تصعيد عسكري يقابله حراك قبلي
منذ أن رُقّي الفريق أول صدام حفتر إلى منصب نائب القائد العام لـ”الجيش الوطني الليبي”، وشقيقه الفريق أول خالد حفتر إلى منصب رئاسة الأركان، تسارعت وتيرة لقاءاتهما مع وفود من أعيان ومشايخ القبائل في شرق وجنوب ليبيا. هذا الحراك لا يُقرأ فقط باعتباره “مباركة للترقيات العسكرية”، بل محاولة لتثبيت معادلة جديدة تربط القوة العسكرية بشرعية الدعم القبلي.
توسيع النفوذ عبر القبيلة
يرى مراقبون أن صدام حفتر بدأ مبكرًا في مدّ شبكة علاقاته مع القبائل، قبل تصعيده الأخير، مستهدفًا بالأساس قبائل محورية مثل أولاد سليمان والدرسة والعواقير، إلى جانب حرصه على بناء جسور مع قبائل عابرة للحدود مثل أولاد علي الممتدة بين ليبيا ومصر. هذه اللقاءات، وفق محللين، تحمل أبعادًا استراتيجية تتجاوز التعازي والمجاملات الاجتماعية، نحو إعادة إنتاج نفوذ سياسي-عسكري يعتمد على العصبية القبلية.
القبيلة كحاضنة للاستقرار أم ورقة ضغط؟
تشير تقارير بحثية دولية إلى أن القبيلة في ليبيا تملأ فراغ الدولة الضعيفة، حيث تؤمن الحماية وتدير العدالة العرفية، وأحيانًا تتحول إلى أداة ضغط سياسي واقتصادي، كما فعلت قبيلة الزوي حين أغلقت حقلًا نفطيًا للضغط على حكومة طرابلس. هذا الدور المزدوج يجعل من تحالف حفتر الأبناء مع القبائل سلاحًا ذا حدين: فهو قادر على تحقيق الاستقرار إذا صيغ في إطار وطني جامع، لكنه قد يعيد إنتاج الانقسامات إذا استُخدم كأداة لتوسيع النفوذ.
رهانات أبناء حفتر
التحركات الأخيرة تكشف عن سعي صدام وخالد لبناء تحالف استراتيجي بين الجيش والقبيلة، يُقدَّم باعتباره “مبايعة شعبية” تعزز إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية وفق رؤية طويلة المدى. ويدعم هذا الطرح بعض مشايخ القبائل الذين يعتبرون اللقاءات الأخيرة بمثابة “استفتاء على وحدة الصف” ضد الفوضى والإرهاب.
لكن محللين آخرين، مثل جلال حرشاوي، يحذرون من المبالغة في تفسير هذه اللقاءات كولاء مطلق، مؤكدين أن حضور الوفود القبلية في بنغازي لا يعني بالضرورة التزامًا ثابتًا، بقدر ما يعكس ديناميات معقدة تقوم على تبادل المصالح بين القيادة العسكرية والقبائل.
السيناريوهات المستقبلية
-
الاستقرار عبر القبيلة: إذا نجح أبناء حفتر في تحويل القبائل إلى جسر للتقارب الوطني، فقد تسهم هذه الشبكات في بناء أرضية صلبة للمصالحة، وتثبيت الاستقرار الأمني في مناطق الشرق والجنوب، وربما تمديد هذا النموذج إلى الغرب.
-
تكريس الانقسام: في حال تم توظيف الولاءات القبلية لأهداف سياسية ضيقة، فقد يؤدي ذلك إلى تفاقم الانقسامات الداخلية، وتكرار تجربة ما بعد 2011 حين استُخدمت القبائل كأدوات في النزاعات.
-
القبيلة كفاعل عابر للحدود: ارتباط أبناء حفتر بقبائل ممتدة إلى مصر والسودان قد يعزز دور الجيش الليبي كلاعب إقليمي، لكن هذا الدور سيظل مرهونًا بمدى قدرة القيادة على ضبط توازن العلاقات مع الدول المجاورة.
بين القوة والشرعية
في ظل استمرار الانقسام الحاد بين شرق وغرب ليبيا، يظل مستقبل دور أبناء حفتر مرهونًا بمدى قدرتهم على تحويل الولاء القبلي إلى مشروع وطني جامع، يوازن بين القوة العسكرية والشرعية الاجتماعية. وبينما تبدو التحركات الحالية خطوة لتثبيت قواعد النفوذ، يبقى السؤال: هل يكون الحضور القبلي جسرًا للاستقرار في ليبيا، أم مجرد أداة لإدارة النفوذ في بلد أنهكته الانقسامات؟


