صدر كتاب “الإسلام والسواد” للمؤلف جوناثان براون عن دار Oneworld Publications عام 2022، في 416 صفحة.
يتناول الكتاب قضية السواد في التراث الإسلامي من منظور أكاديمي، محاولاً الإجابة على السؤال: هل الإسلام مناهض للسود بطبيعته؟
تصنف مراجعة Publishers Weekly الكتاب بأنه “دفاع دقيق” عن الإسلام، حيث يرى براون أن “معاداة السود كانت عرضية وليست جوهرية” في الإسلام .
ويرى براون أن بعض النصوص الإسلامية ما قبل الحديثة تعكس تحيزات المجتمع المتوسطي والشرق أوسطي الأوسع ضد شعوب شرق إفريقيا، وأن تسليم الإسلام للأعراف الإقليمية أدى إلى استمرار التحيزات الإقليمية .
مقدمة
يأتي هذا الكتاب في وقت تتزايد فيه الاتهامات الموجهة للإسلام بأنه دين عنصري، وهو اتهام يستند إلى قراءات انتقائية لبعض النصوص التاريخية والفقهية.
ومن هنا تأتي أهمية تقديم قراءة نقدية لهذا الكتاب من منظور إسلامي، لا تكتفي بعرض ما فيه، بل تميز بين ما هو علمي موضوعي وما هو متأثر بخلفيات أيديولوجية أو منهجية.
فالإسلام دين لا يعرف العنصرية، وهذه ليست دعوى عاطفية، بل حقيقة تاريخية ونصية، تشهد لها نصوص القرآن والسنة، وتشهد لها سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتشهد لها الدولة الإسلامية الأولى التي قامت على أكتاف عتقاء وموالٍ من مختلف الأعراق.
تلخيص الكتاب
ينطلق براون في كتابه من فكرة مركزية: أن الادعاء بأن الإسلام مناهض للسود بطبيعته هو قراءة مختزلة ومشوهة للتراث الإسلامي.
ويرى أن احتقار السواد لم يكن عنصرية عرقية بالمعنى الحديث، بل ظاهرة تاريخية طارئة ارتبطت بسياقات اجتماعية وسياسية محددة.
ومع ذلك، لا يتجاهل براون وجود تحيزات ضد السود في بعض المدونات الفقهية والتصوفية، بل يحللها في سياقها التاريخي.
كما يفند السردية الغربية التي ترد احتقار السواد إلى “عبودية عربية إسلامية”، ويكشف جذورها الأيديولوجية.
ويضع براون التجربة الإسلامية في إطار مقارن لتطور فكرة العرق عالمياً، محللاً تحولات المفهوم قبل الحداثة وما بعدها.
الرد الإسلامي: الإسلام دين لا يعرف العنصرية
الأساس النصي للمساواة
يقرر القرآن الكريم مبدأ المساواة الإنسانية في أصل الخلق، فيقول الله تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” (الحجرات: 13).
هذه الآية وحدها كافية لهدم أي أساس ديني للعنصرية، فمعيار التفاضل فيها واضح وصريح: التقوى، لا اللون ولا العرق ولا النسب.
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في خطبة الوداع بقوله: “يا أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى”.
بلال بن رباح: رمز المساواة الإسلامية
كان بلال بن رباح رضي الله عنه عبداً حبشياً من أصل إثيوبي، عذب في مكة في سبيل الله، ثم أعتقه أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
وقد اختاره النبي صلى الله عليه وسلم ليكون أول مؤذن في الإسلام، يرفع صوته بالتوحيد فوق الكعبة يوم فتح مكة.
هذا الاختيار لم يكن مجرد تعيين وظيفي، بل كان إعلاناً عملياً من النبي صلى الله عليه وسلم بأن المكانة في الإسلام لا ترتبط باللون ولا بالأصل.
وقد وصفه المؤرخون بأنه كان “طويلاً، داكن البشرة، ذا ملامح إفريقية وشعر كث”، وكانت له مكانة عظيمة عند النبي صلى الله عليه وسلم .
وقد قتله لمعذبه أمية بن خلف يوم بدر، في مشهد يجسد أن الإسلام لا ينسى من عذب أهله، ولا يفرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى .
الدولة الإسلامية الأولى: قيادة من كل الأعراق
قامت الدولة الإسلامية الأولى في المدينة على أكتاف مهاجرين وأنصار، عرب وموالٍ وعتقاء، لم يكن اللون يوماً معياراً للولاية أو القيادة.
فمن أبرز قادة الجيوش الإسلامية في الفتوحات الأولى: المثنى بن حارثة الشيباني، وأبو عبيدة بن الجراح، وخالد بن الوليد، وجميعهم من قبائل مختلفة.
وقد ولّى النبي صلى الله عليه وسلم على اليمن معاذ بن جبل، وعلى مكة عتاب بن أسيد، وكلها ولايات لم يكن اللون فيها شرطاً.
وفي عهد الخلفاء الراشدين، تولى قيادة الجيوش في الشام والعراق قادة من مختلف الأعراق، ولم يمنع اللون أحداً من ولاية أو قيادة.
الرد على مزاعم الكتاب
يدعي بعض المنتقدين أن في القرآن إشارات إلى السواد بوصفه نقصاً، والحقيقة أن السواد في القرآن الكريم يأتي في سياقين لا ثالث لهما: الأول سياق أخروي، كقوله تعالى “يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ”، وهذا ليس عن لون البشر بل عن حال أهل الآخرة، والبياض هنا كناية عن الفرح والسرور، والسواد كناية عن الحزن والكآبة، وليس المراد اللون الجسمي.
والثاني سياق وصفي محض، كوصف الليل والجبال والحديد، ولا علاقة له بالبشر.
مزعمومة أن الفقهاء قَالوا بكراهة الزواج من السوداء
هذه المسألة من المسائل الفقهية الجزئية التي استند فيها بعض الفقهاء إلى أعراف زمانهم، لا إلى نص شرعي قطعي.
وقد رد جمهور الفقهاء قديماً وحديثاً على هذا الفهم، مؤكدين أن معيار الكفاءة في الإسلام هو الدين والتقوى، وأن اللون لا أثر له في صحة النكاح ولا في كرامته.
وما ورد عن بعض المالكية في هذا الباب فهو اجتهاد بشري قابل للنقاش والرد، وليس ديناً يجب اتباعه.
مزعمومة أن الإسلام أنتج العبودية وكرّسها
العبودية كانت نظاماً عالمياً قبل الإسلام، في فارس والروم والهند والصين، ولم يكن الإسلام أول من أقرها.
وقد جاء الإسلام بتشريعات تدريجية تهدف إلى تحرير الرقاب وتخفيف وطأة العبودية، فجعل عتق الرقبة كفارة لعدد من الذنوب، وحث على المكاتبة، ووعد المكاتب بالعون.
وقد كان بلال بن رباح وعمار بن ياسر وسلمان الفارسي وغيرهم من العتقاء قادة في الإسلام، يشهدون بذلك أن الإسلام لم يمنع العتقاء من الصدارة.
كلمات في ميزان النقد
من الإنصاف أن يقال إن جوناثان براون بذل جهداً علمياً كبيراً في كتابه، وهو أستاذ للدراسات الإسلامية في جامعة جورجتاون، وله مؤلفات معتبرة في الحديث والتاريخ الإسلامي .
غير أن منهجه في هذا الكتاب وقع في إشكال منهجي واضح: فهو من جهة يرفض الاتهام الجائر بأن الإسلام عنصري، ومن جهة أخرى يميل إلى الاعتراف بوجود نصوص عنصرية في التراث، مبرراً ذلك بأنها كانت “سياقية” و”عرضية”.
وهذا الموقف، رغم ما فيه من توازن ظاهري، يفتح الباب أمام تسويغ ما لا يسوغ، ويجعل القارئ غير المتخصص في حيرة بين النصوص القطعية في المساواة والممارسات التاريخية المتحيزة.
كتب مشابهة من منظور إسلامي
لمن أراد قراءة ترد على مزاعم العنصرية في التراث من منظور إسلامي أصيل، يمكن الرجوع إلى:
كتاب “إنارة العتمة: السود وشمال الإفريقيون في الإسلام” لحبيب أكندي، وهو عمل يؤصل لمكانة السود في الإسلام ويرد على الشبهات.
وكتاب “الإسلام ومكافحة التمييز العنصري” لعبد الرحمن الشيحة، وهو دراسة مقارنة بين موقف الإسلام والمجتمعات الأخرى.
وكتاب “العبودية في الإسلام” لجوناثان براون نفسه، وهو دراسة تكميلية يمكن قراءتها بحذر.
ربط الكتاب بالواقع
في عالم اليوم، حيث تتصاعد خطابات التمييز العنصري في كثير من المجتمعات، يصبح من الضروري أن يقدم المسلمون نموذجهم الخاص في المساواة.
فالإسلام لم يكن يوماً ديناً عنصرياً، بل كان ديناً حرر البشر من عبودية الألوان والأجناس، وجعل التقوى وحدها معياراً للتفاضل.
وإذا كان بعض المسلمين قد قصروا في تطبيق هذا المبدأ، فهذا تقصير منهم لا من الدين، ويجب تصحيحه بالرجوع إلى الأصل، لا بتشويه صورة الإسلام أو تحميله ما ليس فيه.
سيرة المؤلف
المستشرق الحاقد “جوناثان أ. ك. براون” أستاذ الدراسات الإسلامية ورئيس قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية بجامعة جورجتاون في واشنطن، حيث يشغل كرسي الوليد بن طلال للحضارة الإسلامية .
ولد في الولايات المتحدة عام 1977، واعتنق الإسلام عام 1997 .
من أبرز أعماله: “Slavery and Islam” عام 2019، و”Misquoting Muhammad” عام 2014، و”Hadith: Muhammad’s Legacy in the Medieval and Modern World” عام 2009 .
يتميز بمنهجه النقدي، لكن كتابه “الإسلام والسواد” يظل من أكثر كتبه إثارة للجدل، لأنه يلامس قضية حساسة يتداخل فيها العلمي بالأيديولوجي.
الكتاب في ميزان الإسلام
في ميزان الإسلام، يُعد كتاب “الإسلام والسواد” إسهاماً أكاديمياً يستحق القراءة النقدية، لا التقديس ولا التجريح.
من جهة، يحسب للمؤلف تصديه للاتهامات الظالمة للإسلام، وتفنيده للسرديات الغربية التي تحاول تشويه صورة الإسلام.
ومن جهة أخرى، يحسب عليه اعترافه بوجود نصوص عنصرية في التراث، مما قد يفتح الباب لتشكيك غير المختصين في الثوابت.
والحق أن الإسلام بريء من العنصرية، والدليل قائم في نصوصه القطعية، وفي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي تاريخ دولته الأولى.
وما ورد في بعض المدونات التاريخية من تحيزات فهو اجتهادات بشرية في سياقات معينة، لا يمثل الإسلام، ولا يعبر عن جوهره.


