الأحد مارس 3, 2024
بحوث ودراسات

يسري الخطيب يكتب: العربية.. لغة التحديات والسموق العبقري

لقد اختار اللهُ عز وجل اللغة العربية لتكون وعاء القرآن الكريم بكلماته ومعانيه المقدسة، وعندما يكون الاختيار ربّانيا، فليصمت البشر، وعليهم أن يتأملوا تلك اللغة الخالدة العبقرية التي لا مثيل لها بين لغات الأرض..

إنها لغة التحدي، والعطاء المتواصل، والمرونة المُدهشة، والتجديد، والرشاقة اللفظية

نشأة اللغة: هل اللغة توقيفية أم وَضْعية؟

تقول المصادر اللغوية: اختلف العلماء في نشأة اللغة: فمنهم من يرى أنها وحي وتوقيف من الله – سبحانه وتعالى-، علّمها آدم (عليه السلام) ويرون أن الله علّمه لغات البشر كلها ويستدلون بقول الله تعالى: (وعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّها) أي: ألهمه تأويل لغات العالم.

 وتم الرد على هذا الرأي بأنه لا داعي لتعليم الإنسان الأول لغات أهل الدنيا لعدم الحاجة إلى ذلك، ولتعذر الاستفادة منه. ومما يدل على ضعف هذا الدليل تأويل الآية على وجه آخر وأن المراد بالأسماء أسماء الملائكة، وقيل: إنه علّمه تسمية الأشياء، لأن الاسم هو العلامة، والأسماء هي أصل الأشياء.

والرأي الآخر يرى أنه اللغة وضعية، أي: وضعها الإنسان بعد أن ألهمه الله اللغة وطريقة وضع الأصوات مقابل المسميات، فهي اصطلاحية، أي: يتفق قوم في مكانٍ ما على تسمية الأشياء بأصوات معينة، وهي الحروف التي تتألف منها الكلمات، ومن هنا نشأ اختلاف اللغات، فالأشياء ثابتة لكن مسمياتها مختلفة من لغة إلى لغة، (الهواء، والماء، والبحر، والنهر، والشمس، والقمر، والليل، والنهار، والسفن) ثابتة لكن أسماؤها تختلف من لغة إلى أخرى.

من المعلوم أن اللغة العربية لا يمكن أن تكون نشأت بهذه الصورة من النضج والتكامل دون أن تكون قد مرت بمراحل من التهذيب والتنقيح، لكن لا يستطيع أحد تحديد الزمن الذي تكونت فيه اللغة العربية بصورتها المروية لنا، ومما لا شك فيه أن هذه اللغة تعرضت لعوامل الاندماج والتقارب بسبب امتزاج شعوبها واتحاد قبائلها في أساليب المعيشة، ولما كان بينهم من الروابط القوية في الجنس والبيئة والعادة، مما أدى إلى اتحادها وتخلصها من الاختلافات، ونقائها بالتدريج، وذلك على أطوار:

الطور الأول:

تنقيح إسماعيل -عليه السلام- ولا يبعد أن يكون ذلك إلهامًا، واشترك في هذا التهذيب أكثر القبائل العربية حيث كانوا يجتمعون ويحتشدون للمفاخرة بالأنساب والأحساب، وخاصة الشعراء والخطباء وتقليد العامة لهم، حتى نشأ بينهم التنافس في إحكام اللغة والبيان.

الطور الثاني:

هو نهضة قريش وانتشار نفوذها الأدبي لمكانتها ووضعها بين القبائل، حتى صارت لغة قريش إلى عذوبتها وفصاحتها، فأقبل العرب يحاكونها ويمشون على خطاها.

الطور الثالث:

ظهور الأسواق الأدبية، ومن أشهرها سوق “عكاظ” الذي كانوا يتوافدون إليه لمفاداة أسراهم والتحاكم في خصوماتهم، وللمفاخرة بالأنساب والتباهي بفضائل الصفات مثل: الكرم، والشجاعة، والفصاحة، والأشعار، والخطب. وكانت القصائد تعلق، ومنها السبع الطوال التي عرفت فيما بعد “بالمعلقات السبع” لتعلقها بالقلوب أو لأنها علقت على أستار الكعبة.

مراتب المعنى

وفي دراسة نشرها قسم اللغة العربية بكلية التربية جامعة البصرة العراقية بعنوان: (قوة المعنى في العربية):

احتوت صفحات العربية بما تحمله من الأنظمة الدلالية التي وقف عليها علماء اللغة؛ تأسيسًا لها، وبيانًا لأغراضها التي لا ينضب رافدها، ولا يمل مرتشفها. فكان المعنى من جملة ما اعتنوا به؛ فأفاضوا به الحديث، وساقوا إليه الشواهد التي تدل على أن للمعنى مراتب عديدة، منها ما يؤدي بدلالة البنية في الصيغة الإفرادية، ومنها ما يتعلق بنظام الجملة والتركيب؛ فتحتمل الصيغة في بنائها على أكثر من مبنى، يدل كل واحد منها على مرتبة للمعنى، تصل في أقصى تلك المراتب إلى ما يدعونا للقول بقوة المعنى المنعقدة بقوة الصيغة، ثم إن دلالة البنية بما تحمله من دواعي لقوة المعنى يكون لها الأثر الفاعل على مستوى ترابط عناصر ذلك اللفظ وما يطرأ عليها من تغييرات وإضافات يكون لها الأثر الواضح في مستوى قرائن الألفاظ داخل التراكيب، وليس هذا فحسب بل قد يشير المعنى بدلالته المرتبطة بقوة المعنى إلى النظام العام، أوما يدعى بسياق الحال الذي قد تقع تحته مجموعة من أنظمة الكلام يربطها داعي المعنى المراد التعبير عنه بأجلى صورة وأدق تعبير.

الحرب على العربية

لم يجرؤ أحد أن يقف في وجه اللغة العربية طيلة القرون الفاتة، بل اعترف بعبقريتها كل المستشرقين والباحثين العجم، ولكن مع إطلالة القرن العشرين، وظهور موجات التغريب، بدأت الحرب بواسطة الخونة العرب العلمانيين وكارهي لغة الضاد الذين لا يجيدون كتابة جملة عربية صحيحة، وكان عداء تلك الطوائف للإسلام، سببا في حربهم على لغة القرآن

يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري: (اللغة العربية التي أرادوا محوَها.. رصيدها المعجمي، يتجاوز 12 مليونا و300 ألف كلمة. ويمكن اشتقاق أكثر من 95 مليون فعل فيها. (نستخدم منها فقط 0,04 %). أما الإنجليزية فقاموس أكسفورد يضم فقط: مليون كلمة، 40% منها مقترض من لغات أخرى، واللغة الفرنسية 100 ألف كلمة، وهي مهددة بالانقراض)

المترادفات في لغة العرب

اللغة العربية هي لغة حيّة وقادرة على التكيف مع المستجدات، فهي بحرٌ كبير، ولك أن تعلم اتساعها عندما جمعَ “الفيروز آبادي” صاحب “القاموس المحيط”، عددًا من مترادفات الأسماء العربية في كتاب طريف أسماه: “الروض المسلوف.. فيما له اسمان إلى ألوف في اللغة العربية” وذكر فيه: خمسمائة اسم للأسد، ومائتي اسم للحية، وثمانين اسمًا للعسل،

 لا يوجد في اللغة العربية كلمتان بنفس المعنى، بل يوجَد مترادفات، والفرق بين الأمرَين أن “نفس المعنى” يعني “التطابق في المعنى”، أما الترادف فيعني “التجاوُر”، أي إن الكلمتين متقاربتان في المعنى كأنهما متجاورتان على خط المعنى.

– من أسماء الأسد التي ذُكرت في القرآن الكريم..

القَسْوَرَة: وتعني أسدٌ شاب قويّ شديد، ولذا قال القرآن الكريم: (كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ)، ولو اكتفى بكلمة أسد، فربما كان هذا الأسد مريضا أو صغيرا لا يستطيع المشي، ولكنها عبقرية لغة القرآن الكريم، فلو كان بالإنجليزية مثلا، لكانت هي (lion).

ومن أسماء الأسد:

بيهس: مأخوذ من البأس وهو الجرأة.

حيدرة: الحيدرة في الأسد مثل الملك في الناس.

الدرباس: الغليظ العظيم.

الدوّاس: الشجاع الماهر.

زُفر: تقال للرجل الكريم والشجاع، وكذلك سُميَ الأسد.

العَثمْثَم: العظيم الشديد.

العِرباض: الثقيل العظيم.

غضنفر: الغليظ الجثة.

باسل: الشجاع الشديد الجريء

هزّاع: المُكسِّر المُحطِّم.. الذي يُكسّر عظام فرائسه

– يقول “ابن خالويه” إن للأسد (حوالي 500 اسم)

– لو نظرنا للفعلين: قعد – جلس، قد نظن أنهما (متطابقان في المعنى)،

لكن، سنجد أن (قعد) يعني أنه كان واقفًا قبل قعوده،

(جلس) يعني أنه كان مضطجعًا قبل جلوسه، أي إن القعود يكون بعد علوّ، والجلوس يكون بعد سُفل… لهذا يسمى جلوس الصلاة جلوسًا، لأنه لا يكون إلّا بعد سجود، أي من سُفل إلى علو. (مجمع اللغة العربية المصري)

– مثلا.. كلمات: مائدة – طاولة – خوان – منضدة

(المائدة): هي الطاولة إذا كان عليها طعام،

فإذا كانت خالية فهي (خوان)، وإذا كانت مستطيلة فهي (طاولة)، وتسمَّى (منضدة) إذا نضَّدت (أي رتَّبت ورصصت) عليها الأشياء.

– أما كلمات “البدلة” و”البذلة” و”البزّة”، تجد أنها مترادفة، ولكن (البدلة) تُستعمل للإشارة إلى زِيّ الخروج والمناسبات الرسمية،

(البذلة) يُشار بها إلى الرداء الذي يُستعمل للعمل المُبلِي، وهي التي يسمّيها العامة “العفريتة”،

(البزّة) هي الزي العسكري…

– وهذا على سبيل المثال، فالمتردافات في اللغة العربية لا يمكن حصرها، وكما قال أبو الأسود الدؤلي: (كلام العرب لا يحيط به إلا نبي)

عندما تتـغـيّر معاني الكلمات:

إن تطور الحياة يؤثر بشكل كبير على تطور اللغة، مرآة المجتمع، وعلى علم التطور الدلالي اللغوي..

هذا على سبيل المثال، لا الحصر

1- بهلول:

كانت تعني “السيد العظيم الذي يلجأ إليه أهله”، فأصبحت تعني “الأبله الذي يسخر الناس منه في الشوارع”، وهو تطوُّر دلالي حدث للكلمة بعد أن كان المُلوكُ والأمراء والسادة يُخلَعون في عصر المماليك، وتُفقأ أعيُنُهم، وتُجدَع أنوفهم، فيسيرون في الشوارع عُرضةً لسخرية الناس.

2- بهلوان:

هو الفارس الماهر الذي يتقن فنون الكرّ والفرّ والقفز والمروق من بين السهام والسيوف والرماح، إلى آخر مهارات الفرسان، وبعد استعمال المدافع والبنادق في الحروب، أصبحت مهاراته غير ذات نفع، ومع الوقت أصبحَت تُطلَق على اللاعبين في الملاهي والسيرك، وعلى التافهين.

3- بلطجي:

هو العملاق حامل البلطة الذي كان يسير في مقدمة الجيش، ويمهّد الطريق للجنود، وتحولت للدلالة إلى المجرمين أو المعتدين على الناس بغير حق، وقد رأينا شخصية “تورجوت” حامل البلطة في مسلسل “قيامة أرطغرل” التاريخي.

4- شاطر:

كان العرب يطلقونها على اللصوص، وخصوصًا القراصنة وقُطّاع الطُّرُق، وتعني الرجل الخبيث الماكر، وأصبحت تستخدم الآن في البلدان العربية بمعنى الذكي الناجح،

5- فاسق:

الفِسق في اللغة هو الخروج عن الشيء المعتاد، بصفة عامة، فالمتمرّد فاسق.

(كانت بعض القبائل تُجرِّم الزواج من القبائل الأخرى، فإذا تمرّدَ رجل وتزوّجَ من قبيلة ثانية، فهو بالنسبة لقبيلته: فاسق، وإذا رفضَ شاب مهنة قبيلته التي تعمل كلها بالتجارة مثلا، وامتهنَ هو حرفة أخرى مرفوضة من قبيلته، فهو بالنسبة لهم فاسق… وهكذا)

فكلمة فاسق كانت تُطلق على كل متمرّد أو رافض لسياسة القطيع، وهو ما نطلق عليه: (يغرّد خارج السِّرب)

وتحوّلَ معنى الكلمة مع الوقت للكُفر والخروج من الدين.

فمعنى الفسق في المصطلح الشرعي هو خروج الإنسان عن حدود الشرع وانتهاك قوانينه بالسيّئات، وارتكاب المحرّمات وهي الكبائر، أو الإصرار على الصغائر، والبِدَع.

ألفاظ جديدة

في الشهور الأخيرة حدثت ضجة كبرى في أوساط اللغويين، بسبب إجازة مجمع اللغة العربية المصري لكلمة (تريند)، وهي كلمة أعجمية الأصل، تعني: رائج أو منتشر، ولم يكن مجمع اللغة موفقا في ذلك، لأن لغتنا بحر كبير، كما وصفها الشاعر حافظ إبراهيم وهو يتحدث عن اللغة العربية:

رَجَعتُ لِنَفسي فَاِتَّهَمتُ حَصاتي

وَنادَيتُ قَومي فَاِحتَسَبتُ حَياتي

رَمَوني بِعُقمٍ في الشَبابِ وَلَيتَني

عَقِمتُ فَلَم أَجزَع لِقَولِ عُداتي

وَلَدتُ وَلَمّا لَم أَجِد لِعَرائِسي

رِجالاً وَأَكفاءً وَأَدتُ بَناتي

وَسِعتُ كِتابَ اللَهِ لَفظاً وَغايَةً

وَما ضِقتُ عَن آيٍ بِهِ وَعِظاتِ

فَكَيفَ أَضيقُ اليَومَ عَن وَصفِ آلَةٍ

وَتَنسيقِ أَسماءٍ لِمُختَرَعاتِ

أَنا البَحرُ في أَحشائِهِ الدُرُّ كامِنٌ

فَهَل سَأَلوا الغَوّاصَ عَن صَدَفاتي

وكان من إجازات لجنة الألفاظ والأساليب بالمجمع اللغوي بالقاهرة التي أثارت غضب الشعراء والكتاب والأكاديميين وعشاق لغة القرآن:

1-  التِّرِنْد

وهي كلمة معرَّبة عن الأصل الإنجليزي trend بمعنى: اتِّجاه أو نَزْعة أو مَيْل أو موضة.

يقول أ.د. عبد الحميد مدكور (الأمين العام للمجمع): نوقشت هذه الكلمة مناقشة مطوَّلة في لجنة الألفاظ والأساليب بالمجمع، وتعدَّد الرأي حولها ما بين موافق ورافض، ولكلٍّ وِجْهة هو مولِّيها، وحدث هذا الأمر نفسه عند العرض على مجلس المجمع. وبعد مناقشات طويلة ما بين القبول والرفض تغلَّب الرأي الذي وافق على تقبلها، وكان من أسباب تقبلها أنه لا توجد كلمة واحدة تعبر عن مضمون هذه الظاهرة المركبة التي ساقتها وسائل التواصل الاجتماعي، ثم إن اشتهار هذه الكلمة وسرعة تداولها قد أعطتا هذه الكلمة قوة تعطيها فرصة كبرى للانتشار. ثم لوحظ كذلك أن اللغة العربية قد تقبَّلت قديمًا وحديًثا كلمات من هذا النوع جاءت إليها من الفارسية واليونانية والسريانية وغيرها، ولا بد أنهم ترددوا في أول الأمر لكنهم تقبلوا كثيرًا منها، وظهرت الكتب التي تبحث ظاهرة الدخيل.  وقد وجدنا في تراثنا القديم كلمات كثيرة، وتكرر هذا في الواقع اللغوي الحديث، ومن ذلك كلمات مثل الكلاسيكية والرومانتيكية، ومن قبلهما الفلسفة والموسيقا (بالألف أو بالياء)، وكذلك أسماء بعض الآلات أو الأدوات كالتليفون والموتور والميكانيكا وأسماء بعض العلوم كـ(الفيزياء والجيولوجيا والجغرافيا)، وهذه ليست إلا أمثلة قليلة من ظاهرة كبيرة متجدِّدة تؤدي إلى مناقشات طويلة تجعل قبولها مشروطًا بشروط دقيقة تؤدي إلى قبول بعضها ورفض كثير منها في أكثر الأحيان.)

2- الترويسة:

كلمة رئيسة أو عنوان رئيس يُذكر في رأس الصفحة لإبراز مضمون ذي أهمية خاصة، وهي مألوفة في الكتب والمعاجم والجرائد والمجلات. والترويسة ترويسة العنوان الذي يتضمن اسم المؤسسة ومكانها وما يتصل بها من معلومات خاصة، مثل رقم الهاتف والفاكس ونحوها كترويسة جريدة الأهرام. وجه الاعتراض: لعدم ورودها في المعاجم العربية. وجه الإجازة: أصل الواو في الترويسة هو الهمزة؛ فهي في الأصل “ترئيسة” من الفعل “رأّس”. يقال: رأَّسه عليهم: جعله رئيسًا. وتتميز الكلمة السابقة على وزن (تفعيلة) بكثرة الاستعمال، وبالصحة اللغوية، والاختصاص بدلالة اجتماعية اكتسبتها من ممارسات الناس في حياتهم الاجتماعية، وتفاعلاتهم اللغوية اليومية.

وما سبق يجعلنا نسأل: هل توجد ألفاظ أعجمية في القرآن الكريم؟

تقول صفحة مجمع اللغة العربية السعودي: لا توجد في الكلمات العربية كلمةً تشبه: (البطاقة)، لن تجد منها: فعلًا، ولا اسم فاعل، ولا اسم مفعول، ولا اسم مكان، ولا اسم زمان، ولا أي مشتقّ آخَر.

فقط هي “بطاقة”، رغم ورودها في جميع المعاجم العربية القديمة والحديثة؛

البعض يقول إنها كلمة فرعونية مصرية الأصل..

جاء في (الصحاح في اللغة): البِطاقَةُ بالكسر: رُقَيْعَةٌ (تصغير رُقْعَة) تُوضَع في الثوب فيها رَقْم الثَّمَن بلغة أهل مصر..

– ويقال – والعهدة على الرواة – بأن اللغة العربية اتسعت لكثير من الألفاظ غير العربية (أسماء وأعلام فقط) حتى إن كثيرًا من الألفاظ الأعجمية وردت في القرآن الكريم، مثل “اليمّ” المصرية (ولم ترد إلا في قصة موسى وفرعون)، و”إستبرق” الفارسية، وغيرهما،

الأسماء الأعجمية!

– بعض الأمثلة للألفاظ (الأسماء) الأعجمية في القرآن: من كتاب (البرهان في علوم القرآن للزركشي- جزء 1، ص 288)، وكتاب (الإتقان في علوم القرآن للسيوطي- ج1 ص139).. وقد رد الشيخ الشعراوي على تلك الادّعاءات، وقال إن تلك الألفاظ كانت في الشعر العربي الجاهلي، ومن قبل ظهور الإسلام بقرون..

1- الطور (سريانية)= الجبل.

سورة البقرة: “وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ”

2 – طفِقا (رومية) = قصدا.

سورة الأعراف: “وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ”

3 – الرقيم (رومية)= اللوح.

سورة الكهف: “أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا”

4 – هدنا (عبرانية) = تُبْنا.

سورة الأعراف: “وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ”

5 – طه (عبرانية) = طأْ يا رَجُل.

سورة طه: “طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى”

6 – سينين (عبرانية) = حسن.

سورة التين: “وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ”

7 – السجلّ (فارسية) = الكتاب.

سورة الأنبياء: “يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ”

8 – الإستبرق (فارسية) = الغليظ.

سورة الدخان: “يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ”

9 – السندس (هندية) الرقيق من الستر.

سورة الدخان: “يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ”

10- السرىُّ (يونانية) = النهر الصغير.

سورة مريم: “فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا”

11 – المشكاة (حبشية) = الكوّة (وفي العامية المصرية = الطاقة)

سورة النور: “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ”

12 – الدُّرّيّ (حبشية) = المضيء.

سورة النور: “الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ. الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ”

13 – ناشئة الليل (حبشية) = قام من الليل

سورة المزمل: “إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا”

14 – كِفْلين (حبشية) = ضعفين.

سورة الحديد: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ”

15 – القَسْوَرَة (حبشية) = الأسد.

سورة المدثر: “فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ”

16 – الملة الأخرى (قبطية) = الأولى.

سورة ص: “مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ”

17 – وراءهم (قبطية) = أمامهم

الكهف18: 79 “وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا” (الطبري: وَكَانَ أَمَامهمْ مَلِك)

18 – بطائنها (قبطية) = ظواهرها.

سورة الرحمن: “مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ”

19- أباريق (فارسية) = أواني.

سورة الواقعة.

20 – إنجيل (يونانية) = بشارة.

سورة آل عمران.

21 – تابوت (قبطية) = صندوق.

سورة البقرة.

22 – جهنم (عبرية) = النار.

سورة الأنفال.

23 – زكاة (عبرية) = حصة من المال.

سورة البقرة.

24 – زنجبيل (بهلوية) = نبات.

سورة الإنسان.

25 – سجَّيل (بهلوية) = الطين المتحجر.

سورة الفيل.

26 – سرادق (فارسية) = الفسطاط.

سورة الكهف

27 – سورة (سريانية) = فصل.

سورة التوبة.

28 – طاغوت (حبشية) = الأنداد

سورة البقرة.

29 – فردوس (بهلوية) = البستان

سورة الكهف.

30 – ماعون (عبرية) = الـقِـدْر.

سورة الماعون.

لكن…

1- وَإِنَّهُ لَتَنزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [سورة الشعراء:192-195].

المقصود باللسان العربي = ما نطق به العرب، ودار على ألسنتهم، وصار من لغتهم، ولذا كان قول الله عز وجل واضحا، ولم يقل: بكلامٍ عربي

2- لم يعارض العرب الذين عاصروا نزول القرآن، وعارضوا دعوة الإسلام، تلك الألفاظ، ولم يخرج أحدهم ويقول إن في القرآن كلمات غير عربية، وهم كانوا أولى من غيرهم في نفي ذلك لو كان، وهم أجدر أن يعلموا ما فيه من كلمات أعجمية لا يفهمونها، أو ليست من نسيج لسانهم العربي المبين، ولو كان شيء من ذلك القبيل، لوجدوا ضالتهم في الرد على دعوة الإسلام، ومدافعة ما جاء به القرآن؛ أَمَا وإنهم لم يفعلوا ذلك، فقد دل ذلك على تهافت هذه الدعوة، وسقوطها من أساسها جملة وتفصيلاً.

3- إن التوافق والتداخل والاشتراك بين اللغات في بعض الكلمات، أمر شائع ومعروف ومألوف، وهو أمر قد قرره دارسو علم اللغات أنفسهم قديمًا وحديثًا؛ فاللغة العبرية تشتمل على عدد غير قليل من الكلمات التي أصلها عربي، ومع ذلك لا يقال عن الناطق بتلك اللغة: إنه لا يتكلم العبرية؛ وكذلك الشأن في اللغة التركية، إذ تحتوي على العديد من المفردات التي أصلها عربي، ومع ذلك لم يقل أحد عنها: إنها ليست لغة تركية؛ وأيضاً فإن اللغة السريانية، تعد عند علماء اللسانيات شقيقة اللغة العربية في مجموعة اللغات السامية، وهي تشترك مع العربية في كلمات وعبارات وقواعد واشتقاقات كثيرة، ليس هذا مكان الخوض فيها. وإذا كان الأمر كذلك، فلا يقال في الكلمات المشتركة والمتداخلة بين اللغات: إن لغة ما أخذتها من الأخرى. ومثل هذه الكلمات المشتركة والمتداخلة يوجد الكثير منها في لغات العالم، وخصوصًا بين الشعوب المتجاورة، وذات الأصل الواحد القريب، ومنها اللغات: (التركية، والكردية، والفارسية) فلديها كلمات مشتركة كثيرة؛ وكذلك بالنسبة إلى اللغات التي أصلها لاتيني، كاللغة الفرنسية والإسبانية، واللغات التي أصلها جرماني، كاللغة الإنجليزية والألمانية.

4- التلاقح بين اللغات والتفاعل فيما بينها عبر العصور والأزمان، أمر واقع ومقرر؛ ومسألة التلاقح والتفاعل بين اللغة العربية واللغات الأخرى مسألة ليست وليدة اليوم، إنما ترقى جذورها إلى العصور الزمنية التي سبقت دعوة الإسلام؛ فقوافل العرب التجارية كانت تشد رحالها في الصحراء قاصدة اليمن والحبشة وبلاد فارس؛ وكثير من الشعراء العرب كانوا ينـزلون بلاطات حكام تلك البلدان، على نحو ما يُذكر من أخبار اتصال النابغة الذبياني (604م) والأعشى الأكبر (629م) بحكام الإمارة الغسانية المتاخمة لبلادهم، واتخاذ ملك الفرس “أبرويز” تراجمة له من العرب، مثل عدي بن زيد (587م) الذي كان مقيمًا في الحيرة.

5- تلك الألفاظ القرآنية، والتي قيل عنها: إنها أعجمية، من باب الأسماء والأعلام؛ وقد اتفق علماء اللغات قديمًا وحديثًا، أن أسماء الأعلام إنما تُنقل من لغة إلى أخرى كما هي، كما يحدث في زماننا هذا، مثل كلمات: تليفون وتليفزيون وإستراتيجية وأجزخانة وطابور….، وعشرات الكلمات الغربية الأخرى التي دخلت المعاجم العربية…

لغة التحدي

كان اختيار الله عز وجل للغة العربية لحكمة، وأسباب كثيرة تملكها لغة العرب، كما ذكرنا، ولذا فإنني أضحك عندما أجد أحدهم في وسائل الإعلام يزعم أن القرآن به خطأ لغوي أو نحوي

علوم النحو والبلاغة وُضعت على القرآن، واقتبست مناهجها وأُسسها من كتاب الله، وليس العكس.. فلا تأتِ أنت لتتحدث عن أخطاء النحو في القرآن الكريم.

– هل كان كفار العرب سيسكتون لو وجدوا شيئا غريبًا في لغة القرآن؟

– لغة القرآن المُعجِزة هي التي أدهشت العرب أهل البلاغة.. فهي لغة التحدّي

ومن أشهر الأشياء التي يتشدق بها هؤلاء، ويزعمون أنها غير صحيحة نحويا: “إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ”.. 63 – سورة طه

ويأتي الرد من العالم العراقي الدكتور فاضل السامرّائي (أستاذ النحو والتعبير القرآني بجامعة بغداد):

“إن” تأتي بمعنى نعم:

 “إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ”.. 63 – سورة طه

إنْ هذان لساحران

(كما تعلمنا في المدارس “إن” تنصب المبتدأ وترفع الخبر.. ولذا سيقول الذي لم يقرأ شيئا خارج كُتب المدرسة.. هذه خطأ ويجب أن تكون: إن هذين….)

 إنْ هذان لساحران – قراءة حفص – اللام في “لساحران” لام فارقة حتى تتميّز مع النافية،

لو حذفنا اللام ستصبح نافية (ما هذان ساحران)

(اللام للنفي)  

إن أنت مسافر = لستَ مسافرا

إن أنت لمسافر = إنك مسافر

إنّا لنظنك من الكاذبين = كاذب

إنّا نظنك من الكاذبين = لستَ كاذبا

اللام الفارقة تفرق بين النفي والإثبات

اللام تثبت السحر لهما

القراءة الأخرى: إنّ هذا لساحران.

(إنْ – إنّ)

إن تأتي بمعنى نعم:

يقول شاعر قريش في العصر الأموي “عبيد الله بن قيس الرقيّات” (تُوفي سنة 85 هـ)

بكَرَ العوازلُ في الصباح // يلُومنَنِي وألومهنَّ

ويقلن شيبٌ قد علاكَ // وقد كبرتَ فقلتُ إنّ

وتُكتب أيضا هكذا:

بكَرَ العواذلُ في الصّباحِ يلُمْنَني وألُومُهنَّهْ

ويقُلْنَ شيبٌ قد علاكَ وقد كبرْتَ فقُلتُ: إنََّهْ..

وهُنا (إنَّ) = نعم

والهاء في ألومُهُنَّ في البيت الأول، وإنَّ في البيت الثاني، هاء السكت التي تأتي عند نهاية الكلام، كـ(فبهداهم اقتَدِهْ)

وتأتي إنَّ بمعنى نعم في لُغةِ العرب، وقال بعضهم “إنّه” = إنه لكذلك…

– قال أحدهم لعبد الله بن الزبير: لعنَ اللهُ ناقةً حملتني إليك

فقال له: إنَّ وراكبها.. أي: نعم ولعنَ راكبها

حقا إنها لغة التحدي الخالد

Please follow and like us:
يسري الخطيب
'- شاعر وباحث ومترجم - رئيس القسم الثقافي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *