تستند القرارات الاقتصادية الكبرى في الأغلب الأعم على مؤشرات وإحصاءات دقيقة، إلا أن اختلاف طرق جمع البيانات وتصنيفها بين الدول يحد من إمكانية المقارنة ووضع السياسات المشتركة.
وفي هذا السياق أصبح التعاون الإحصائي أحد الملفات التي تحظى باهتمام متزايد داخل التكتلات الاقتصادية، لأنه يوفر قاعدة معلومات موحدة تساعد الحكومات والمستثمرين والمؤسسات المالية على اتخاذ قرارات أكثر كفاءة.
فيما يتعلق بالدول العربية والإسلامية، فإن بناء منظومة إحصائية متكاملة يمكن أن يشكل خطوة عملية نحو تعميق التكامل الاقتصادي والعلمي.
ووفي هذا السياق تؤكد شعبة الإحصاءات بالأمم المتحدة،أن توحيد المعايير الإحصائية يسهم في تحسين جودة البيانات، ورفع كفاءة التخطيط، وتعزيز الشفافية، بينما يشير صندوق النقد الدولي إلى أن الإحصاءات الاقتصادية الدقيقة أصبحت عنصرًا رئيسيًا في تقييم الاستقرار المالي والائتماني للدول
.الإيراادات والنفقات
وخلال العقود الماضية أولت الدول الإسلامية عناية كبيرة بتسجيل الإيرادات والنفقات والسكان والأراضي الزراعية من خلال الدواوين، وهو ما وفر للحكومات أدوات لتنظيم الإدارة المالية وتوزيع الموارد.
ومع تطور العلوم، أصبحت الإحصاءات جزءًا من التخطيط الاقتصادي الحديث، وتطورت من عمليات الحصر اليدوي إلى قواعد بيانات رقمية متقدمة.
من جانبها يرى الاقتصادي الهندي الحائز على جائزة نوبل أمارتيا سن أن جودة البيانات تمثل شرطًا أساسيًا لصياغة السياسات العامة، لأن معالجة الفقر أو التعليم أو الصحة لا يمكن أن تتم بكفاءة دون معلومات دقيقة وشفافة.

فيما تتمثل إحدى فرص التكامل في إنشاء شبكة إحصائية بين الأجهزة الوطنية في الدول العربية والإسلامية لتبادل الخبرات، وتوحيد التعاريف الاقتصادية، وإعداد قواعد بيانات مشتركة عن التجارة والاستثمار وسوق العمل والصناعة والزراعة، بما يساعد على رسم سياسات إقليمية أكثر دقة.
جودة البيانات والساسات العامة
وتفرض هذه التطورات إطلاق برامج تدريب مشتركة في الإحصاء التطبيقي وتحليل البيانات الاقتصادية، وتطوير التعاون بين الجامعات والمراكز الإحصائية، وتشجيع استخدام التقنيات الحديثة في جمع البيانات وتحليلها، مع الالتزام بالمعايير الدولية لحماية الخصوصية.
البنك الدولي من جانبه رأي أن البيانات الموثوقة تخفض درجة عدم اليقين لدى المستثمرين، وتساعد الحكومات على توجيه الإنفاق العام بكفاءة، كما تسهم في تقييم نتائج الإصلاحات الاقتصادية بصورة موضوعية.

ومن المجالات الواعدة أيضًا إعداد مؤشرات عربية وإسلامية مشتركة لقياس الأداء الاقتصادي، والابتكار، والاقتصاد الأخضر، وجودة التعليم، وسوق العمل، بما يتيح متابعة التقدم بصورة دورية، ويشجع على تبادل الخبرات بين الدول.
لكن هذا المسار يواجه تحديات، منها تفاوت القدرات الفنية، واختلاف المنهجيات، ونقص الكفاءات المتخصصة في بعض الدول، إضافة إلى الحاجة إلى تطوير البنية الرقمية للأجهزة الإحصائية، وضمان استقلالية المؤسسات المنتجة للبيانات.
البيانات الاقليمية والتجارة
و خبراء لجنة الأمم المتحدة الإحصائية علقوا علي هذا الأمر قائلين : التطورات في البيانات الضخمة والاستشعار عن بُعد والذكاء الاصطناعي ستغير مستقبل العمل الإحصائي، لكنها لن تغني عن الالتزام بالمنهجية العلمية والمعايير الدولية.
فيما رجح متخصصون في الاقتصاد الكلي أن يزداد الاعتماد على قواعد البيانات الإقليمية خلال السنوات المقبلة مع اتساع التجارة والاستثمار العابرين للحدود، مما سيجعل التعاون الإحصائي عنصرًا أساسيًا في نجاح أي مشروع للتكامل الاقتصادي.
في النهاية يمكن التأكيد إن بناء منظومة إحصائية مشتركة لا يقتصر على تحسين الأرقام والمؤشرات، بل يمثل استثمارًا في جودة القرار الاقتصادي. وإذا نجحت الدول العربية والإسلامية في توحيد معاييرها الإحصائية وتبادل خبراتها، فإنها ستعزز ثقة المستثمرين، وترفع كفاءة السياسات العامة، وتوفر أساسًا علميًا أكثر صلابة لمسيرة التكامل الإقليمي.


