الأحد مارس 3, 2024
بحوث ودراسات

من وحي الأيام:

محمد نعمان الدين الندوي يكتب: إلى «التضامن الإسلامي» من جديد!

الوحدة قدر أمة التوحيد وطابعها المتميز: {إِنْ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُون} (الأنبياء: ٩٢) {إن هَذِهِ أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فَاعْبُدُون} (المؤمنون :٥٢)

 إن الوحدة من خصائص الأمة المميزة التي ترتبط بالقلوب والأرواح ارتباطا مقدسا لا تنفصم عراه، ولا تنفك أواصره، فهو من صنع الحكيم الذي آخى بين الأرواح، وألف بين القلوب، فقد امتن الله تعالى -وهو المنان الرحمان- على عباده المؤمنين بأن أنعم عليهم بنعمة التأليف وإيجاب الأخوة والمحبة بينهم: {وَاذْكُرُوا نعمة اللَّهُ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ: بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} (عمران: ۱۰۳) وقال تعالى: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلْفَتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} (الأنفال: ٦٣) .

نعم! إن المحبة والأخوة والتأليف نعمة لا تقدر قيمتها، فالتأليف بين القلوب يعادل بل يفوق كنوز الأرض جميعا، ويلاحظ أنه -سبحانه- ذكرها بأسلوب النفي لا الإثبات، فلو قال: ( لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً  أَلْفَتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ) لكان معنى ذلك أن هذه الأخوة تعادل كل كنوز الأرض، ولكنه قال: (مَا أَلفتَ) ليبين لنا أنها -نعمة التأليف- أثمن وأغلى من كنوز الأرض جميعا، ولكنها ثمرة للإيمان الصادق والعمل الصالح، ومن صنع: «العقيدة  التي هي عجيبة فعلا، إنها حين تخالط القلوب تستحيل إلى مزاج من الحب والألفة ومودات القلوب التي تلين جاسيها، وترقق حواشيها، وتندي جفافها، وتربط بينها برباط وثيق عميق ورفيق، فإن نظرة العبد ولمسة اليد، ونطق الجارحة، وخفقة القلب ترانيمُ من التعارف والتعاطف، والولاء والتناصر والسماحة  والهوادة، لا يعرف سرها إلا من ألف بين هذه القلوب، ولا تعرف مذاقها إلا هذه القلوب» (في ظلال القرآن: الأنفال، الآية : ٦٣) .

والمسلمون مهما تنوعت شعوبهم وجنسياتهم وأعراقهم واختلفت مذاهبهم ومشاربهم وتوجهاتهم، غير أن تنوعهم وتعددهم هذا لا يعني إلا التميز في إطار «أمة واحدة» وحّدها الإسلام على أساس العقيدة والشريعة والسلوك والأخلاق.

 ثم إن هذه الوحدة والتضامن والمحبة والأخوة التي عرفها الناس في ظل الإسلام كانت نوعا جديدا من الروابط والصلات لم يعرفه الناس في المجتمع الجاهلي، إذ كان ذلك المجتمع قائما على أساس النسب والجنس، بل كانت دوائر الأنساب تضيق حتى تصل إلى القبائل.. ومن بعدها البطون.. والأفخاذ والعشائر.. وفي كل ذلك تعمل العصبية عملها، فيشتد الصراع، وتشتد العداوة، ويهلك الناسَ التفاخرُ والتكاثر.

وجاء الإسلام، فألغى العصبية ومحا آثارها، وقضى على كل الفوارق الوطنية والقبلية في مهدها قبل أن يتفاقم شرها، ويستشري داؤها في خلايا المجتمع الإسلامي، وسوّى بين الناس في الحقوق وفي الأحكام، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية، (أي عظمتها) وفخرها بالآباء، وإنما هو مؤمن تقي، وفاجر شقي، الناس كلهم بنو آدم، وآدم خلق من تراب»: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهُ .اتقاكم} (الحجرات : ١٣).

ولقد مثل الرسول صلى الله عليه وسلم تألف المسلمين وأخوتهم ووحدتهم بالجسد الواحد، فقال: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، وقال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا».

كما أكد النبي – صلى الله عليه وسلم – في حديث آخر على أهمية الاتحاد والاعتصام بالجماعة، وحذر من التفريق قائلا: «عليكم بالجماعة فإن الذئب يأكل من الغنم القاصية»، وسمى -عليه الصلاة والسلام- الساعين بالتفريق بين الأمة بـ: «شرار خلق الله» فقال: «خيار عباد الله الذين إذا رؤوا ذكر الله، وشرار عباد الله المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأمة الباغون للبرآء العيب».

 ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن من عباد الله لأناسا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء بمكانهم من الله، قالوا: يا رسول الله تخبرنا من هم قال هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، والله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى نور، لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس».

وفي حديث آخر يقول – عليه الصلاة والسلام – فيمن خرج عن الجماعة أنه خلع ربقة الإسلام من عنقه وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم.

وبهذا المعنى روي عن سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أنه قال: لا إسلام إلا بجماعة.

ويأتي أمر الإسلام بالاتحاد والتضامن، لأن في ذلك عزة وقوة رادعة ترهب الأعداء، وقد أمرنا ربنا عز وجل بأن نعد لهم عدة: {وَأَعِدُوا هُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَة ومِن رُبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوٌّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} (الأنفال: (٦٠). فالإعداد والعدة كما تشمل الأسلحة وأداة القتال تشمل بالأولى الاتحاد في صفوف المسلمين وجمع كلمتهم.

 إن الاتحاد والتضامن الإسلاميين أمنية عزيزة تراود كل مسلم مخلص، وهي أمنية ليست مما لا يمكن تحقيقه، فإذا عدنا إلى الوراء، واستعرضنا العهد الإسلامي الزاهر الأول وجدناه مشرقا بنور من الأخوة والمحبة والتضامن، وقد حكى القرآن الكريم مظاهر هذه الوحدة والأخوة الرائعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقال:

{مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهَ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ}

(الفتح: ۲۹).

وسجل إيثار المسلمين الأولين وتراحمهم وتعاطفهم قائلا: {الَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَرجا مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الحشر: ۱۹).

كما وصف الله تلاحم سلف هذه الأمة ووحدتهم ضد أعداء الإسلام بقوله: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ} (الصف: ٤).

  والتاريخ الإسلامي حافل بأمثلة رائعة من هذه الناحية يندر نظيرها في تاريخ الأمم الأخرى.

وإنها حقيقة تاريخية أن من كبرى الأسباب التي حققت للمسلمين في الماضي السؤدد والمجد والازدهار والتربع على عرش القيادة والريادة، وكونت لها تاريخا عظيما حافلا بالمآثر والمفاخر والأمجاد، وحضارة زاخرة مشرقة، استظل بظلالها الوارفة أبناء جميع الأمم: الاعتصامُ بالكتاب والسنة والاتحاد والتضامن.

ولن يمكن للمسلمين في العصر الحاضر والمستقبل – أيضا – أن يستعيدوا مكانهم النادر في مصاف الشعوب والأمم، مكان الوصاية الالهية على الإنسانية والقيادة للأمم، والقوة والهيبة التي فقدوها منذ انفراط عقد الخلافة الإسلامية، والهيبة التي كان يوقف لها قرع الأجراس في الكنائس، وكانت أوربا كلها ترتعد منها فرقا.. إلا إذا أعادوا اتحادهم وتضامنهم القائمَين على الروح الإسلامية وعلى الإيمان الصادق الذي حقق لسلفهم التمكين في الأرض والعزة والقوةَ المرهبة التي لم يتجرأ الأعداء على مقاومتها أو المساس بها ولا على النيل من مكاسبها.

والمطلع على أحوال العالم الإسلامي يعرف جيدا أن المسلمين اليوم كثيرون، ولكنهم غثاء كغثاء السيل كما وصفهم الرسول صلى الله عليه وسلم، وهم يملكون من الطاقات البشرية والطبيعية والمادية والروحية ما لا يملكه غيرهم، ومتواجدون في مشارق الأرض ومغاربها بأعدادهم الضخمة وبثرواتهم الهائلة من المعادن والكنوز والذخائر العظيمة وبحضارتهم الزاهرة..  إنهم مع ذلك متخلفون يعيشون عيشة الذل والهوان، لأنهم ابتلوا بالافتراق والاختلاف والتنازع، ففشلوا وذهبت ريحهم مصداقا لقوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فتفشلوا وتذهب رِيحُكُمْ} (الأنفال: ٤٦)..

إنهم -المسلمون- تحولوا اليوم إلى فرق وأوزاع، وتفرقت الفرق إلى فرق، والأوزاع إلى أوزاع، فأصبحت هذه الفرق فرائس سهلة ولقمة سائغة أمام قراصنة الإنسانية ووحوش الحضارة، وعادوا أمة تائهة متخاصمة متناحرة، لا دور لأبنائها إلا دور الأتباع المهانين، ولا وزن لهم إلا وزن الكرة المقذوفة بين اللاعبين وصاروا كما قال الشاعر:

كنا كما   ذكر الإله أعز أبناء الأنام

واليوم شتت شملنا وغدا الحضيض لنا مقام

 إن أمة قد أحاط بها أعداؤها على هذا النحو الأخطبوطي المدمر، لا نجاة لها إلا بوأد خلافاتها مهما كانت، وتوحيد صفوفها ودفن أحقادها مهما كانت ثاراتها فيما بينها، والعودة الصادقة إلى الراية المحمدية من جديد، والتضامن والوحدة على أساس العقيدة الإسلامية السمحاء.

حينذاك تعود الأمة الإسلامية مرهوبة الجانب موفورة العزة، مرفوعة الهامة مسموعة الكلمة كالماضي!

ومما ينبغي توضيحه أن الوحدة الإسلامية أو التضامن الإسلامي لا يعني الانطوائية أو الانعزالية عن الساحة الدولية، أو التباعد عن المشاركةِ في حياتها ومنظماتها وأحلافها ومواثيقها . . . مادامت تلك المشاركة والمساهمة في النشاطات والعلاقات والمنظمات والأحلاف الإقليمية والدولية في صالح الإسلام والمسلمين، وتجلب لهم نفعا وتدفع عنهم ضررا، فتحقيق المصلحة ودفع المضرة هما أساس الموالاة والمعاداة في علاقات المسلمين بغير المسلمين، قال تعالى: {عَسَى اللهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم منْهُم مَّوَدَّةً} (المتحنة ) وقال: { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن يَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَ ، تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ } (الممتحنة:  ۸).

فكل من يحس في قلبه بغيرة على هذا الدين وتحرُّقٍ على ما آل إليه وضع الأمة، عليه أن يسارع إلى انتشالها من واقعها المقيت، ولا يُقصّر في ذلك، فإن نصر الله لا يتنزل على أمة متباغضة متلاعنة!

فإلى الوحدة.. والتضامن.. والتصالح.. يا أبناء الإسلام! حتى تعود العزة والكرامة والقوة للمسلمين من جديد!

محمد نعمان الدين الندوي

            لكناؤ، الهند

(الاثنين: غرة شعبان ١٤٤٥ھ – ١٢ فبراير ٢٠٢٤م).

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *