انتهى موسم الدراما الرمضانية بقرار سياسي إدراج الدكتور محمود عزت والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح على قائمة الإرهاب!!
قرار يختصر الهدف من الأعمال الدرامية في مصر.
في زمنٍ لم تعد فيه الحكايات تُروى من أجل المتعة فقط، بل تُصاغ لتُوجّه الذاكرة وتُعيد ترتيب الوعي، يصبح العمل الدرامي ساحة صراع لا تقل خطورة عن أي ميدان آخر.
هنا، لا تُستخدم الكاميرا لتوثيق الواقع، بل لإعادة خلقه، ولا يُستدعى الماضي ليفهم، بل ليُعاد تشكيله بما يخدم الحاضر.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة مسلسل «رأس الأفعى» لا كعمل فني بريء، بل كنصٍّ محمّل برغبة واضحة في إعادة تعريف الخصم، وتفريغ فكرة التغيير السياسي من مضمونها، وإعادة هندسة الذاكرة الجمعية وفق سردية واحدة مغلقة.
الدراما، في جوهرها، فنّ التعقيد. هي المساحة التي تتصارع فيها الدوافع، وتتداخل فيها النوايا، ويخرج منها الإنسان ككائن مركّب، لا يمكن اختزاله في صورة واحدة.
لكن حين تتحول إلى أداة، تفقد هذا التعقيد، وتتحول الشخصيات إلى رموز، والرموز إلى شعارات. وهنا تقع أولى أزمات العمل:
اختزال الخصم في صورة مسطّحة، بلا عمق، بلا سياق، بلا تاريخ يُفهم أو يُناقش. ليس هناك محاولة للفهم، بل إصرار على الإدانة. ليس هناك سؤال، بل إجابة جاهزة.
ويزداد هذا الاختزال حدّة حين يتجاهل العمل واقعًا اجتماعيًا لا يمكن إنكاره بسهولة، وهو طبيعة حضور جماعة الإخوان المسلمين داخل المجتمع المصري لعقود طويلة.
هذا الحضور لم يكن مجرد خطاب سياسي عابر، بل تداخلًا ممتدًا مع تفاصيل الحياة اليومية لقطاعات واسعة من الناس. من خلال خدمات صحية، وقوافل طبية، وأنشطة تعليمية، ومساهمات اجتماعية واقتصادية، إلى جانب مشاركة فاعلة في النقابات المهنية والاتحادات الطلابية والعمالية، تشكّل نمط من التماس المستمر مع المجتمع، جعل صورتها لدى كثيرين مرتبطة بالمعايشة المباشرة لا بالخطاب الإعلامي وحده.
تجاهل هذا البعد في العمل الدرامي لا يُنتج اختصارًا فنيًا، بل يُنتج نقصًا في الصورة، ويخلق فجوة بين ما يراه المشاهد في تجربته، وما يُقدَّم له على الشاشة.
في هذا النوع من السرد، لا يُطلب من المشاهد أن يفكر، بل أن يتلقّى. أن يسلّم بما يُعرض عليه، لا لأن الأدلة تُقنعه، بل لأن الإيقاع والحوار يفرضان حالة من القبول القسري.
لكن المفارقة أن هذا الأسلوب، بدل أن يعزز الرسالة، يكشف هشاشتها. فحين تغيب التفاصيل، ويُستبدل المشهد بالبنية المتماسكة، يشعر المشاهد بأن هناك شيئًا ناقصًا، بأن الحقيقة لا تُروى كاملة، بل يُكتفى بجزء منها يُعاد تضخيمه.
الاعتماد على معلومة واحدة—قد تكون صحيحة في أصلها—ثم البناء عليها في مشاهد وحوارات مكثفة دون سياق كافٍ، يجعل السرد يبدو كأنه يحاول تعويض نقص الإقناع بالكثافة الخطابية.
أخطر ما في هذا النوع من الأعمال ليس ما يقوله، بل ما يتجاهله. فالصمت هنا ليس حيادًا، بل اختيار واعٍ. تجاهل فكرة أن التغيير السياسي يمكن أن يحدث عبر أدوات مدنية، وتجاهل لحظة تاريخية آمن فيها قطاع من الناس بإمكانية التحول السلمي، وتجاهل سؤال جوهري حول تداول السلطة ومعايير التقييم السياسي، كلها عناصر تجعل السرد منحازًا في بنيته قبل أن يكون في مضمونه.
هنا يتحول العمل من مساحة للتأمل إلى أداة لإعادة صياغة الذاكرة، لا لفتحها على احتمالات متعددة، بل لحصرها في إطار واحد.
في المقابل، يصبح المشاهد أكثر حساسية لهذا النوع من التوجيه حين يلاحظ الفجوة بين الواقع المتنوع والخطاب الأحادي. فالدراما القوية لا تخشى التعقيد، بل تحتضنه.
لا تخشى الاعتراف بوجود جمهور يرى الأمور من زاوية مختلفة، بل تمنحه مساحة داخل البناء السردي. أما حين يُختزل المجتمع في لون واحد، أو يُقدَّم التنوع كتهديد بدل أن يكون حقيقة واقعة، فإن الرسالة تفقد جزءًا كبيرًا من قدرتها على الإقناع.
وهنا تبرز أهمية فقرة بنائية لا يمكن تجاوزها:
إن أي مجتمع متعدد مثل المجتمع المصري يحتاج إلى صهر نسيجه الوطني بكل أطيافه، والاستفادة من التنوع والثراء في داخله بدل دفعه نحو الاصطفاف والخصومة.
التنوع السياسي والفكري ليس عيبًا، بل مصدر قوة إذا أُدير ضمن قواعد عادلة. أما حالة الإقصاء والاستعداء، فغالبًا ما تؤدي إلى احتقان طويل الأمد، لأنها تُبقي أجزاء من المجتمع خارج المعادلة، بدل دمجها في إطار مشترك.
الدراما، حين تكون مسؤولة، يمكن أن تساهم في تقليل المسافات بين الفئات المختلفة عبر تقديم روايات تعترف بالتعقيد، وتُظهر التداخل بين التيارات، بدل أن ترسم حدودًا حادة بينها. فصناعة نسيج وطني متماسك لا تتحقق بإلغاء الاختلاف، بل بإدارته ضمن مساحة قانونية وسياسية متوازنة تتيح للجميع الشعور بالانتماء.
لكن حين يتحول العمل الفني إلى خطاب أحادي، ويعتمد على إعادة صياغة الماضي بطريقة انتقائية، فإنه يخاطر بفقدان ثقة الجمهور. فالجمهور ليس كتلة واحدة، بل مجموع خبرات وذاكرات وتصورات. وإذا شعر بأن ما يُعرض عليه يتجاهل جزءًا من هذه الخبرة، فإنه قد لا يرفض الفكرة فقط، بل يرفض الأسلوب ذاته.
في النهاية، تظل قوة الدراما في قدرتها على طرح الأسئلة لا في تقديم الإجابات المغلقة. العمل الذي يخشى السؤال، ويكتفي بتثبيت رواية واحدة، قد ينجح مؤقتًا في التأثير، لكنه يخسر على المدى البعيد رهانه الأهم: الإقناع. فالحقيقة، مهما اختلفت حولها التفسيرات، تظل أكثر قدرة على الصمود حين تُعرض كاملة، بتناقضاتها وتعدد أصواتها، لا حين تُختزل في سردية واحدة تُطلب من الجميع تصديقها دون نقاش.







