“تواجه القارة القطبية تحدياً مناخياً غير مسبوق، حيث تشير أحدث البيانات والأقمار الصناعية ونماذج المحاكاة المناخية إلى أن معدلات فقدان الغطاء الجليدي تسير بوتيرة متسارعة تتجاوز بكثير التقديرات السابقة للعلماء. هذا التراجع المتسارع في الكتلة الجليدية لا يمثل مجرد مؤشر على ارتفاع درجات الحرارة العالمية، بل يفرض إعادة تقييم شاملة للنماذج المناخية المعتمدة، ويدق ناقوس الخطر بشأن التداعيات المباشرة على ارتفاع منسوب مياه البحار والمحيطات حول العالم، مما يضع استقرار المجتمعات الساحلية والتنوع البيولوجي في مواجهة حتمية مع آثار التغير المناخي.”
حيث تكشف دراسة حديثة اعتمدت على بيانات عشرات الأقمار الصناعية أن غرينلاند والقارة القطبية الجنوبية فقدتا نحو 12.5 تريليون طن من الجليد منذ عام 1979.
وتوضح التقارير العلمية أن الجزء الأكبر من المشكلة لا يأتي فقط من ذوبان الجليد فوق سطح القارتين، وإنما أيضًا من ارتفاع حرارة مياه المحيطات التي تصل إلى الأجزاء السفلية من الصفائح الجليدية وتؤدي إلى تآكلها.
ويبدو الرقم مجردًا عندما يُقاس بالتريليونات، لكنه يتحول إلى نتيجة ملموسة عندما يُربط بارتفاع مستوى البحر. فقد ساهم فقدان الجليد في إضافة كمية هائلة من المياه إلى المحيطات، وارتفع متوسط مستوى سطح البحر عالميًا بنحو 3.1 سنتيمتر خلال الفترة التي شملتها الدراسة.
ولا يعني ارتفاع عالمي يبلغ بضعة سنتيمترات أن الخطر متساوٍ في جميع الأماكن. فالسواحل المنخفضة والدلتا والمدن القريبة من البحر يمكن أن تتعرض لموجات مد أعلى وفيضانات أكثر تكرارًا حتى مع ارتفاعات صغيرة نسبيًا في مستوى البحر.
واللافت أن البيانات تظهر تغيرًا في سرعة فقدان الجليد. فقد كانت الصفائح الجليدية أكثر استقرارًا نسبيًا خلال التسعينيات، قبل أن يتسارع الفقدان خلال العقد التالي. وتوضح الدراسة أيضًا أن الفترة بين 2020 و2023 شهدت بعض التباطؤ المؤقت، لكن الباحثين يربطونه بعوامل جوية قصيرة الأجل لا تعني توقف الاتجاه طويل المدى.
وتمنح الدراسة أهمية خاصة للأقمار الصناعية لأنها تسمح للعلماء بقياس التغيرات على مساحة ضخمة بصورة متواصلة، بدل الاعتماد فقط على القياسات الميدانية المحدودة.
وتحذر النتائج من أن الخطر لا يرتبط فقط بما حدث بالفعل، وإنما بما يمكن أن يحدث إذا استمرت خسارة الجليد بالوتيرة الحالية أو تسارعت. فارتفاع مستوى البحر لا يتوقف بمجرد تباطؤ مؤقت في سنة أو سنتين، لأن الأنظمة الجليدية والمحيطات تستجيب للتغير المناخي على مدى زمني طويل.
ولهذا تكتسب الدراسة أهمية بالنسبة للدول الساحلية في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، وليس فقط للدول القريبة من المناطق القطبية. فالخسارة تحدث في غرينلاند والقارة القطبية الجنوبية، لكن آثارها تمتد عبر المحيطات إلى مدن وموانئ ومناطق زراعية وسكانية بعيدة آلاف الكيلومترات.
المصدر: أسوشيتد برس، 16 سبتمبر 2026؛ بي بي إس، 17 سبتمبر 2026.







