تواجه القارة الآسيوية في الوقت الراهن لحظة الحقيقة الجيوسياسية والاقتصادية الأكثر تعقيداً في القرن الحادي عشر، حيث بدأت خطوط الدفاع الأولية التي شيدتها الحكومات ضد صدمات الطاقة في التلاشي والانهيار التام، تاركةً المجال لموجة ثانية مدمرة من التداعيات الناتجة عن الحرب العسكرية الأمريكية الصهيونية ضد إيران.
إن الإغلاق الإيراني الصارم والمستمر لمضيق هرمز- قبيل انفراجة لبعض السفن الصينية واليابانية بسبب زيارة ترامب للصين-، الذي يعد الشريان التاجي للاقتصاد العالمي بمرور خمس إمدادات الطاقة الدولية عبر مياهه، قد وضع الدول الآسيوية أمام مأزق لم يكن في الحسبان عند اندلاع الشرارة الأولى في الثامن والعشرين من فبراير الماضي.
وبينما سارعت العواصم من نيودلهي إلى مانيلا لاتخاذ تدابير استثنائية قائمة على ترشيد الاستهلاك القسري وتوجيه الغاز الطبيعي للمنازل بدلاً من الصناعات الحيوية كمصانع الأسمدة، فإن استطالة أمد الحرب وتجاوزها لفرضية “النزاع القصير” قد حول هذه التدابير من حماية مؤقتة إلى استنزاف بنيوي ينذر بكارثة اقتصادية واجتماعية شاملة.
نزيف الميزانيات واختناق النمو
تتوسع أزمة الوقود الآن في مختلف الاقتصادات الآسيوية بشكل مخيف، حيث أدى تحليق أسعار خام برنت القياسي عند مستوى 120 دولاراً للبرميل إلى تحطيم فرضيات الميزانيات الحكومية التي بُنيت على سعر 70 دولاراً فقط.
وبحسب تقارير وكالات الأنباء العالمية، وعلى رأسها “أسوشيتد برس”، فإن هذا الارتفاع الجنوني قد انعكس مباشرة على تضخم أسعار تذاكر الطيران، وتكاليف الشحن، وفواتير الخدمات الأساسية، مما يهدد النمو الاقتصادي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ بخسائر فادحة قد تلامس سقف 299 مليار دولار وفقاً لتقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
وتؤكد سامانثا جروس من معهد “بروكينجز” أن الدول ذات الموارد المحدودة هي التي تتلقى الصدمات الأولى بعنف، حيث يواجه نحو 8.8 مليون شخص خطر السقوط في براثن الفقر المدقع.
يأتى ذلك فى الوقت الذى يجد فيه صناع القرار أنفسهم أمام خيار شمشوني بين الاستمرار في دعم الوقود المكلف الذي يرهق المالية العامة أو رفعه وتحميل المستهلكين أعباءً قد تفجر غضباً شعبياً لا يمكن احتواؤه.
نماذج المعاناة الوطنية
في الهند، التي يقطنها 1.4 مليار نسمة، أدت سياسة تحويل الغاز الطبيعي لتأمين احتياجات 330 مليون أسرة إلى تقليص إنتاج الأسمدة، مما يهدد الأمن الغذائي لأكبر مصدر للأرز في العالم بالتزامن مع تحديات ظاهرة “النينيو”- نمط مناخي طبيعي يمثل “المرحلة الدافئة” من دورة مناخية أكبر تسمى “الذبذبة الجنوبية-.
وقد اضطر رئيس الوزراء ناريندرا مودي إلى حث مواطنيه على تبني سياسات تقشفية قاسية تشمل العمل من المنزل، والحد من السفر للخارج لتوفير العملة الصعبة، وخفض استخدام الأسمدة للنصف.
الفلبين
وفي الفلبين، لم يكن الوضع أفضل حالاً، حيث لجأت الحكومة لتقليص أيام العمل إلى أربعة أيام أسبوعياً لتوفير الوقود، في حين تشير وكالة “فيتش” للتصنيف الائتماني إلى تباطؤ حاد في النشاط التجاري بالعاصمة مانيلا.
تايلاند وفيتنام
أما تايلاند وفيتنام، فقد اضطرتا للتخلي عن سقف أسعار المحروقات وتعليق ضرائب الوقود لتخفيف الضغط، وسط تراجع مخيف في قطاع السياحة الفيتنامي الذي يمثل ركيزة أساسية للناتج المحلي، مما يعكس حالة الشلل التي أصابت شرايين الحركة والسفر في جنوب شرق آسيا.
القنبلة المالية الموقوتة
دفع نقص الوقود الحاد دولاً تعاني من أزمات سيولة مثل باكستان وبنجلاديش إلى الانزلاق نحو “المقامرة” في الأسواق الفورية، حيث تشترى احتياجاتها بأسعار متقلبة ومرتفعة جداً مقارنة بالعقود طويلة الأجل، مما يستنزف احتياطيات النقد الأجنبي المحدودة لديها.
ويحذر محلل شئون الطاقة أحمد رفدي إندوت المقين فى كوالالمبور، من أن الحكومات الآسيوية تسير الآن في حقل ألغام، فالاقتراض لتمويل دعم الطاقة يهدد بانفجار التضخم، وخفض الدعم يهدد الاستقرار السياسي، وهي الحالة التي وصفها بـ “القنبلة المالية الموقوتة”.
إن الأزمة الحالية، كما ترى ماريا مونيكا ورديجا من معهد “يوسف اسحق” في سنغافورة، قد كشفت عن الهشاشة الصادمة للطبقة المتوسطة الآسيوية، حيث أصبحت مكتسبات عقود من التنمية مهددة بالزوال، مما يفرض إعادة تشكيل شاملة لاقتصادات المنطقة وأسواق العمل وأنظمة الطاقة في مرحلة ما بعد الحرب.
أفق مسدود
ترى بعض التحليلات الاقتصادية الصادرة عن مؤسسات كبرى مثل “يوراسيا جروب” وشركة “إنتروس دوت أيه.آي” على أن انتهاء العمليات العسكرية في إيران لن يعني بالضرورة نهاية أزمة الطاقة في آسيا.
إن إصلاح البنية التحتية المدمرة في منطقة الخليج وإعادة تشغيل المنشآت النفطية المعطلة سيستغرق أشهراً من العمل التقني واللوجستي، مما يعني أن فجوة الإمدادات ستظل قائمة لفترة طويلة.
الأشد ضررا
وبحسب وكالة “أسوشيتد برس”، فإن آسيا تظل “الأشد تضرراً” مقارنة بأوروبا التي تمتلك بدائل أسرع، وهو ما يضع القارة الصفراء في مواجهة تحول قسري نحو تغيير استراتيجيات الطاقة والاعتماد على الذات.
ويبدو أن حرب 2026 قد أعادت رسم خارطة الفقر والثروة في آسيا، حيث لم يعد التحدي هو مجرد توفير وقود للسيارات، بل تأمين بقاء المنظومات الاقتصادية والاجتماعية من الانهيار تحت وطأة تكاليف طاقة لم تعد في متناول اليد.


