في تاريخِ الثقافةِ العربيةِ شخصيّاتٌ لم تنتهِ المعاركُ حولها حتى بعد موتِها بقرون.
لأنّها لم تكن مجرّد أسماءٍ في كتبِ الأدب، بل كانت عقولًا قلقةً، وأسئلةً مفتوحةً، وتجاربَ إنسانيةً شديدةَ التعقيد.
ومن بين هؤلاء يقفُ أبو العلاء المعري وحيدًا في منطقةٍ يصعبُ تصنيفُها.
فلا خصومُه استطاعوا محوَ عبقريتِه، ولا مُحبّوه نجحوا في إغلاق أبواب الجدل حوله.
عاش ضريرًا زاهدًا، لكنَّه أبصرَ بعقلِه ما لم يُبصرْه كثيرٌ من مُعاصريه، فخرج شعرُه ممتلئًا بالحكمةِ والشكِّ والأسئلةِ الثقيلةِ عن الإنسانِ والحياةِ والموت.
(973م – 1057م) معرّة النعمان – إدلب – سوريا
أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ سُلَيْمانَ القُضاعيُّ التَّنُوخيُّ المعرِّي، الملقّب بـ«رهينِ المحبسين»؛ أي العمى والدار، و«شيخِ المعرّة».
وُلِدَ سنةَ 363هـ في معرّةِ النعمانِ بسوريا، وفقدَ بصرَه صغيرًا بسببِ الجدري.
غير أنّ العمى لم يمنعْه من التبحّر في علومِ اللغةِ والقراءاتِ والحديثِ والشعر، حتى قال الشعرَ وهو ابنُ إحدى عشرةَ سنة.
رحلَ إلى بغداد سنةَ 398هـ، وكانت يومئذٍ عاصمةَ الفكرِ والأدبِ في العالمِ الإسلامي.
فأقامَ بها عامًا وسبعةَ أشهر، ثم عادَ إلى بلدته معتزلًا الناسَ، منصرفًا إلى التأمّلِ والكتابة، فعُرفَ بـ«رهينِ المحبسين».
ترك المعرّي تراثًا أدبيًا وفلسفيًا ضخمًا.
من أشهره اللزوميات، وسقط الزند، ورسالة الغفران التي يرى بعض الباحثين أنّها من النصوص التي مهّدت لفكرة الرحلات الأخروية في الأدب العالمي.
ما ألّف الفصول والغايات، وعبث الوليد، وغيرها من الكتب التي كشفت عن عقلٍ لغويٍّ وفلسفيٍّ استثنائي.
وعاش المعرّي زاهدًا متقشفًا، يدعو إلى الرفق بالحيوان، حتى امتنع عن أكل اللحم سنواتٍ طويلة.
وكان يلبس الخشن من الثياب، ويعيش حياةً أقرب إلى العزلة الصوفية، وإن كانت فلسفتُه العقلية قد أبقتْه دائمًا في دائرةِ الجدل.
ومن أشهر قصائده تلك الأبيات التي تحوّلت إلى تأمّلٍ فلسفيٍّ عميقٍ في الموتِ والوجود، يقول فيها:
غَيْرُ مُجْدٍ في مِلَّتي واعْتِقادي
نَوْحُ باكٍ وَلا تَرَنُّمُ شادِ
وَشَبِيهٌ صَوْتُ النَّعِيِّ إذا قِيسَ
بِصَوْتِ البَشيرِ في كُلِّ نادِ
أَبَكَتْ تِلْكُمُ الحَمامَةُ أَمْ غَنَّتْ
عَلى فَرْعِ غُصْنِها المَيّادِ؟
صاحِ هٰذِهِ قُبورُنا تَمْلَأُ الرُّحْبَ
فَأَيْنَ القُبورُ مِنْ عَهْدِ عادِ؟
خَفِّفِ الوَطْءَ ما أَظُنُّ أَدِيمَ الأَرْضِ
إِلّا مِنْ هٰذِهِ الأَجْسادِ
وقد اختلف الباحثون والمؤرخون في حقيقة اعتقاد المعرّي اختلافًا واسعًا.
ففريقٌ رأى أنّه كان زنديقًا متشككًا، واستندوا إلى بعض أقواله وأشعاره، وإلى ما نقله ابن الجوزي عن أبي زكريا التبريزي، وإلى وصف الذهبي له ضمن الشخصيات المتهمة بالزندقة.
ومن الأبيات التي استشهد بها خصومه:
هذا بناقوسٍ يدقُّ
وذا بمئذنةٍ يصيحُ
كلٌّ يُحبّذُ دينَهُ
يا ليتَ شِعري ما الصحيحُ؟
في المقابل، دافع عنه عددٌ من الباحثين والأدباء، ورأوا أنّ كثيرًا من الأشعار المنسوبة إليه ليست صحيحة.
وقد أشار الذهبي إلى أنّ بعض أشعار الزندقة المنسوبة للمعرّي ركيكةُ الأسلوب، لا تشبه شعرَه المعروف.
كما دافع عنه طه حسين في كتابه مع أبي العلاء في سجنه، وكذلك بنت الشاطئ التي رأت أنّ الملاحدة ألصقوا به أقوالًا بعد وفاته لا وجود لها في كتبه الأصلية.
وظلّ المعرّي حتى وفاته سنة 449هـ حبيسَ عزلته وتأملاته.
وقد أوصى أن يُكتب على قبره:
«هذا جناهُ أبي عليَّ
وما جنيتُ على أحد».
وربّما لم يكن أبو العلاء شاعرًا عاديًا يُقرأ ثم يُنسى.
بل كان عقلًا عربيًا قلقًا سبق عصره بأسئلته، فعاش مطعونًا بالشكِّ، ومحاطًا بسوء الفهم، ومطاردًا باتهاماتٍ لم تنطفئ حتى اليوم.
ولهذا بقي بعد ألفِ عامٍ حاضرًا في الذاكرة؛ لا بوصفه شاعرًا فقط، بل بوصفه واحدةً من أكثر الشخصيات العربية إثارةً للحيرة والجدل والأسئلة الكبرى.


