عاد الملف الليبي إلى صدارة الاهتمام الدولي مع تصاعد الحضور الأميركي في المسارات السياسية والعسكرية والاقتصادية للأزمة، في تحول لافت يوحي بأن واشنطن لم تعد تكتفي بدور المراقب من بعيد بل تميل إلى الانخراط المباشر في صياغة ملامح المرحلة المقبلة. وقد عزز هذا الانطباع ظهور كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس أمام مجلس الأمن، في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشراً على انتقال المقاربة الأميركية من الدعم غير المباشر إلى محاولة التأثير الفعلي في مسار التسوية.
المداخلة الأميركية في مجلس الأمن عكست تعهداً واضحاً بأن تكون الولايات المتحدة في طليعة الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تحقيق الوحدة والسلام الدائم في ليبيا، مع تركيز خاص على دفع مسارات التكامل العسكري والاقتصادي بين شرق البلاد وغربها. هذا الطرح لقي اهتماماً داخل الأوساط الليبية التي رأت في الحضور الأميركي عبر منصة مجلس الأمن نافذة محتملة لتحريك الجمود السياسي المستمر منذ سنوات، وإن ظل التفاؤل محاطاً بالحذر بسبب تعقيدات المشهد الداخلي وتشابك المصالح الإقليمية والدولية.
خلال العامين الأخيرين تكثف الحراك الأميركي عبر رعاية لقاءات بين شخصيات مؤثرة من الشرق والغرب، من بينها اجتماعات في عواصم أوروبية جمعت ممثلين عن القيادة العامة في شرق ليبيا ومسؤولين من حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس. واعتبر بعض الساسة الليبيين أن هذه التحركات تندرج ضمن إطار قانون دعم الاستقرار في ليبيا الذي أقره الكونغرس الأميركي قبل سنوات، والذي يهدف إلى تعزيز الانخراط الأميركي في تسوية النزاع ودعم الحكم الديمقراطي واستعادة الأصول الليبية المجمدة.
على المستوى العسكري يبرز اسم القيادة الأميركية في أفريقيا أفريكوم بوصفها لاعباً أساسياً في المشهد الأمني الليبي. وقد زاد الاهتمام بمناورة فلينتلوك 26 المرتقبة في مدينة سرت، والتي تنظمها أفريكوم بمشاركة قوات ليبية من الشرق والغرب، في بلد يعاني انقساماً مؤسساتياً حاداً. ويرى بعض المحللين أن هذه المناورة قد تمثل نقطة انطلاق لتنسيق عسكري أوسع وربما تمهيداً لإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية على أسس أكثر شمولاً. في المقابل يحذر خبراء عسكريون من أن أي تقدم سيظل شكلياً ما لم تُعالج جذور الأزمة المرتبطة بتدفق السلاح والمرتزقة واستمرار الانقسام السياسي.
يبقى ملف الميليشيات أحد أبرز التحديات أمام أي مسار سياسي. فبدون معالجة حقيقية لقضية نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج يصعب تصور قيام سلطة تنفيذية مستقرة وقادرة على فرض قراراتها. ويرى بعض المتابعين أن نجاح أي مبادرة أميركية سيظل مرهوناً بقدرتها على خلق توازن بين القوى المحلية المؤثرة، وبتفاهمات إقليمية تضمن الحد الأدنى من الاستقرار.
اقتصادياً حمل الخطاب الأميركي إشارات واضحة إلى دعم توحيد المؤسسات المالية وفي مقدمتها مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، والدفع نحو اعتماد ميزانية موحدة باعتبارها خطوة أساسية في مسار الاستقرار. كما حضرت ملفات الطاقة بقوة في التحركات الأميركية، ما يعكس بعداً براغماتياً في المقاربة يربط بين الاستقرار السياسي وتأمين المصالح الاقتصادية.
في ظل هذا المشهد يثور تساؤل حول موقع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وإمكان تكامل دورها مع الحضور الأميركي المتصاعد. فإما أن يؤدي الانخراط الأميركي المباشر إلى تقليص دور البعثة، أو يفضي إلى تنسيق أوثق بين الطرفين إذا توافرت رؤية مشتركة. وبين هذين الاحتمالين يبقى مستقبل الأزمة الليبية معلقاً على قدرة الفاعلين المحليين والدوليين على تحويل الزخم السياسي إلى خطوات عملية تنهي سنوات الانقسام، في بلد أنهكته خمسة عشر عاماً من الصراع وتعدد مراكز القرار.






