بينما يتسع حضور المسلمين في الحياة العامة الأمريكية، من الكونغرس إلى المجالس المحلية والمؤسسات الدينية والمجتمعية، تكشف شهادات حديثة وبيانات استطلاعية عن وجه آخر للمشهد؛ إذ لا يزال قطاع واسع من المسلمين يشعر بوجود تمييز ضده، بالتزامن مع عودة الجدل السياسي حول الإسلام والشريعة إلى الواجهة، خصوصًا في ولاية تكساس.
وأعادت جلسة عُقدت ضمن مهرجان «تكساس تريبيون»، الخميس 24 سبتمبر، النقاش حول أوضاع المسلمين إلى الواجهة، بعدما تحدث مشاركون مسلمون عن تجاربهم اليومية داخل الولاية، مؤكدين أن علاقاتهم مع غالبية جيرانهم ومحيطهم الاجتماعي طبيعية، لكنهم أشاروا في الوقت نفسه إلى مواقف عدائية وتمييزية واجهوها بسبب هويتهم الدينية.
تكساس.. الجدل ينتقل من السياسة إلى الحياة اليومية
شارك في الجلسة عبد الله أنتيبلي، رئيس «روثكو تشابل» في هيوستن، ومحمد حسين، وزيشان حفيظ، الذين عرضوا صورًا مختلفة لما يعنيه أن يكون الشخص مسلمًا في تكساس في الوقت الراهن.
وروى محمد حسين، الذي يعرّف نفسه بأنه محافظ سياسيًا، واقعة تعرض لها خلال مؤتمر للحزب الجمهوري في تكساس، حين قال إن أحد المشاركين طالبه باعتناق المسيحية أو مغادرة البلاد، وهي واقعة قال إنها جعلته يعيد التفكير في موقعه داخل التيار السياسي الذي كان يرى نفسه جزءًا منه.
كما تحدث زيشان حفيظ عن موقف تعرض له مع أسرته في أحد المطاعم، بينما حذر أنتيبلي من أن تحويل العداء تجاه أي أقلية إلى خطاب مقبول اجتماعيًا قد تتجاوز تداعياته تلك الأقلية إلى المجتمع بأكمله.
ورغم تلك التجارب، شدد المشاركون على أنهم لا يعتبرون المواقف العدائية ممثلة لغالبية سكان تكساس، مؤكدين أن جانبًا كبيرًا من حياتهم اليومية وعلاقاتهم الاجتماعية يسير بصورة طبيعية.
«الشريعة» تعود إلى قلب السجال السياسي
ويأتي هذا النقاش في وقت أصبحت فيه «الشريعة» جزءًا من سجالات سياسية متصاعدة داخل تكساس.
ويرى سياسيون جمهوريون في الولاية أن تحركاتهم تستهدف منع تطبيق أي قواعد قانونية تتعارض مع الدستور والقوانين الأمريكية، بينما يرفض مسلمون وباحثون هذا الطرح، ويقولون إن تقديم الشريعة باعتبارها نظامًا قانونيًا موازيًا يسعى المسلمون إلى فرضه على المجتمع الأمريكي لا يعكس فهمهم لها أو الطريقة التي يمارسون بها دينهم.
وهنا تتجاوز القضية خلافًا نظريًا حول مفهوم ديني؛ إذ يرى مسلمون شاركوا في النقاش أن الطريقة التي يُستخدم بها المصطلح سياسيًا تنعكس على نظرة بعض الأمريكيين إليهم وعلى شعورهم بموقعهم داخل المجتمع.
59% يتحدثون عن تمييز ضد المسلمين
وتمنح بيانات مركز «بيو» للأبحاث صورة أوسع تتجاوز تكساس.
ففي استطلاع أُجري خلال مايو 2026، قال 59% من المسلمين الأمريكيين إن هناك قدرًا كبيرًا من التمييز ضد المسلمين في الولايات المتحدة، وهي النسبة نفسها التي قالت إن تصوير الإسلام والمسلمين في وسائل الإعلام غير عادل.
لكن الصورة ليست أحادية الاتجاه؛ إذ قال 34% من المسلمين إن شخصًا ما عبّر خلال العام السابق عن دعمه لهم تحديدًا بسبب كونهم مسلمين، ما يكشف عن تجربة تجمع بين التعرض للتمييز من جهة، ووجود أشكال من التضامن والقبول الاجتماعي من جهة أخرى.
وهذه المفارقة تبدو واحدة من أبرز سمات التجربة الإسلامية في الولايات المتحدة؛ فالمسلمون لا يعيشون فقط تحت ضغط الصور النمطية، ولا يعيشون في الوقت نفسه حالة عزلة كاملة، وإنما يتحركون داخل مجتمع تتجاور فيه مواقف متباينة تجاههم.
نظرة سلبية لا تزال حاضرة
وتظهر استطلاعات الرأي أن الجدل لا يقتصر على تجارب المسلمين أنفسهم.
فقد أظهر استطلاع «بيو»، الذي أُجري بين 4 و17 مايو 2026، أن 43% من البالغين الأمريكيين يرون أن المسلمين أقل وطنية من غيرهم، مقابل 51% قالوا إنهم ليسوا أكثر أو أقل وطنية.
كما قال 42% إن تأثير المسلمين في الولايات المتحدة سلبي، مقابل 17% رأوا أن تأثيرهم إيجابي، بينما اتخذ الباقون موقفًا محايدًا أو غير محدد.
وتشير هذه الأرقام إلى أن مرور ربع قرن على هجمات 11 سبتمبر لم ينهِ تمامًا الصور السلبية المرتبطة بالمسلمين في الوعي الأمريكي، رغم التحولات الكبيرة التي شهدها المجتمع المسلم نفسه خلال تلك الفترة.
حضور يتسع رغم الضغوط
في المقابل، لم يؤد استمرار هذه النظرة السلبية إلى انكماش الوجود الإسلامي داخل المجتمع الأمريكي.
ويشير مركز «بيو» إلى أن المسلمين أصبحوا أكثر ظهورًا في الحياة السياسية والاجتماعية الأمريكية مقارنة بما كانوا عليه قبل ربع قرن، مع نمو أعدادهم واتساع شبكة مؤسساتهم وزيادة حضورهم في المواقع المنتخبة.
ويكشف هذا التحول عن مفارقة لافتة: فكلما أصبح المسلمون أكثر حضورًا في المجال العام، أصبحت الأسئلة المتعلقة بهويتهم ودورهم وموقع الإسلام داخل المجتمع الأمريكي أكثر حضورًا هي الأخرى.
لكن شهادات المشاركين في مهرجان «تكساس تريبيون» لا تشير إلى اتجاه نحو الانعزال، بل إلى رغبة في توسيع الحوار والتواصل، بما في ذلك الحوار بين الأديان، ومحاولة مواجهة المخاوف والصور النمطية عبر الاحتكاك المباشر بالمجتمع.
مسلمون أكثر حضورًا.. والجدل لم ينتهِ
بعد 25 عامًا من هجمات 11 سبتمبر، تبدو صورة المسلمين في الولايات المتحدة أكثر تعقيدًا من اختزالها في التمييز أو الاندماج وحدهما.
فمن ناحية، أصبح المسلمون جزءًا أكثر وضوحًا من المشهد السياسي والاجتماعي والمؤسسي الأمريكي، ومن ناحية أخرى لا تزال نسب معتبرة منهم تتحدث عن التمييز، بينما تكشف استطلاعات الرأي استمرار تصورات سلبية عنهم لدى قطاعات من الجمهور.
وبين المسارين، تتحول تكساس إلى نموذج مكثف للنقاش الأوسع داخل الولايات المتحدة: مسلمون يعتبرون أنفسهم جزءًا من النسيج الأمريكي، وحضور مؤسسي يتوسع، وفي المقابل جدل سياسي متجدد حول الإسلام والشريعة وحدود الهوية الدينية في المجال العام.
وهكذا، لا يبدو التحدي الذي يواجه مسلمي أمريكا متعلقًا فقط بإثبات حضورهم؛ فقد أصبح هذا الحضور واقعًا بالفعل، وإنما بكيفية تحول الوجود المتزايد إلى قبول اجتماعي وسياسي أوسع في مجتمع لا تزال نظرته إليهم تحمل تناقضات واضحة.


