في محاولة لاحتواء توتر غير معتاد بين حليفين إقليميين، وصل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى إقليم قره باغ الأذربيجاني، اليوم الأحد، للقاء نظيره إلهام علييف، في زيارة تحمل رسائل سياسية تتجاوز الاحتفال بذكرى انتصار أذربيجان في حربها مع أرمينيا عام 2020.
وجاءت الزيارة بعد شهرين من خلافات علنية بين أنقرة وباكو، بدأت على خلفية القيود التي فرضتها أذربيجان على ارتداء الحجاب في المدارس، لكنها سرعان ما كشفت عن تباينات أعمق تتعلق بالسيادة والنفوذ الإقليمي والعلاقات مع إسرائيل وأرمينيا.
وخلال مؤتمر صحفي مشترك في مدينة شوشة، أكد أردوغان أن محاولات إضعاف علاقات الأخوة بين البلدين لن تنجح، مشدداً على أن العلاقات التركية الأذربيجانية اجتازت اختبارات تاريخية عديدة.
أما علييف، فاستقبل الزيارة في توقيت حساس، بعدما أثار غيابه عن قمة منظمة الدول التركية في أنقرة، رغم دعوة أردوغان الشخصية، تساؤلات بشأن مستقبل العلاقة بين القيادتين.
أزمة الحجاب.. خلاف يتجاوز المسألة الدينية
بدأت الأزمة في سبتمبر الماضي عندما عدلت الحكومة الأذربيجانية قواعد الزي المدرسي، بما أدى عملياً إلى منع ارتداء الحجاب في المدارس الحكومية.
وأثارت الخطوة اعتراضات في تركيا، خصوصاً داخل حزب العدالة والتنمية الحاكم، الذي ارتبط تاريخه السياسي بالدفاع عن حق النساء في ارتداء الحجاب وإنهاء القيود المفروضة عليه.
وتصاعدت الأزمة بعدما انتقد مستشار أردوغان أوكتاي سارال السياسة الأذربيجانية وطالب بمراجعتها، الأمر الذي اعتبرته باكو تدخلاً في شؤونها الداخلية.
ووصل الخلاف إلى منع 31 مواطناً تركياً من دخول أذربيجان، وسط تصاعد التراشق الإعلامي والسياسي بين الجانبين. كما أقال أردوغان مستشاره سارال في خطوة عكست محاولات أنقرة احتواء الأزمة.
وترى غونول تول، مديرة برنامج تركيا في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، أن أزمة الحجاب ليست سوى مؤشر على خلافات أعمق، تشمل سيادة أذربيجان، وحدود النفوذ التركي في باكو، والاختلافات بشأن إسرائيل وأرمينيا.
وهذا التفسير يضع الأزمة في إطار أوسع من الخلاف حول السياسة التعليمية، إذ يتمسك علييف باستقلال القرار الأذربيجاني، ويرفض التعامل مع بلاده باعتبارها الطرف الأصغر في علاقة التحالف مع تركيا.
إسرائيل.. نقطة خلاف استراتيجية
يمثل التقارب الأذربيجاني مع إسرائيل أحد أبرز مصادر التباين بين البلدين.
فباكو ترتبط بعلاقات عسكرية واقتصادية وثيقة مع تل أبيب، التي قدمت لها أسلحة وتكنولوجيا عسكرية ساعدتها خلال حرب عام 2020 مع أرمينيا، كما أصبحت أذربيجان مورداً مهماً للطاقة إلى إسرائيل.
في المقابل، يتبنى أردوغان خطاباً شديد الانتقاد للسياسات الإسرائيلية في غزة، واتهم الحكومة الإسرائيلية بارتكاب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين.
وهنا تظهر مفارقة استراتيجية؛ فتركيا وأذربيجان تتعاونان عسكرياً وسياسياً، لكنهما لا تتبنيان الموقف نفسه تجاه إسرائيل.
ويرى محللون أن هذا التباين يعكس اختلاف حسابات الأمن القومي لدى الطرفين؛ فباكو تنظر إلى إسرائيل باعتبارها شريكاً عسكرياً وتكنولوجياً مهماً، بينما أصبحت المواجهة السياسية التركية مع تل أبيب أكثر حدة بسبب الحرب على غزة.
أرمينيا.. اختبار آخر للتحالف
تظهر خلافات إضافية في تعامل البلدين مع أرمينيا.
فتركيا تسعى إلى تطبيع علاقاتها مع يريفان وفتح صفحة جديدة في جنوب القوقاز، لكنها تربط خطوات التطبيع بالتقدم في مسار السلام بين أذربيجان وأرمينيا.
أما باكو، فتركز على تثبيت المكاسب التي حققتها في قره باغ والحصول على ترتيبات سياسية وأمنية تضمن مصالحها الإقليمية.
ويشير المحلل الأذربيجاني إيلخان شاهين أوغلو، رئيس مركز أطلس للأبحاث في باكو، إلى أن الخلاف يرتبط برفض أذربيجان التعامل باعتبارها الشقيق الأصغر في التحالف، وإصرارها على أن تكون العلاقة قائمة على الشراكة المتكافئة.
ويكشف هذا الموقف عن تحول مهم في طبيعة العلاقة؛ فبعد سنوات من الاعتماد الأذربيجاني على الدعم التركي، أصبحت باكو أكثر تمسكاً بهامش استقلالها في السياسة الخارجية.
لماذا يصعب انفراط التحالف؟
على الرغم من الخلافات، تظل المصالح الاقتصادية والعسكرية والجغرافية عوامل قوية تمنع تحول التوتر إلى قطيعة.
فتركيا تمثل ممراً استراتيجياً رئيسياً لصادرات النفط والغاز الأذربيجانية نحو الأسواق الغربية، عبر خطوط الأنابيب والبنية التحتية الممتدة إلى البحر المتوسط.
كما أن التعاون العسكري بين البلدين تعزز خلال حرب قره باغ، وأصبحت أنقرة شريكاً أساسياً في تحديث القدرات الدفاعية الأذربيجانية، إلى جانب التنسيق السياسي بشأن مستقبل جنوب القوقاز.
وتكتسب مدينة شوشة أهمية خاصة في هذا السياق، ليس فقط باعتبارها رمزاً للانتصار الأذربيجاني، وإنما أيضاً بسبب إعلان شوشة الموقع بين البلدين عام 2021، الذي رسخ إطار الشراكة الاستراتيجية والتعاون الدفاعي.
هل تنجح دبلوماسية المصافحة؟
تحمل زيارة أردوغان رسالة واضحة مفادها أن الخلافات لا ينبغي أن تتحول إلى أزمة تهدد التحالف التاريخي. لكن المصافحة والبيانات المشتركة لا تعني بالضرورة معالجة أسباب التوتر.
وتكشف ردود الفعل الأذربيجانية عن حساسية متزايدة تجاه أي انتقاد تركي للقرارات الداخلية، بينما يواجه أردوغان تحدياً في الحفاظ على علاقته بباكو دون تجاهل الضغوط السياسية داخل تركيا، خصوصاً بشأن الحجاب والعلاقات الأذربيجانية الإسرائيلية.
في النهاية المشكلة بين أردوغان وعلييف ليست في الحجاب وحده، وإنما في طبيعة التحالف نفسه: هل هو علاقة أخوة سياسية تمنح أنقرة نفوذاً واسعاً في باكو، أم شراكة بين دولتين لكل منهما حساباتها ومصالحها المستقلة؟
لقد تغيرت مكانة أذربيجان بعد انتصاراتها العسكرية في قره باغ، وأصبحت أكثر قدرة على تنويع شراكاتها الدولية، بما فيها إسرائيل وتركيا وروسيا والغرب.
وفي المقابل، تحتاج تركيا إلى أذربيجان لتعزيز حضورها في جنوب القوقاز والوصول إلى آسيا الوسطى، فضلاً عن مصالح الطاقة والنقل.
لذلك، فإن المصالحة بين الرئيسين تفرضها مصالح استراتيجية متبادلة، لكن استمرار التحالف يتطلب إدارة الاختلافات واحترام استقلال القرار السياسي لكل دولة.
والاختبار الحقيقي لن يكون في التصريحات الاحتفالية بمدينة شوشة، بل في قدرة أنقرة وباكو على التوفيق بين خلافاتهما بشأن إسرائيل والحجاب وأرمينيا، دون التضحية بشراكة تمثل ثقلاً مهماً في معادلات المنطقة.







