تتجه السلطات الروسية نحو فرض حزمة جديدة من القيود الإدارية والقانونية المحكمة على أنشطة الجماعات الدينية المستقلة.
وذلك في خطوة تضع الملايين من مسلمي البلاد أمام خيارات محددة بين الانخراط في المؤسسات الرسمية الخاضعة لسيطرة الدولة، أو التعرض لتبعات الملاحقة الأمنية بتهم التطرف والإرهاب.
ويستغل الكرملين الأدوات التشريعية لإعادة صياغة الخريطة الدينية في روسيا، بما يضمن احتكار تمثيل الإسلام وتوجيه خطابه لصالح التوازنات السياسية الداخلية والخارجية.
ملاحقات إدارية وقوانين
كشف تقرير حديث صادر عن “منتدى 18 للحرية الدينية” تسجيل نحو 52 دعوى قضائية خلال عام 2025 والأربعة أشهر الأولى من 2026 ضد مؤسسات دينية متجاهلة للمواصفات الشكيلية المعتمدة، مثل إغفال الاسم الرسمي الكامل في المطبوعات والمقرات والمواقع الإلكترونية.
وأسفرت تلك القضايا عن غرامات مالية ومصادرة أدبيات دينية؛ وهو ما اعتبرته “لجنة الولايات المتحدة للحريات الدينية الدولية” استخداماً للذريعة الإدارية والقوانين المطاطة لملاحقة الجماعات السلمية، وحظر أفكارها تحت لافتات التطرف والإرهاب دون ثبوت التورط في أعمال عنف.
التطويق التاريخي
يوضح الباحث إنال شريب في دراسة نشرها بمعهد “هدسون” أن النهج الروسي الراهن يمثل امتداداً لاستراتيجية تاريخية متجذرة منذ الحقبتين الإمبراطورية والسوفيتية، تقوم على إخضاع المؤسسة الدينية الإسلامية وإدماجها في هيكل السلطة السياسية.
وفي الوقت الذي يحرص فيه الكرملين على تسويق علاقاته الوثيقة مع القيادات الإسلامية الرسمية لتعزيز نفوذه في العالم الإسلامي، فإنه يظهر حزماً صارماً في منع تشكل أي مراكز ثقل دينية مستقرة بعيداً عن القنوات المعتمدة.
المعادلة الديموغرافية
يتصاعد تأثير هذه السياسات بالنظر إلى الوزن الديموغرافي المتنامي للمسلمين في جمهوريات مثل تتارستان وباشكورتوستان وشمال القوقاز، إضافة إلى الكثافات المتزايدة في موسكو والمدن الصناعية.
منظومة رسمية
ويرى الخبراء أن إغلاق مساحات العمل الديني المستقل والاعتماد الحصري على المنظومة الرسمية قد يؤدي إلى نتائج عكسية، من خلال تغذية الشعور بالتهميش لدى قطاعات واسعة تراقب تحول الرقابة الإدارية إلى وسيلة لتكميم التنوع الفكري والديني.
ادارة الملف
وتؤكد المؤشرات الميدانية أن السلطات الروسية لا تسعى لإضعاف الحضور الإسلامي في البلاد بقدر ما تصر على إدارة ملف التنوع الوطني عبر أجهزة الرقابة المباشرة.
تحكم تنظيمى
ويبدو أن الإستراتيجية الروسية في إدارة الشأن الديني تعتمد على تشديد أطواق التحكم التنظيمي، وهو ما يضع تجربة التعايش المؤسسي أمام اختبارات حقيقية تتعلق بمدى قدرتها على استيعاب تطلعات المجتمع المسلم دون المساس بحرياته الأساسية.


