تتزايد التساؤلات حول مستقبل المبادرة التي أطلقها مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، في ظل حالة الركود السياسي التي لا تزال تخيم على المشهد الليبي، وتراجع الاهتمام الدولي النسبي بملف البلاد خلال الفترة الأخيرة.
ورغم هذه التحديات، يرى فاعلون ومحللون أن الحديث عن نهاية المبادرة لا يزال مبكراً، خاصة مع ما تحقق من نتائج أولية في بعض المسارات الحساسة، أبرزها التوصل إلى تفاهمات بشأن توحيد الإنفاق المالي بعد سنوات من الانقسام بين المؤسسات الليبية.
تحركات دبلوماسية ومحاولات لبناء الثقة
منذ إطلاق مبادرته، قاد بولس سلسلة اتصالات مع مختلف الأطراف الليبية، بهدف الدفع نحو مسار يركز على المصالحة الوطنية وتوحيد المؤسسات، في محاولة لإعادة بناء الثقة بين الفرقاء السياسيين والعسكريين.
وقد نجحت هذه التحركات، وفق مراقبين، في تحقيق اختراقات محدودة لكنها مهمة، خاصة في الملفات المالية والتنسيق المؤسسي، وهو ما اعتُبر خطوة أولى في مسار طويل ومعقد.
قراءة ليبية: نجاح جزئي لا يعني الفشل
في هذا السياق، يرى المحلل السياسي الليبي حسام الفنيش أن الحكم على المبادرة بالفشل أو النهاية لا يعكس الواقع الحالي بدقة، مشيراً إلى أن المسار لم يحقق اختراقاً جذرياً بعد، لكنه سجّل تقدماً نسبياً في ملفات ظلت مجمدة لفترات طويلة.
وأوضح أن من بين أبرز هذه النتائج تحريك ملفات التنسيق بين المؤسسات، وتوحيد بعض أوجه الإنفاق التنموي، إلى جانب خلق أرضية مشتركة للحوار بين الأطراف المختلفة، حتى وإن كانت هذه الخطوات لا تزال محدودة مقارنة بحجم الأزمة الليبية.
دعم دولي مستمر رغم التباطؤ
ويرى الفنيش أن الولايات المتحدة والمجتمع الدولي لا ينظران إلى هذا المسار باعتباره مشروعاً انتهى، بل كإطار قابل للتطوير، خاصة في ظل المصالح المرتبطة باستقرار ليبيا، سواء من ناحية أمن البحر المتوسط أو مسارات الطاقة والتجارة في المنطقة.
ويشير إلى أن المرجح في المرحلة المقبلة هو إدخال تعديلات على أدوات وآليات إدارة الملف، بدلاً من التخلي عنه، نظراً للتكلفة العالية لأي عودة إلى حالة الجمود أو التصعيد.
إرادة ليبية شرط أساسي للنجاح
من جانبه، يؤكد الناشط السياسي الليبي أشرف بودوارة أن أي مبادرة دولية، بما فيها مبادرة بولس، لا يمكن أن تحقق نجاحاً حقيقياً دون وجود إرادة سياسية ليبية جامعة وتوافق وطني واسع.
ويرى أن إشراك مختلف القوى الوطنية، بما فيها المؤسسات العسكرية الفاعلة، يمثل عنصراً أساسياً في أي تسوية مستقبلية، مع التشديد على أن الحل في ليبيا يجب أن يكون ليبياً في جوهره، وإن كان مدعوماً دولياً.
بين الجمود واستمرار المسار
وبينما لا تزال الأوضاع السياسية في ليبيا تراوح مكانها، تشير المعطيات إلى أن المبادرة لم تنهَر، لكنها أيضاً لم تحقق بعد التحول الحاسم المطلوب لإنهاء الانقسام، ما يجعلها في مرحلة “اختبار” مستمر.
ويخلص مراقبون إلى أن المسار الحالي، رغم بطئه، لا يزال ضمن دائرة الاهتمام الدولي، وأن أي تقدم مستقبلي سيظل مرهوناً بقدرة الأطراف الليبية على الوصول إلى توافقات داخلية، إلى جانب استمرار الدعم الدولي المنسق بدلاً من المبادرات المتفرقة.







