين في ديسمبر من العام نفسه.
ويؤكد المؤلف أن العامل الحاسم في الانهيار لم يكن ضغطا أمريكيا ولا مؤامرة خارجية، بل قرار أوكرانيا بالاستقلال عبر استفتاء شعبي في الأول من ديسمبر 1991.
ويوضح أن واشنطن ضغطت في اتجاه الحفاظ على الاتحاد خوفا من سيناريو فوضى نووية شبيهة بما جرى في يوغوسلافيا.
وينتهي الكتاب إلى أن الاتحاد السوفيتي لم يسقط بانفجار مدو، بل بصفقة سياسية أبرمت خلف الأبواب المغلقة.
أهم فصول الكتاب ومضمونها
يبدأ الكتاب بفصل عن القمة الأخيرة بين غورباتشوف وبوش في موسكو، حيث بدت لحظات الأمل الأخيرة لاستمرار الاتحاد ممكنة.
ثم ينتقل إلى فصل انقلاب أغسطس 1991، حيث يصف تفاصيل لجنة الطوارئ ومحاولة الإطاحة بغورباتشوف، وكيف فشلت بسبب التردد وضعف التخطيط.
ويخصص المؤلف فصلا لصعود بوريس يلتسين، الذي استغل لحظة الانقلاب ليعلن مقاومته من فوق دبابة، محولا نفسه من سياسي هامشي إلى زعيم وطني.
ثم يأتي فصل عن استفتاء أوكرانيا في ديسمبر 1991، حيث صوت أكثر من تسعين في المئة من الأوكرانيين لصالح الاستقلال، بما في ذلك مناطق ناطقة بالروسية.
ويصف المؤلف في الفصل الأخير اجتماع بيلوفيجسكايا في الثامن من ديسمبر، حيث أعلن قادة روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا نهاية الاتحاد السوفيتي وتأسيس رابطة الدول المستقلة.
اقتباسات من الكتاب
من أبرز ما يذكره المؤلف أن واشنطن لم تكن تريد تفكيك الاتحاد السوفيتي، بل كانت تخشى أن يتحول إلى “يوغوسلافيا بقنابل ذرية”.
ويقول بلوخي إن المفتاح الحقيقي للانهيار لم يكن في الكرملين ولا في البيت الأبيض، بل في استفتاء أوكرانيا الشعبي لصالح الاستقلال.
ويضيف أن الإمبراطوريات تنهار عندما يصبح عبء إبقاء الأطراف تحت السيطرة أكبر من الفائدة المرجوة منها.
ويشير إلى أن غورباتشوف أدرك متأخرا أن موسكو لم تعد قادرة على إعالة الجمهوريات كما كانت تفعل في السابق.
أهم أقوال الكتاب
يرى المؤلف أن انهيار الاتحاد السوفيتي لم يكن نتيجة حتمية لسباق التسلح أو إصلاحات غورباتشوف وحدها.
ويؤكد أن رفض أوكرانيا البقاء في دولة واحدة مع روسيا كان العامل الفاصل الذي جعل الانهيار واقعا لا مفر منه.
ويبين أن إدارة بوش فضلت بقاء الاتحاد خوفا من انتشار الأسلحة النووية في جمهوريات متصارعة.
ويخلص إلى أن ما جرى عام 1991 كان أشبه بحادث سير في بطء، لا بانتصار عسكري أو سياسي أمريكي مخطط له.
أهمية الكتاب
تكمن أهمية الكتاب في كونه من أوائل الأعمال التي استفادت من أرشيفات الرئيس بوش الأب بعد رفع السرية عنها.
كما أنه يقدم منظورا متوازنا يجمع بين الروايات الأمريكية والروسية والأوكرانية، بدلا من الاكتفاء برواية واحدة.
ويعد الكتاب مرجعا مهما لفهم جذور الأزمة الأوكرانية، إذ يربط المؤلف بين أحداث 1991 وأحداث 2014 في طبعة لاحقة من كتابه.
ويساعد القارئ على تفكيك الروايات الدعائية التي تروجها أطراف مختلفة حول أسباب انهيار الاتحاد السوفيتي.
نقد الكتاب
من أبرز الانتقادات الموجهة إلى الكتاب ميله إلى إبراز الدور الأوكراني على حساب العوامل الداخلية الروسية أو سياسات غورباتشوف.
كما يرى بعض النقاد أن اعتماد المؤلف الكبير على الأرشيف الأمريكي قد يمنح الكتاب منظورا خارجيا أكثر من كونه منظورا داخليا.
ويشير آخرون إلى أن المؤلف قد بالغ في تبسيط شخصيات تاريخية مثل كرافتشوك وبوش، بينما منح يلتسين وغورباتشوف مساحة أوسع.
ومع ذلك، لا يقلل ذلك من قيمة الكتاب كعمل تاريخي موثق وجدير بالقراءة.
كتب مشابهة
من الكتب التي تتقاطع مع هذا الموضوع كتاب “بوابات أوروبا: تاريخ أوكرانيا” للمؤلف نفسه.
وهناك كتاب “تشيرنوبيل: تاريخ مأساة” الذي حقق شهرة واسعة لسيرجي بلوخي.
كما يمكن الرجوع إلى كتب أخرى عن الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي، مثل أعمال المؤرخ جون لويس غاديس.
ويبقى كتاب “الإمبراطورية الأخيرة” من أكثر الكتب حداثة واعتمادا على الوثائق في هذا المجال.
ربط الكتاب بالواقع الآن
تزداد أهمية هذا الكتاب اليوم مع استمرار الحرب في أوكرانيا والتصعيد بين روسيا والغرب.
فما يجري حاليا من صراع حول أوكرانيا ليس وليد اللحظة، بل تمتد جذوره إلى قرارات عام 1991.
ويوضح الكتاب أن هوس موسكو بأوكرانيا ليس جديدا، بل يعود إلى إدراك أن الإمبراطورية الروسية لا يمكن أن تقوم بدونها.
كما يذكر القارئ بأن النظريات البسيطة التي تفسر الأحداث الكبرى بمؤامرات خارجية كثيرا ما تخفي حقائق أكثر تعقيدا.
سيرة المؤلف
سيرجي بلوخي من مواليد عام 1957 في مدينة نيجني نوفغورود الروسية، لكنه نشأ في مدينة زابوروجيا الأوكرانية.
حصل على الدكتوراه من جامعة دنيبروبيتروفسك عام 1982، وهو الآن أستاذ التاريخ الأوكراني في جامعة هارفارد ومدير معهد الأبحاث الأوكرانية.
يكتب باللغات الإنجليزية والأوكرانية والروسية، ويعد من أبرز المؤرخين في تاريخ أوروبا الشرقية والحرب الباردة.
من أشهر كتبه “بوابات أوروبا” و”تشيرنوبيل” الذي تحول إلى عمل واسع الانتشار عالميا.
الكتاب في ميزان الإسلام
من منظور إسلامي، يمكن قراءة هذا الكتاب باعتباره تذكيرا بأن الأمم والقوى العظمى تخضع لسنن الله في التاريخ، وأن ما بني على الظلم والبغي لا يدوم.
فالاتحاد السوفيتي كان دولة قامت على فلسفة مادية منكرة للدين، واضطهدت شعوبا مسلمة في آسيا الوسطى والقوقاز لعقود طويلة.
وسقوطه المفاجئ يذكر بقوله تعالى إن الله يمهل ولا يهمل، وأن انهيار الطغيان قد يأتي من حيث لا يحتسب الطغاة.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي للمسلم أن يتخذ من الغرب بديلا عن الحق، فكل نظام يقوم على غير العدل الإلهي مآله إلى زوال.
والعبرة الحقيقية هي أن تقوم المجتمعات على العدل والرحمة، لا على القوة وحدها.


