شكل تقسيم البنغال سنة 1905م وما انبثق عنه من إنشاء إقليم إداري مستقل يضم شرق البنغال وآسام متخذا من مدينة دكا عاصمة له ترجمة سياسية واجتماعية حية لتطلعات الجماهير المسلمة وآمالها المؤجلة في هذه البقاع بعد عقود مديدة من التهميش الممنهج والإقصاء المقصود. وقد مثل هذا التحول التاريخي منعطفا حاسما في مسار نهوضهم العلمي والاقتصادي والاجتماعي إذ فتح أمامهم آفاقا أرحب لبناء الذات الجماعية وتعزيز الثقة بالنفس وترسيخ أسس الاعتماد على الإمكانات الذاتية في تدبير شؤونهم المصيرية.
غير أن تصاعد موجات الاعتراض ولا سيما من القوى الهندوسية ذات النفوذ دفع الحكومة البريطانية سنة 1911م إلى التراجع عن هذا القرار وإلغاء نظام تقسيم البنغال فيما عرف تاريخيا بإلغاء تقسيم البنغال. وقد خلف هذا القرار في النفوس المسلمة بشرق البنغال جرحا غائرا لا يندمل بسهولة إذ سرت في أوصالهم مشاعر السخط والمرارة وخيم عليهم إحساس عميق بالحرمان التاريخي وخيبة الأمل السياسية بعد أن لاحت لهم بشائر الإنصاف ثم ما لبثت أن توارت.
وفي خضم هذا المناخ المشحون بالألم والخذلان نهض نواب دكا السيد خواجة سليم الله تتقدمه طائفة من القيادات والنواب المسلمين البارزين وفي مقدمتهم الملقب بنمر البنغال أبو القاسم فضل الحق والسيد نواب علي شودري مطالبين بتأسيس جامعة في هذه الديار تكون تعويضا معنويا عن إلغاء التقسيم وجبرا لخواطر المسلمين في شرق البنغال ورافعة حضارية تسهم في الارتقاء بمستوى أبنائهم علميا وثقافيا ومدنيا. وقد قدم هذا المقترح رسميا للمرة الأولى في الحادي والثلاثين من شهر يناير سنة 1912م.
وخلال السنوات الست الممتدة بين سنتي 1905م و1911م شهد إقليم البنغال الشرقية نهضة شاملة وغير مسبوقة في ميادين التعليم والثقافة والاقتصاد غير أن التفوق التعليمي على وجه الخصوص كان الأوضح مظهرا والأبلغ تأثيرا حتى غدا نموذجا يحتذى ومبعث إعجاب وتقدير لدى المراقبين والمهتمين بالشأن التربوي والاجتماعي.
لقد أبدت الإدارة الجديدة عناية استثنائية بالطلاب المسلمين، إذ لم تكتف بتوفير المنح الدراسية لهم، بل عمدت إلى توسيع دائرتها وزيادة عددها في إطار سياسة داعمة لمسيرتهم العلمية والارتقاء بمستواهم المعرفي، إيمانا منها بأهمية تمكينهم تعليميا. ففي الوقت الذي كان فيه عدد المفتشين الفرعيين من المسلمين عند تقسيم إقليم البنغال لا يكاد يذكر، بل يقارب العدم، ارتفع هذا العدد بحلول عام 1912م الى نحو مائة وأربعة عشر مفتشا، في مؤشر واضح على التحول في السياسة التعليمية تجاههم. كما أنشئت دور لسكن الطلبة في غالبية المدارس والكليات، الأمر الذي أسهم إسهاما ملموسا في تيسير سبل التحصيل العلمي، وتوسيع دائرة انتشاره بين أبناء الاقليم.
وكان من البدهي أن يثير قرار إلغاء تقسيم البنغال موجة من التساؤلات العميقة حول مستقبل المسيرة التعليمية ومآلات مشروع النهوض العلمي، لا سيما في أوساط المسلمين، الذين عبروا عن استيائهم الشديد وسخطهم البالغ إزاء هذا القرار، لما رأوا فيه تهديدا مباشرا لمكتسباتهم الحديثة العهد. وفي خضم هذه الأجواء المشحونة بالتوتر السياسي والاجتماعي، قام الحاكم العام للهند، اللورد هاردينج، بزيارة رسمية إلى مدينة دكا استغرقت ثلاثة أيام، وذلك ابتداء من التاسع والعشرين من يناير سنة 1912م.
وفي يوم مغادرته، الموافق للحادي والثلاثين من الشهر ذاته، مثل بين يديه وفد إسلامي رفيع المستوى تألف من تسعة عشر عضوا، ترأسه نواب سليم الله، وضم في عضويته عددا من الشخصيات الاسلامية البارزة، من بينهم النواب نواب علي شودهري، وأبو القاسم فضل الحق، إلى جانب نخبة من رموز المجتمع المسلم آنذاك. وقد رفع الوفد إلى الحاكم العام مذكرة رسمية مشبعة بروح التقدير والاحترام، اشتملت على الاشادة بمواقفه، وعلى جملة من المطالب الجوهرية، وفي مقدمتها المطالبة بإنشاء جامعة في دكا، فضلا عن مطالب أخرى ذات صلة بالمصالح التعليمية والإدارية للمسلمين.
وردا على تلك المذكرة، أدلى اللورد هاردينج بتصريح عبر فيه عن إدراك حكومة الهند لكون التعليم هو سبيل المسلمين الأوحد إلى الخلاص الحقيقي، مؤكدا في معرض التدليل على صدق نواياها أنها سترفع إلى وزير الدولة توصية رسمية بإنشاء جامعة في دكا، إلى جانب استحداث منصب خاص يعهد إليه الإشراف على شؤون التعليم في الاقليم.
على الرغم من أن اللورد هاردينغ كان قد أصدر قراره في الحادي والثلاثين من يناير سنة 1912م، إلا أنه آثر إرجاء الكشف عنه، توقيا لما قد يثيره من عواصف الاعتراض في الأوساط الهندوسية المتحفزة آنذاك، وخشية ما يمكن أن يخلفه من اضطرابات فكرية وسياسية في المحيط العام. غير أنه لما انقضى اليوم الأول، وأقبل الثاني من فبراير، صدر البيان الحكومي الرسمي معلنا تأسيس جامعة في دكا، فجاء هذا الإعلان وقعه في نفوس المسلمين وقع الغيث على الظمأ، إذ لامس جراحهم المفتوحة وبدد شيئا من غمام الإحباط الذي خيم على قلوبهم، فاستقبلوه بمزيج من الابتهاج المتحفظ والترقب الحذر.
وعلى الضفة المقابلة من المشهد، ثارت ثائرة طائفة من النخب الهندوسية في شرقي البنغال وكلكتا، فهبت فئات من مثقفيهم ورجالاتهم للاعتراض على هذا المشروع الوليد، ولم يقتصروا على رفع العرائض وبسط الشكاوى في الأروقة الرسمية، بل تجاوزوا ذلك إلى حشد الاجتماعات، وتأليب الرأي العام، وتنظيم المسيرات والوقفات الاحتجاجية، محاولين بذلك تطويق المشروع ومنع تبلوره في حيز الوجود المؤسسي.
وبعد إلغاء تقسيم البنغال، وفي أجواء مشحونة بما راكمته تلك الخطوة من مرارة وسخط في الأوساط الإسلامية بشرق البلاد، سعت الحكومة البريطانية، من باب امتصاص الاحتقان واحتواء النقمة المتصاعدة، إلى التلويح بمشروع جامعة دكا بوصفها بادرة تهدئة وتعويض رمزي. غير أن مسلمي شرق البنغال لم يتلقوا ذلك الوعد بوصفه مجرد منحة سياسية عابرة، بل استوعبوه في وعيهم الجمعي باعتباره معلما حضاريا فارقا، وسلما سامقا للارتقاء العلمي والفكري، ورافعة مصيرية لإعادة بناء الذات الثقافية والاجتماعية في مرحلة مفصلية من تاريخهم الحديث.
وبموجب المنشور السيادي الصادر عن الحكومة الملكية المؤرخ في الرابع من أبريل سنة 1912م، أقدمت حكومة البنغال، صنيع السابع والعشرين من مايو من العام عينه، على استحداث هيئة استشارية مركبة من ثلاثة عشر عضوا من وجوه النخبة الإدارية والفكرية، برئاسة السيد روبرت ناثان، فغلب عليها في بطون المدونات التاريخية اسم لجنة ناثان. وقد أسفرت تداولاتها المطولة، بعد أخذ ورد وجدل مؤسسي واستقصاء إداري معمق، عن منظومة توصيات تقعيدية ارتكزت على أن تكون جامعة دكا مؤسسة تعليمية ذات طابع سكني داخلي شمولي، يناط بها حصرا تدبير الشأن الأكاديمي والإشرافي لكليات مدينة دكا دون أن تمتد ولايتها المؤسسية إلى ما سواها من الحواضر التعليمية الأخرى.
ولم تقصر اللجنة في وضع تقريرها على اجتهادات أعضائها فحسب، بل استعانت بشبكة موسعة من خمس وعشرين لجنة فرعية ذات اختصاصات دقيقة، تولت تفكيك المشروع تفكيكا بنيويا وتحليلا استراتيجيا متعدد المستويات، فأرست بذلك دعائم البناء الأكاديمي والهيكلي والتنظيمي للجامعة المرتقبة. وقد نال هذا التقرير، عقب عرضه على الجهات العليا المختصة، مصادقة رسمية من وزير شؤون الهند سنة 1913م، غير أن الزلزال الكوني المتمثل في اندلاع الحرب العالمية الثانية، وما انبثق عنه من سياسات اقتصادية تقشفية قسرية انتهجتها الإدارة البريطانية آنذاك، قد حال دون التفعيل الفوري لمخرجات المشروع، فتم إرجاء إنشاء جامعة دكا وتأجيل بعثها المؤسسي إلى أجل غير معلوم.
لما تناهى إلى مسامع النخب أن مشروع إنشاء جامعة في دكا آيل إلى الاندثار، ومشارف على أن يطوى في غياهب الإهمال ويطمس في متاهات البيروقراطية الاستعمارية، نهض السيد نواب علي شودري سنة 1917م قيام من استشعر جسامة المسؤولية التاريخية، فبادر إلى رفع هذه القضية إلى مصاف التداول في رحاب المجلس التشريعي الإمبراطوري للهند البريطانية، فكان رد الحكومة ممهورا بالإقرار بأن مشروع قانون جامعة دكا قد استوى نصا وصياغة، وأبرمت مسودته النهائية، غير أن نفاذه العملي أرجئ إلى حين انقشاع ليل الحرب وانطفاء أتونها.
وفي غضون العام ذاته، اضطلعت لجنة سادلر، التي شكلت لإعادة هندسة البنية التعليمية لجامعة كلكتا، بمهمة تقويض المسألة تقويضا معرفيا وتحليل المشروع تحليلا بنيويا معمقا. وقد خلصت، بعد طول نظر واستقصاء منهجي، إلى تزكية إنشاء صرح جامعي في دكا تزكية صريحة لا لبس فيها. ثم إنها لما استبان لها وهن المقترحات التي ساقتها لجنة ناثان، والقاضية بجعل كليات دكا وحدات مؤسسة للجامعة، آثرت العدول عنها إلى تصور أكثر تركيبا وعمقا، مؤداه اعتبار الدور السكنية الجامعية وحدات وظيفية وأكاديمية قائمة بذاتها، على نحو يزاوج بين الوظيفة التربوية والبنية المؤسساتية، مع الدعوة إلى تشييد قاعة المسلمين وقاعة دكا وقاعة جاغانات بوصفها نوى أولى في التكوين الهيكلي لهذه المؤسسة العلمية المرتقبة.
لقد تمخضت لجنة جامعة كلكتا عن ثلاث عشرة توصية مؤسسة لإنشاء جامعة بدكا، فانتظمت هذه التوصيات، بعد اخضاعها لجملة من التنقيحات والتحويرات التشريعية، في قالب قانوني محكم عرف باسم قانون جامعة دكا، فحازه بالاقرار المجلس التشريعي الهندي سنة 1920م، ثم أضفيت عليه الشرعية الامبراطورية بمصادقة الحاكم العام للهند في الثالث والعشرين من مارس من العام نفسه.
وبذلك تفتح فجر هذه المؤسسة الاكاديمية في الاول من يوليو سنة 1921م، حين خرج صرحها الى حيز التحقق التاريخي متوشحا بثلاث كليات، واثني عشر قسما معرفيا، وثلاثة اجنحة سكنية، ليغدو بعدها قطبا علميا شامخا، ومنهلا معرفيا تستسقي منه نخب البلاد وفحولها.
وقد كان باكورة من تقلد سدة الرياسة الجامعية، وأسند اليه لواء القيادة العلمية، المستشرق البريطاني بي جي هارتوغ.
المراجع:
1- أخبار السكن الجامعي بجامعة دكا: السكن الطلابي المسلم، جهانغير عالم
2- في أصول تأسيس جامعة دكا وخلفياته التاريخية، ميزان الرحمن


