أحمد الشريف يكتب: الملحمة الفلسطينية

في السابع من نوفمبر الماضي وبعد شهر كامل من بدء عملية “طوفان الأقصى” راسلني الكاتب الصحفي الأستاذ حاتم سلامة صاحب الفكر المحترم والأسلوب الرشيق بخصوص المشاركة مع مجموعة من الكتاب والمثقفين العرب في إصدار كتاب عن فلسطين، وهو الأمر الذي لم أسعد بمثله لسنوات طويلة ماضية سقطت فيها الأمة في بئر التخلف والتبعية والاستبداد، وُئِدت فيها ثوارت الربيع العربي وانتفاضات الشعوب من أجل الحرية والكرامة والعدالة وهى الثورات التي كانت ثمرة جهود الصحوة الإسلامية التي أظلت المنطقة العربية منذ نهاية سبعينات القرن الماضي.
وإن من أكبر أسباب السعادة في هذه الدعوة أن مضمون الكتاب وموضوعه الرئيسي هو نفس الأمر الذي هز العالم في السابع من أكتوبر وبدد تلك الغيوم من الكآبة التي حجبت عن الأمة نور الحياة في العشر سنوات الأخيرة. وزرع فينا بذور الأمل من جديد معلنا أن الأمة لا تزال تملك القدرة على النهوض والقتال والنضال في سبيل مقدساتها ومن أجل مستقبلها.
ثم ما كان من معرفتي بمساهمة اثنين من أساطين الفكر ومن الثقات المبرِّزين في معركة الوعي ورمزين من رموز الصحوة الإسلامية المعاصرين:
الأول هو الكاتب الكبير الأستاذ «فهمي هويدي» الذي كان أكثر من عمل بالصحافة استيعابا لأبعاد القضية ووعيا بتاريخها وجرأة في الكتابة عنها، فلا أزال أذكر مقاله الخطير إبان حكم “مبارك” الذي نشرته الشروق في ١٣ أغسطس ٢٠١٠م «الانحياز إلى فلسطين معيار الوطنية الحقة» وفيه يقول:
«إن الهنود كانوا ٤٠ شعبا حقا إلا أنهم لم يشكلوا أمة لها امتداداتها خارج حدودها. على العكس تماما من الفلسطينيين الذين قاوموا الإبادة بالتكاثر والتناسل، ولا يزالون يمثلون جزءا وجرحا فى المحيطين العربي والإسلامي.
ولذا فإن إنجاح محاولة اقتلاع الشعب الفلسطيني لم يعد يكفى فيها تعاظم القدرة العسكرية الإسرائيلية والسعي اللحوح لابتلاع الأرض وتغيير جغرافيتها، وإنما بات ذلك يقتضى أيضا إخضاع العالم العربي المحيط أو تدجينه.
وذلك يفسر لنا إجماع الخبراء الصهاينة على اعتبار معاهدة الصلح التي عقدها الرئيس «السادات» في عام ١٩٧٩ بمثابة «الميلاد الثاني» لإسرائيل، وقولهم إنها تمثل الحدث الذي يعادل في الأهمية التاريخية تأسيس الدولة العبرية في عام ١٩٤٨م. وخطورة هذه المعاهدة لا تكمن فقط في إخراج مصر القوة العربية الأكبر والأخطر من معادلة الصراع. وإنما تكمن أيضا في استثمارها لصالح تعزيز أمن إسرائيل والدفاع عن مشروعها.
هذه الخلفية تفسر لنا لماذا اعتبر الجنرال «بنيامين بن إليعيزر» وزير التجارة الإسرائيلي أن القيادة المصرية باتت تمثل «كنزا استراتيجيا» لإسرائيل، ولماذا تمنى الحاخام الأكبر «عوفاديا يوسف» للرئيس مبارك دوام العافية وطول العمر. ولماذا سعت إسرائيل بكل ما تملك من جهد ونفوذ للحفاظ على الوضع القائم في مصر، ولماذا يعلن قادتها بين الحين والآخر أن انسحابها من معاهدة السلام يعد عندهم خطًا أحمر ليس مسموحا بتجاوزه، وأنهم سيقاومون ذلك الانسحاب بكل السبل في إشارة ضمنية غير خافية إلى استعداد إسرائيل للدخول في حرب لأجل استمرار العمل بالمعاهدة!»
ومن الجدير بالذكر هنا معرفة أن آخر مقال كتبه الأستاذ قبل الحظر التام والمنع من الكتابة كان بعنوان “أيجوز التعاطف مع غزة؟”، بتاريخ ٢٨ يونيو ٢٠١٧م، وهو المقال الذي لو لم يذكر تاريخه لظننت أنه كتبه الآن، حيث كتب في مقدمته:
«هل يجوز لنا أن نتعاطف مع غزة حين تتعرض للقصف الإسرائيلي؟ السؤال له ما يبرره. إذ بعدما صنفت حركة حماس ضمن المنظمات الإرهابية كما ذكر وزير الخارجية السعودي، ولأن الحركة قائمة على الأمر في غزة، وبعدما صار التعاطف مع الأشقاء جريمة يعاقب مرتكبها بالسجن لمدة تصل إلى ١٥ عاما، فليس مستبعدا أن يتهم التضامن مع غزة ضد الغارة الإسرائيلية دعما للإرهاب..»!.
أما الآخر فهو المفكر والأديب والمؤرخ «عماد الدين خليل» الذي تعلمت منه الكثير وخاصة ما جادت به قريحته في كتب: «ملامح الانقلاب الإسلامي في خلافة عمر بن عبد العزيز» و«نور الدين محمود.. الرجل والتجربة»، و«حول إعادة تشكيل العقل المسلم» الذي كتبه سنة ١٩٨٤م ونشر ضمن سلسلة كتاب الأمة الغراء، وقد تعلمت منه: «أن الخطوة الحاسمة التي يخطوها الإسلام متميزًا بها عن سائر المذاهب والنظريات أنه يضع أهدافًا أعلى، وقيمًا أوسع وأكثر شمولاً من مجرد تضييق نطاق الحياة البشرية في البحث عن إشباع الحاجات الجسدية. لأن تركيز الهدف النهائي للإنسان في الإشباع وحده يشده الى الأرض ويلصقه بترابها ويبعده عن مواقع الاستشراف الإيماني الشاملة الرحبة: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ [محمد الآية ١٢]
إن الاسلام لم يرد لنا يوما أن ننعزل عن الحياة ونتخذ إزاءها مواقف السلب والفرار، الإسلام حركة جهاد دائمة لتغيير العالم، ولقد دعانا إلى النزول إلى الساحة من أول لحظة..»..
وقد اِزدانَ بهما الكتاب وبتلك الكتيبة من أصحاب الأقلام الحرة النبيلة التي نسجت أفكاره ودبجت مقالاته. وإن إلقاء نظرة على تلك المقالات لتدل دلالة واضحة على الفطرة السليمة للمثقف العربي التي لم تتشوه رغم الحرب الشرسة من أنظمة «كامب ديفيد» و«أوسلو» و«وادي عربة» وكل الأبواق التي تعمل في خدمتها بمختلف آلياتها الإعلامية الجبارة. وتؤكد على أنها جميعاً تصدر من معين واحد هو الانحياز الواعي والمخلص للقضية الفلسطينية ولا شيء سواها..
ولقد شاركت فيه بمقال: «حل الدولتين بين الوهم والحقيقة»، باعتبار أنه العنوان الأبرز والقاسم المشترك على لسان المسؤولين العرب والأجانب عند كل أزمة أو عدوان أو انتفاضة تحدث في الأرض المحتلة.. وإن صلاحيته ممتدة مع الأيام إلى أن يأذن الله تعالى بتمام نصره وزوال الاحتلال من كل شبر في فلسطين.
وكان ذلك قبل شهرين من الآن جرى في نهر الطوفان ماء كثير وقبل أن أرى أيضا اسم الكتاب، الذي وُفق من اختاره أيما توفيق، وكأنه أُلهمه من السماء. حيث يتحدث عن ملحمة تتصاغر بجوارها ملحمة «هوميروس» الخالدة الخيالية «الإلياذة والأوديسة»، وتتفوق عليها ليس في عِظم الأحداث الواقعية فحسب، بل في أسطورية القصص التي يرويها الأبطال بدمائهم الزكية الطاهرة وصمودهم الخرافي، وبأسهم الشديد في مواجهة آلات الموت وحملات الإبادة.
ولذا أكاد أجزم بأني الآن كنت سأكتب مقالًا آخر يعبر عما يعتمل في النفس جرّاء تلك الملحمة العظيمة لهذا الشعب الباسل الأبي.. ولأني لست من أرباب الكتابة الأدبية ولا أمتلك ناصية اللغة وبلاغتها، فما علي لو اقتبست مما أبدعه الأديب والشاعر الفلسطيني الدكتور «وليد سيف» في حديثه عن «قرطبة» عاصمة الأندلس في ربيعها الذهبي، ولكن أستبدل بكلمة «قرطبة» «فلسطين» فأقول صارخاً وأنا أقف أعلى مرتفعات الجولان مطلا على الأرض المباركة:
فلسطين.. فلسطين حاضرة الدنيا ومجمع الأضداد ومهوى الأفئدة.. الساحة والمعترك.. سُلّم الصعود إلى الذروة، ومنحدر الهبوط إلى الجحيم.. النار والنعيم “فلسطين”!.
وهي واللّه كذلك، فلقد صار الشعب العربي يحب ويكره ويقيم وينقد بمعيار وحيد هو البوصلة الفلسطينية.. وكلنا لمسنا ما كان من حفاوة الأمة بموقف «جنوب أفريقيا» الداعم للقضية والرافض للعدوان على الشعب المظلوم المستضعف. حتى أن قطاعات عريضة من الأمة أعلنت منتخب جنوب أفريقيا فريقهم المفضل في بطولة الأمم المقامة حاليا في ساحل العاج!.
إن فلسطين صارت بحق سلم الصعود إلى الذروة، كما حدث مع الفنان «محمد سلام» الذي لم أكن أعرفه إلا من خلال دوره المشهور في مسلسل الكبير (هجرس)، قبل أن يصير حديث الناس ومحل تقديرهم برفضه الذهاب للرقص في السعودية وأهل غزة في محنة يقتلون وتدمر منازلهم. وبالمثل صعد نجم المراسل البطل «وائل الدحدوح» الذي أصبح رمزا للصبر والصمود وفخرا حقيقياً للعرب، كما صارت «روح الروح» أيقونة عالمية، واللواء «فايز الدويري» أشهر من نار على علم بعد أن ذكر اسمه في الأرض المقدسة ونادى عليه سادة الأمة المجاهدون «حلل يا دويري»، وأخيرا وليس آخرا «أبو عبيدة» صوت المجاهدين تاج الأمة ونجمها الساطع في سماء المقاومة ذلك الرجل الملثم الذي يتنادى الناس من المحيط إلى الخليج من أجل الاستماع إليه، كما كانوا يفعلون في حفل كوكب الشرق أم كلثوم، لا ليطربهم من سكرات نغماته، بل ليذهب بهم خارج سياق الزمان والمكان فيستعيدوا -ولو للحظات- مجدهم التليد وعزتهم الشامخة أيام الصحابة الأوائل وأبطال الإسلام الفاتحين!.
وهى كذلك منحدر الهبوط إلى الجحيم، الذي هوى فيه لاعب الكرة الأشهر «مو صلاح» الذي نطق مضطرا بعد صمت طويل من بداية الأحداث واشتداد العدوان على أهلنا في فلسطين فقال كلمته التي صارت مثلا للتندر والسخرية: «كل الأرواح مقدسة»!
وذلك حتى لا يغضب منه أحد، سواء من العرب المظلومين أو من الصـهاينة المعتدين، ثم رأيناه بعدها واضعاً قرونًا خضراء في سعادة بالغة أثناء زيارته لمستشفى أطفال بإنجلترا بمناسبة «عيد الكريسماس» مع مجموعة من لاعبي فريق «ليفربول»، فصار هو المنافس الأكبر للكوميديان المصري «بيومي فؤاد» أحد أكبر الخاسرين من طوفان الأقصى والذي نبذته الجماهير الغفيرة التي كانت تهيم به وتتزاحم على مشاهدة أعماله، بسبب صفاقته في الدفاع عن الاحتفالات الراقصة في موسم الرياض بالسعودية دون أدنى إحساس بالمأتم الكبير الذي تحياه الأمة، فصار يضرب به المثل في الدنو والابتذال فتقول: “هذا أرخص من بيومي فؤاد”!..
وليس هذا فحسب ولكن صارت أيضًا البوصلة الفلسطينية توجه وتتحكم في مصائر الشركات والعلامات التجارية من البيع والرواج أو الركود والبوار.. فتهافت الجميع على وضع العلم الفلسطيني على منتجاتهم حتى رأيناه على أبواب سلاسل مطاعم “كنتاكي” الأمريكية في البلدان العربية خشية المقاطعة التي فرضتها الأمة على من يؤيد ويدعم العدو الإسـرائيلي، والتي نجحت فى توحيد الأمة ورفع همتها للدرجة التي قوطعت فيها منتجات الإمارات والسعودية، قبل البريطانية والأمريكية!
في النهاية أدعو السادة القراء إلى محاولة اقتناء الكتاب لما فيه من معلومات مهمة عن القضية الأولى للأمة في عصرها الحديث، والذي سوف يذهب عائده بالكامل لأهل غزة كما أعلن الكاتب القدير الدكتور منير لطفي المشرف على تحرير الكتاب.
رحم الله شهداء فلسطين وكتب الأجر لهذا الشعب الجبار الذي يعيش تحت القصف ويعاني من ويلات الحصار من العدو والصديق، وأعز الأمة بنصر المقاومة المبين. إنه سبحانه قوي عزيز فعال لما يريد..
كتبه الفقير إلى عفو الله / أحمد الشريف
٦ رجب ١٤٤٥هـ/ ١٨ يناير ٢٠٢٤م..
#معركة_الوعي_أم_المعارك